نساء ينقلن عدوى أمراض جنسية للجنود بمقابل مالي

لعربي خالد

في سجلات الحروب، لا تُقاس المرارة فقط بحجم الدمار وخسائر المعارك، بل بالتكتيكات اليائسة التي يعتمدها الإنسان للبقاء على قيد الحياة. شهدت الجبهة الفرنسية خلال الحرب العالمية الأولى (1914–1918) واحدة من أغرب وأحلك الظواهر الاجتماعية والنفسية: ارتفاع أسعار خدمات البغايا المصابات بمرض الزهري (Syphilis) مقارنة بالسليمات، بطلب صريح ومباشر من الجنود المرابطين في الخنادق.

تستعرض هذه الظاهرة جانباً مظلماً وغير تقليدي لتاريخ الحرب؛ حيث تحول المرض الجنسي المعدي والخطير من كابوس يخشاه البشر إلى “طوق نجاة” يتهافت عليه الجنود للهروب من جحيم الجبهة الأمامية.

1. واقع الخنادق: عندما يصبح الموت حتمية يومية

لفهم الدوافع التي جعلت جندياً بكامل قواه العقلية يسعى للإصابة بمرض الزهري، يجب استحضار البيئة التي عاش فيها جنود الخنادق على الخطوط الأمامية في شمال وشرق فرنسا:

  • الجحيم الفيزيائي: طين يصل إلى الركب، برد قارس، انتشار القوارض وحشرات القمل، ومرض “قدم الخندق” الذي يؤدي لتعفن الأقدام.
  • الرعب الميكانيكي المستمر: قصف مدفعي لا يتوقف لأيام متواصلة، غازات سامة تشل الرئتين، وهجمات انتحارية عبر “المنطقة المحرمة” (No Man’s Land) تحت وابل الرشاشات.
  • الإجهاد النفسي الصادم: حالة الترقب الدائم للموت أدت إلى انهيار عصبي واسع النطاق عُرف آنذاك بـ “صدمة القذائف” (Shell Shock).

في ظل هذه الظروف، أصبحت الفكرة السيائدة لدى الجندي هي: “الموت في الخندق مؤكد خلال أيام أو أسابيع، بينما الإصابة بالمرض تعني الابتعاد الفوري”.

2. ميكانيكية “تذكرة المستشفى” وعرض السوق السوداء

كانت اللوائح العسكرية للجيش الفرنسي (والجيوش القادمة للدفاع عن أراضيه كالب any البريطانية) تنص على نقل أي جندي تُثبت الفحوصات الطبية إصابته بمرض زهري حاد أو سيلان سري إلى المستشفيات الخلفية للعزل والعلاج لمدة تتراوح بين ثلاثة أسابيع إلى شهر كامل.

أدى هذا الإجراء العسكري إلى نشوء معادلة اقتصادية وسلوكية صدمت المؤرخين:

أ. انقلابات اقتصاد البغاء العسكري

في بيوت الدعارة المجهزة أو السرية القريبة من مناطق استراحة الجنود خلف الخطوط (Maison Close)، أدركت بعض البغايا الطلب العالي على “العدوى”. أصبحت المرأة التي تحمل أعراض مرض الزهري تتقاضى أجراً مضاعفاً عدة مرات من الجنود الراغبين في نقل العدوى لأنفسهم عمداً.

ب. “الاستثمار في المرض”

كان الجندي يدفع أجراً مرتفعاً وهو يعلم تماماً أنه يشتري مرضاً خطيراً؛ فالهدف لم يكن متعة جسدية، بل كان صفقة تجارية صريحة: دفع أجر إضافي مقابل الحصول على إجازة مرضية حتمية بعيداً عن القصف والوحل.

3. الزهري في زمن ما قبل الانتيبيوتيك (المخاطرة المرعبة)

تكمن التراجيديا الحقيقية لهذه الظاهرة في أن هذه الممارسة حدثت في فترة ما قبل اكتشاف البنسلين (Penicillin) في ثلاثينيات القرن الماضي.

كان علاج الزهري حينها يعتمد على مركبات سامة مثل الزئبق (Mercury) والسالفرسان (Salvarsan)، وهي علاجات مؤلمة للغاية ولها آثار جانبية جسيمة قد تؤدي إلى تشوهات، تلف الأعصاب، أو الفشل الكلوي.

ومع ذلك، رجّح آلاف الجنود كفة المخاطرة بتلف الجسد التدريجي على كفة تمزيق أجسادهم بالقذائف المدفعية في خنادق “فيردان” و”المعركة على الصوم”.

4. التحليل النفسي والاستراتيجي للحدث

تفتح هذه الظاهرة نافذة على أعماق النفس البشرية تحت الضغوط القصوى:

[ الجحيم الميداني في الخنادق ] ──► موت حتمي / انهيار عصبي
                                       │
                                       ▼
[ البحث عن مخرج (Self-Preservation) ] ──► قبول الإيذاء الذاتي والتعمد المرضي
                                       │
                                       ▼
[ الحصول على إجازة مستشفى (Month of Safety) ] ──► النجاة المؤقتة على حساب الصحة المستقبليّة
  1. غريزة البقاء الفائقة (Self-Preservation Mechanism): عندما تُسلب من الإنسان كل خيارات النجاة الأخلاقية والاعتيادية، يُصبح الخيار “الأقل سوءاً” هو الخيار العقلاني الوحيد بالنسبة له.
  2. التمرد الصامت على الحرب: لم يكن بإمكان الجنود العصيان العسكري المباشر لأن عقوبته هي الإعدام رمياً بالرصاص بتهمة الخيانة أو الجبن. لذا، مثلت الإصابة بالزهري شكلاً من أشكال التمرد البيولوجي الصامت الذي يُعفي الجندي من المساءلة القانونية الحادة مقارنة بإطلاق النار على القدم أو اليد (Self-inflicted wounds).

لم تكن ظاهرة تفضيل البغايا المصابات بالزهري في فرنسا عام 1914 مجرد حادثة غريبة في التاريخ الطبي أو الاجتماعي للحروب، بل كانت وثيقة إدانة صارخة لبشاعة الحرب العالمية الأولى.

لقد كشفت كيف يمكن للمظالم والفظائع الميدانية أن تقلب المفاهيم البشرية رأساً على عقب؛ فيصبح المرض الخطير أمنية، والتضحية بالصحة العقلية والجسدية ثَمناً رخيصاً لمجرد الحصول على شهر واحد من الهدوء والنوم على سرير جاف بعيداً عن الموت.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك