قراءة في الفيلم المصري (البريء)

حيدر حسين سويري
في تاريخ السينما العربية، تقف بعض أعمال الشاشة، كوثيقة إنسانية وسياسية تُعرّي المسكوت عنه،
وتصدم الوعي الفردي والجمعي. يأتي فيلم “البريء” (إنتاج 1986، سيناريو وحيد حامد، وإخراج عاطف
الطيب) في مقدمة هذه الأعمال الخالدة؛ حيث لم يكن مجرد فيلم سينمائي، بل كان صرخة مدوية في وجه قمع
الحريات واستغلال البساطة والجهل لتمرير أسطورة “حماية الوطن”.
نتج الفيلم عن حادثة حقيقية وقعت مع كاتب السيناريو (وحيد حامد)، حينما قامت ما تعرف بثورة
(الخبز)، التي قامت على إثر اتخاذ السادات قرار زيادة أسعار الوقود والمواد الغذائية، وصادف وجود الكاتب
في المظاهرات، وحين أمسك به العسكري ورفع الهراوة لضربه، أنتبه فقال (الله! الاستاذ وحيد حامد؟ هو أنت
من أعداء الوطن برضو (أيضاً)؟!
يعالج الفيلم إشكالية خطيرة تتعلق بتزييف الوعي وتحويل الإنسان إلى آلة مبرمجة في يد السلطة. تُجسّد
هذه المأساة في شخصية “أحمد سبع الليل” (التي أبدع في أدائها الفنان الراحل أحمد زكي)، الشاب الفلاح
الفقير والأمي الذي يمتلئ قلبه بالنقاء والوطنية الفطرية. تتفتّح بصيرة أحمد على يد “حسين وهدان”، الشاب
الجامعي المثقف الذي ينشر في قرية سبع الليل معاني الوطنية الحقيقية والكرامة، ويشجعه على أداء الخدمة
العسكرية.
تتحول مأساة “سبع الليل” عندما يتم فرزه للحراسة في أحد معتقلات السجناء السياسيين. هناك، يخضع
لعملية غسيل مخ ممنهجة ومحكمة، على أيدي القيادات العسكرية؛ يُقنعونه بأن هؤلاء المعتقلين ليسوا سوى
“أعداء للوطن” يسعون لخرابه وضياعه. يُعطى أحمد تعليمات صارمة بالطاعة العمياء، فيتحول ذلك الفلاح
الرقيق إلى أداة بطش قاسية تحرس السجن وتجلد المعتقلين بحماسٍ أعمى، ظنًا منه أنه يقدم أسمى صور
التضحية والوفاء لوطنه.
تصل الدراما إلى قمتها عندما يُساق صديقه وملهمه الأول “حسين وهدان” إلى المعتقل نفسه كزنديق
وسياسي مُعارض. في تلك اللحظة الفارقة، يصطدم الوهم بالحقيقة، وتتساقط الأقنعة الزائفة التي برمجته
عليها السلطة. يكتشف “سبع الليل” أن من يُطلق عليهم “أعداء الوطن” هم في الحقيقة أنبل أبناء هذا الوطن
والمطالبون بحريته، ليبدأ صراعه المرير بين الطاعة العمياء للتعليمات وبين صحوة الضمير الإنساني
والوطنية الصادقة.
يتجاوز الفيلم قصة “أحمد سبع الليل” ليعالج مفهوم (الحرية) بمعناها الشامل، ملقيًا الضوء على مظاهر
الفساد السياسي والاجتماعي في مصر عقب سياسة الانفتاح، وتحديدًا في أعقاب أحداث انتفاضة 17 و18
يناير 1977.
يلخص العديد من النقاد فلسفة العمل في عبارة دقيقة:
“قمع الحرية بجهل الأبرياء”.
وقد عبّر السيناريست وحيد حامد عن هذه القيمة الجوهرية بوضوح في إهدائه الشهير للسيناريو:
“إلى عشاق الحرية والعدالة في كل زمان ومكان أهدي هذا الجهد المتواضع”.
بالرغم من الإشادة النقدية والجماهيرية الواسعة بعبقرية التمثيل والموسيقى التصويرية، وجه بعض النقاد
عتابًا لنهاية الفيلم، معتبرين إياها تكرارًا للنمط الشرقي القديم في البحث عن “الحلول الفردية” التي تعتمد
على التصفيات الجسدية والعنف، بدلاً من التغيير الهيكلي والمؤسسي.
عاش الفيلم أزمة رقابية تاريخية؛ ففي عام 1986، تشكلت لجنة وزارية تضم وزراء الدفاع (المشير عبد
الحليم أبو غزالة)، والداخلية (أحمد رشدي)، والثقافة (أحمد عبد المقصود هيكل)، وقررت فرض قيود
صارمة على الفيلم وحذف مشهده النهائي وحظر بعض الجمل الحوارية بحجة عدم ملاءمة الظروف
السياسية. وظل الفيلم يُعرض مبتورًا لمدة 19 عامًا، حتى جاء عام 2005 ليوافق وزير الثقافة فاروق
حسني على عرض النسخة الكاملة بدون أي حذف لأول مرة في مهرجان السينما القومي تكريماً لروح أحمد
زكي، في انتصار تاريخي لحرية التعبير.
مما زاد العمل عمقًا وشجنًا، تلك الموسيقى والأغاني التي صدح بها الموسيقار (عمار الشريعي) بأسلوبه
الشجي، ومن كلمات الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي. وأرى أن الأغاني والرتم الموسيقي جاءت
مستوحاة من طابع اللطميات والمراثي الحسينية المعروفة في جنوب العراق، مما أضفى بُعدًا تراثيًا حزينًا
يُلامس أعمق مشاعر التضحية والألم، وشكّل أحد أهم أركان البناء الفني للفيلم.
بقي شيء…
إن فيلم “البريء” ليس مجرد حكاية سينمائية قيلت وانتهت، بل هو درس إنساني بليغ وإهداء لكل عسكري
على وجه الأرض:
“إن الوطنية الحقيقية لا تعني إلغاء العقل أو ممارسة البطش باسم الأوامر، بل تعني حماية الإنسان وحرية
الوطن وأبنائه”.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك