من الفصاحة إلى التنطّع: ألا هلكَ المتنطّعون 

من الفصاحة إلى التنطّع: ألا هلكَ المتنطّعون

رشيد مصباح (فوزي)

التنطّع في اللغة هو التعمّق والتكلّف والتفاصح، والتشدّق في الكلام، ومحاولة إظهار القدرة على استعمال ألفاظ وأساليب قد لا تكون لها ضرورة في المقام.

ولعلّ من أبلغ ما قيل في ذمّ هذه الخصلة قول النبي ﷺ:

«ألا هلك المتنطّعون، ألا هلك المتنطّعون، ألا هلك المتنطّعون».

والمقصود هنا ليس العلم ولا حسن البيان، فهما فضيلتان، وإنما ذلك التكلّف الذي يجعل الإنسان يستعرض ما عنده بدل أن يوصل ما يريد.

فحين يجلس صديق إلى صديقه، يعرفه منذ سنوات طويلة، ويتحدّثان اللغة نفسها، بل اللهجة نفسها، ويتناقشان في موضوع مشترك، فما حاجتهما إلى استعراض المصطلحات الغريبة، أو إقحام الكلمات الأجنبية، أو البحث عن العبارات المعقّدة التي تجعل الحديث أشبه باختبار في الثقافة واللغات؟

الحديث بين الأصدقاء ليس منبرًا للمباهاة، ولا مسابقة لإثبات من هو الأكثر علمًا وثقافة.

قد يكون أحد الصديقين أكثر علمًا من الآخر، وأكثر اطّلاعًا وثقافة، وهذه ليست مشكلة في حد ذاتها. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل العلم إلى وسيلة لإشعار الآخر بأنه أقل شأنًا، أو عندما يصبح الكلام مناسبة لإثبات التفوّق بدل أن يكون وسيلة للتفاهم.

فالعلم الذي لا يُحسن صاحبه استعماله قد يتحوّل من فضيلة إلى حجاب بينه وبين الناس.

والأخطر من ذلك أن يكون التنطّع نابعًا من نرجسية لا يشعر بها صاحبها، ومن كبرياء يظنّها ثقافة، ومن رغبة في الظهور يظنها مجرّد فصاحة. عندها يصبح الأمر محرجًا للطرف الآخر، لأنه يجد نفسه أمام صديق لا يستطيع أن يقول له: خفّف عنّي قليلًـا… أنا أتحدث إليك كصديق، لا كتلميذ أمام أستاذ.

وهنا تبدأ المعاناة الصامتة.

إما أن يتحمّل الإنسان ذلك حفاظًا على علاقة قديمة، وإما أن يبدأ بالابتعاد شيئًا فشيئًا، وقد يصل به الأمر في النهاية إلى وضع حد لعلاقة كانت يومًا حميمة، وربما امتدّت لعقود.

وهذا هو الجانب المؤلم في المسألة: أن الإنسان قد يخسر صديقًا لا بسبب موقف كبير، ولا بسبب خيانة، ولا بسبب خلاف جوهري، وإنما بسبب أسلوب متكلّف في الحديث.

لذلك، يا صديقي المتنطّع، لا أقول لك هذا لأنتقص من علمك، ولا لأطلب منك أن تخفي ثقافتك، وإنما لأذكّرك بأن أجمل ما في المعرفة أن تجعل صاحبها أكثر تواضعًا، وأكثر قدرة على الوصول إلى الآخرين.

لا تجعل قاموسك أكبر من صداقتك، ولا تجعل المصطلح أهم من المعنى، ولا تجعل رغبتك في إظهار ما تعرف سببًا في إخفاء ما يشعر به الآخر.

تحدّث إلى الناس بما يفهمون، لا بما يجعلك تبدو أكثر منهم.

فالكلمة الجميلة ليست بالضرورة الكلمة الصعبة، والإنسان المثقّف ليس من يعجز الآخرون عن فهمه، وإنما من يستطيع أن يجعل أصعب الأفكار قريبة من أفهامهم.

وقد يكون من الحكمة، بين الحين والآخر، أن نسأل أنفسنا:
هل نحن نتحدث لكي نتواصل، أم لكي نثبت أننا نعرف أكثر؟

فإذا كان المقصود هو التواصل، فالتواضع أجمل، والبساطة أبلغ، والصداقة أثمن من كل استعراض.

وفي هذا الباب يقول الشاعر:

لا تحزننَّ لأمرٍ أنتَ فاعلُهُ
إنَّ الفِراقَ لأمرٌ لستَ تجهلُهُ

والفراق أحيانًا لا يبدأ بخصام، بل يبدأ بتفاصيل صغيرة تتراكم حتى يصبح القريب غريبًا، والصديق ثقيلًـا، والكلام الذي كان يجمع بين قلبين سببًا في ابتعادهما.

فانتبهوا قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع فيه الاعتذار.

ليس كل ما تعرفه يجب أن تقوله، وليس كل ما تستطيع قوله يحتاج إلى أن تقوله بالطريقة التي تستطيعها.

فبعض التواضع لا ينقص من قدر صاحبه، بل يحفظ له الناس، ويحفظ له أصدقاءه، وربما يحفظ له علاقة كان يمكن أن تضيع بسبب كلمة لم يكن لها من داعٍ.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك