المنبوذ الاقتصادي

علي جاسم ياسين

كان الرجل في وسط شجار عنيف.
لم يكن شجارًا ينتهي باعتذار أو كوب شاي. كانت الأيدي تتحرك بسرعة، والشتائم أعلى من أصوات المتفرجين، ثم دُفع الرجل بقوة فسقط على الأرض. نهض وهو يمسح الدم عن فمه.
كان قميصه ممزقًا. فقد أحد أسنانه الأمامية، وكان وجهه مغطى بالغبار والدم.
اقترب منه أحد أفراد العائلة وسأله:
ماذا حدث لك؟
قال:
تشاجرنا.
نظر إليه من رأسه إلى قدميه.
تشاجرتم؟ فقدت سنًا، وقميصك ممزق، ووجهك ملطخ بالدم.
قال الرجل:
لكنني صمدت.
كيف؟
أجاب:
لأنني لم أسقط في النهاية.
الحكاية تبدو بسيطة، لكنها تشرح جانبًا من الطريقة التي يُستخدم بها مفهوم الصمود في السياسة الإيرانية.
النظام لم يسقط. الدولة لم تنهَر. المؤسسة العسكرية ما زالت موجودة. وهذا كله صحيح.
لكن هناك سؤالًا آخر لا تجيب عنه كلمة الصمود وحدها:
ماذا خسر الإيرانيون أثناء ذلك؟
هنا تبدأ قصة الاقتصاد.
بلد كبير تحت ضغط طويل
منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، دخلت إيران في مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة. بدأت العقوبات الأمريكية في أعقاب أزمة الرهائن، ثم توسعت تدريجيًا لتشمل قطاعات مالية ونفطية ومصرفية واقتصادية مختلفة.
أصبح العقوبات جزءًا دائمًا من علاقة طهران بواشنطن.
ثم جاء الاتفاق النووي عام 2015. وافقت إيران على قيود واسعة على برنامجها النووي، وفي المقابل حصلت على تخفيف للعقوبات.
لم يستمر الانفراج طويلًا.
في 2018 انسحبت إدارة دونالد ترامب من الاتفاق وأعادت فرض العقوبات. ومنذ ذلك الوقت دخل الاقتصاد الإيراني مرحلة جديدة من الضغط.
يمكن للحكومتين أن تختلفا حول المسؤولية. ويمكن للخبراء أن يختلفوا حول التضخم وأسبابه. لكن المواطن الإيراني لا يحتاج إلى كل هذا النقاش.
يكفيه أن ينظر إلى سعر الدولار.
قبل الاتفاق النووي كان الدولار عند حدود 32 ألف ريال. وبعد عودة العقوبات عام 2018 ارتفع إلى نحو 55 ألف ريال. وفي نهاية 2022 وصل إلى نحو 430 ألف ريال.
ثم بدأت الأرقام تبدو كأنها من اقتصاد آخر.
في بداية ديسمبر 2025 اقترب الدولار من مليون و250 ألف ريال، ثم وصل في نهاية الشهر نفسه إلى نحو مليون و400 ألف ريال.
وفي سبتمبر 2026 تجاوز حاجز مليوني ريال، ووصل في بعض التعاملات إلى نحو 2.2 مليون ريال.
بالنسبة إلى المواطن، لا يحتاج الأمر إلى تقرير من البنك المركزي.
يذهب إلى السوق، يرى الأسعار، ثم ينظر إلى راتبه.
وهكذا يعرف مقدار المشكلة.
التاجر أول من يدفع
في 28 ديسمبر 2025 بدأت احتجاجات التجار في طهران على خلفية انهيار سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائية.
التاجر لا يحتاج إلى شهادة في الاقتصاد.
اشترى بضاعته بسعر معين، ثم ارتفع الدولار، فارتفعت تكلفة البضاعة الجديدة.
إذا رفع السعر، ربما خسر الزبون.
وإذا أبقى السعر، ربما خسر ماله.
وهكذا بدأت القصة من السوق.
ثم انتقلت إلى الشارع.
ثم دخلت السياسة.
هذه ليست مفاجأة. عندما يصبح سعر العملة مشكلة يومية، تتحول الأزمة الاقتصادية إلى قضية سياسية من دون أن يحتاج أحد إلى دعوة رسمية.
8,500 تصبح 46 ألفًا
أسهل طريقة لفهم التضخم هي الذهاب إلى المخبز.
بحسب الأرقام الواردة في التقرير الاقتصادي، ارتفع سعر الرغيف من 8,500 ريال إلى 46 ألف ريال، أي بنحو 440%.
أما الرواتب فلم ترتفع بالسرعة نفسها، تشير الأرقام المنشورة في وسائل الإعلام إلى زيادة تقارب 20% خلال الأعوام الأخيرة.
لا يحتاج الأمر إلى خبير.
إذا ارتفع راتبك 20% بينما ترتفع أسعار الأشياء التي تشتريها بأضعاف ذلك، فأنت تخسر جزءًا من قدرتك على الشراء حتى لو كان راتبك قد ارتفع على الورق.
ثم تأتي بقية المصاريف: الغذاء، الدواء، الإيجار، النقل، الملابس والكهرباء.
الأسرة تبدأ في الاختيار.
ما الذي يمكن شراؤه؟
ما الذي يمكن تأجيله؟
هل نشتري الدواء كاملًا؟
هل نصلح السيارة الآن؟
هل نشتري النوع نفسه من الطعام؟
التضخم في التقرير رقم.
وفي البيت يصبح قرارات يومية.
بلد يملك النفط ويبحث عن الدولار
إيران ليست فقيرة بالموارد.
لديها النفط والغاز والمعادن، وقاعدة صناعية كبيرة، وسوق داخلية ضخمة، وجامعات وكفاءات بشرية، وموقع جغرافي مهم.
لكن امتلاك النفط لا يعني أن عائداته تدخل الخزينة بسهولة.
يجب إنتاج النفط، ثم نقله، ثم شحنه، ثم تأمين الناقلة، ثم العثور على المشتري، ثم تحويل الأموال.
وهنا تبدأ مشكلة العقوبات.
البنك يخشى العقوبات.
شركة الشحن تخشى العقوبات.
شركة التأمين تحسب المخاطر.
والمشتري نفسه قد يفكر عشر مرات قبل إتمام الصفقة.
والنتيجة أن التجارة مع إيران تصبح أكثر تعقيدًا وأكثر تكلفة.
لذلك تعتمد إيران بدرجة كبيرة على عدد محدود من الشركاء.
وفق البيانات الواردة في التقرير، تأتي نحو 70% من واردات إيران من الصين والإمارات وتركيا، بينما تتجه نحو 75% من صادراتها إلى الصين والإمارات وتركيا والعراق والهند.
وأصبحت الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني.
وهذا يجعل العلاقة التجارية معها شديدة الأهمية بالنسبة إلى طهران.
المشكلة ليست في وجود الأسواق فقط.
المشكلة في عدد الأسواق التي تستطيع إيران الوصول إليها من دون أن تتحول كل عملية بيع إلى مسألة عقوبات وشحن وتمويل.
ثم جاءت الحرب
كانت العقوبات موجودة قبل الحرب.
ثم جاءت الحرب وأضافت طبقة جديدة من المشكلة.
السفن أصبحت تواجه مخاطر أكبر، وشركات التأمين تعيد حساباتها، وحركة الشحن تأثرت، وأصبح المرور عبر مضيق هرمز أكثر صعوبة.
وفي هذه المرة لم يعد الحديث عن عقوبات تمنع صفقة أو تحويلًا مصرفيًا.
أصبح النفط نفسه يجد صعوبة في الخروج.
تقديرات حديثة أظهرت أن صادرات النفط الإيرانية تراجعت من نحو مليوني برميل يوميًا في مارس إلى نحو 220–255 ألف برميل يوميًا في أغسطس.
وهذا تغير كبير.
إيران تعتمد على النفط للحصول على العملة الصعبة، وعندما تتراجع الصادرات إلى هذا المستوى تتراجع معها الإيرادات المتاحة لتمويل الواردات والإنفاق العام.
وتزداد المشكلة لأن الصين بقيت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، بينما أصبحت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز أكثر صعوبة.
لا يحتاج المواطن إلى رؤية ناقلة نفط حتى يفهم ما يحدث.
يكفي أن يرى السعر الجديد في المتجر.
القصف
ثم هناك القصف.
تعرضت إيران خلال الحرب لضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالصواريخ والدفاع الجوي والطاقة وغيرها.
وقُتل عدد من كبار القادة، وتعرضت منشآت مهمة لأضرار.
لكن الدقة مهمة هنا.
إيران لم تفقد كل قياداتها، ولم تُدمّر كل منشآتها، ولم تختفِ مؤسسات الدولة.
الدولة بقيت تعمل.
لكن الحرب أضافت تكلفة كبيرة إلى اقتصاد كان يعاني أصلًا.
هناك منشآت تحتاج إلى إصلاح.
وهناك إنتاج يتوقف أو يتباطأ.
وهناك استثمارات تصبح أكثر مخاطرة.
وهناك إنفاق جديد على الحرب والدفاع وإعادة البناء.
والضرر الاقتصادي لا ينتهي عندما يتوقف القصف.
بعض تكاليف الحرب تظهر بعد أسابيع، وبعضها بعد أشهر.
ماذا يعني الصمود؟
إيران لم تسقط.
هذه حقيقة.
الحكومة لم تسقط.
وهذه حقيقة أيضًا.
والولايات المتحدة وإسرائيل لم تنجحا في إسقاط النظام الإيراني.
لكن هذه ليست نهاية الحساب.
الاقتصاد يسأل أسئلة أخرى:
كم أصبحت قيمة العملة؟
كم ارتفعت الأسعار؟
كم أصبح الاستيراد أكثر تكلفة؟
كم تراجع الإنتاج؟
كم انخفضت صادرات النفط؟
وكم تراجعت قدرة الأسر على شراء حاجاتها؟
لهذا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
إذا بقي النظام، فمن دفع ثمن بقائه؟
الصمود على حساب من؟
النظام الإيراني يتحدث منذ الثورة عن الاستقلال ومقاومة الهيمنة الأمريكية والعدالة ونصرة المستضعفين.
لكن الاقتصاد يضع هذه الشعارات أمام اختبار يومي.
هناك العقوبات الأمريكية.
وهناك السياسات الإيرانية.
وهناك الإنفاق العسكري.
وهناك دعم الحلفاء في المنطقة.
وهناك الفساد وسوء الإدارة.
وهناك القيود على الاستثمار والتجارة.
وهناك التضخم وانخفاض قيمة العملة.
ليس من السهل وضع كل هذه المشاكل في خانة واحدة، لكن المواطن لا يعيش كل مشكلة منفصلة عن الأخرى.
هو يراها في السعر النهائي.
حلفاء إيران وفاتورة النفوذ
لم تكن إيران خلال العقود الماضية مشغولة فقط بالدفاع عن حدودها.
بنت شبكة واسعة من العلاقات والقوى الحليفة في المنطقة.
كان نظام بشار الأسد في سوريا أحد أهم حلفائها.
قدمت إيران للأسد دعمًا سياسيًا وعسكريًا وماليًا خلال الحرب السورية، وساعدته على البقاء في السلطة سنوات طويلة.
بالنسبة إلى طهران، كانت سوريا جزءًا أساسيًا من نفوذها الإقليمي.
أما منتقدو السياسة الإيرانية فيرون أن موارد كبيرة ذهبت إلى دعم نظام استبدادي في حرب طويلة، بينما كان الاقتصاد الإيراني نفسه يواجه العقوبات والتضخم.
ثم جاء العراق.
بعد سقوط صدام حسين أصبحت إيران صاحبة نفوذ واسع في العراق، وطورت علاقات قوية مع أحزاب وقوى شيعية عراقية وحكومات متعاقبة.
وفي المقابل تعرض النظام السياسي العراقي لانتقادات واسعة بسبب المحاصصة والفساد وسوء الإدارة.
لذلك فإن إيران حليفة لقوى وحكومات عراقية شيعية، وينظر منتقدو هذا النظام السياسي إلى جانب منه باعتباره طائفيًا وفاسدًا.
وهنا يظهر سؤال سياسي وأخلاقي للنظام الإيراني نفسه:
كيف ينسجم دعم نظام أو قوى سياسية تتعرض لهذه الانتقادات مع خطاب الجمهورية الإسلامية عن الإسلام والعدالة والنزاهة؟
هذه ليست مسألة علاقات عامة.
النفوذ الخارجي يحتاج إلى المال والسلاح والتمويل والوقت.
وفي الوقت نفسه كان المواطن الإيراني يواجه تضخمًا وعملة تتراجع قيمتها.
السؤال يصبح مباشرًا:
كم تستطيع الدولة أن تنفق في الخارج بينما ترتفع كلفة الحياة في الداخل؟
الحجاب
هناك أيضًا تغير واضح في المجتمع الإيراني نفسه.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية كان الحجاب جزءًا أساسيًا من النظام القانوني والاجتماعي الذي فرضته الدولة على النساء.
ثم جاءت الاحتجاجات الواسعة بعد وفاة مهسا أميني عام 2022.
وفي السنوات التالية تراجعت قدرة السلطات على فرض قواعد الحجاب كما كانت تفعل سابقًا، وظهرت أعداد كبيرة من النساء في الأماكن العامة من دون الالتزام بالقواعد التي تفرضها الدولة.
لكن القول إن إيران ألغت الحجاب رسميًا ليس دقيقًا.
لم يحدث إلغاء رسمي شامل لسياسة الحجاب.
الذي تغير هو قدرة الدولة على فرضها، إلى جانب استمرار الخلاف الداخلي حول القوانين والعقوبات المرتبطة بها.
وهذا بحد ذاته تطور مهم.
النظام الذي جعل الحجاب جزءًا أساسيًا من صورته السياسية وجد نفسه أمام مجتمع لا يلتزم دائمًا بما تريده الدولة.
إسرائيل: من السلاح إلى العداء
هناك مفارقة أخرى في التاريخ الإيراني.
بعد الثورة أصبحت إسرائيل عدوًا أساسيًا في خطاب الجمهورية الإسلامية.
لكن العلاقات بين إيران وإسرائيل قبل الثورة، وكذلك بعض الاتصالات السرية بعد ذلك، كانت أكثر تعقيدًا من الخطاب السياسي الحالي.
وخلال الحرب العراقية الإيرانية حصلت إيران على أسلحة إسرائيلية في مراحل مختلفة، وكانت هناك اتصالات وصفقات سرية، ثم أصبحت القضية جزءًا من فضيحة إيران–كونترا.
هذا لا يعني أن إيران وإسرائيل كانتا حليفتين بالمعنى السياسي.
ولا يعني أن العداء بينهما بعد الثورة كان مجرد تمثيل.
لكنه يوضح شيئًا معروفًا في السياسة: العلاقات بين الدول لا تسير دائمًا وفق الشعارات التي تستخدمها أمام الجمهور.
كوبا: النظام يبقى
إذا كان المعيار هو قدرة نظام على البقاء تحت الضغط الأمريكي، فإن كوبا تقدم مثالًا واضحًا.
عقوبات وعزلة استمرتا لعقود.
ومع ذلك لم تسقط الحكومة الكوبية بسبب العقوبات.
لكن بقاء النظام لم يجعل الاقتصاد ناجحًا، ولم يمنح المواطن حياة مريحة.
وهذا هو الفرق المهم.
العقوبات يمكن أن تفشل في إسقاط الحكومة، وفي الوقت نفسه تضعف الاقتصاد وتضغط على المجتمع.
كوريا الشمالية: البقاء ليس نجاحًا
كوريا الشمالية مثال أكثر تطرفًا.
عقوبات واسعة، عزلة سياسية، قيود على التجارة والتكنولوجيا، وضغط مستمر بسبب برنامجها النووي والصاروخي.
ومع ذلك بقي النظام.
لكن بقاء النظام لا يجعل كوريا الشمالية نموذجًا للنجاح الاقتصادي.
البقاء السياسي شيء.
والنجاح الاقتصادي شيء آخر.
صدام حسين: العقوبات لم تكن كافية
العراق في عهد صدام حسين يقدم مثالًا مختلفًا.
بعد غزو الكويت وحرب الخليج فُرضت عقوبات دولية قاسية على العراق.
بقي صدام حسين في الحكم سنوات طويلة.
العقوبات لم تسقطه.
لكن الاقتصاد تدهور، وعانى العراقيون من نقص السلع والدواء وتراجع مستويات المعيشة.
ثم انتهى النظام عام 2003 بعد الغزو الأمريكي.
الدرس هنا واضح:
العقوبات تستطيع إضعاف الدولة والمجتمع، لكنها لا تعني تلقائيًا سقوط النظام.
حماس وحزب الله
تظهر المشكلة نفسها، بدرجات مختلفة، في الحركات المسلحة الحليفة لإيران.
في غزة، تمتلك إسرائيل تفوقًا عسكريًا كبيرًا، واستخدمت قوة عسكرية ضخمة خلال الحرب، ودمرت أجزاء واسعة من القطاع، وقتلت وأصابت أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين.
لكن الحرب لم تؤدِ إلى محو حماس من الوجود.
يمكن للجيش أن يدمر جزءًا كبيرًا من البنية العسكرية لتنظيم، وأن يقتل عددًا كبيرًا من قادته وعناصره، لكن القضاء الكامل على تنظيم له قاعدة اجتماعية وسياسية ليس مضمونًا بمجرد التفوق العسكري.
حماس بقيت موجودة.
لكن المجتمع في غزة دفع ثمنًا هائلًا.
وفي لبنان تعرض حزب الله أيضًا لضربات إسرائيلية شديدة، وفقد عددًا من قياداته وعناصره، وتعرضت بنيته العسكرية ومناطق نفوذه لأضرار كبيرة.
ومع ذلك لم يختفِ الحزب من المشهد اللبناني.
النتيجة في الحالتين واحدة من حيث المبدأ:
يمكن أن تتعرض الحركة لخسائر هائلة، من دون أن يعني ذلك اختفاءها.
لكن بقاء التنظيم لا يعني أن المجتمع الذي يعيش حوله خرج من الحرب سالمًا.
ماذا تقول هذه التجارب لإيران؟
تقول إن إسقاط النظام أصعب من إضعاف الاقتصاد.
وتقول إن إضعاف الاقتصاد أسهل من إسقاط النظام.
وتقول أيضًا إن بقاء النظام لا يعني أن المجتمع لم يتضرر.
كوبا بقيت.
كوريا الشمالية بقيت.
صدام حسين بقي بعد حرب الكويت والعقوبات سنوات.
حماس بقيت.
وحزب الله بقي.
لكن السؤال الذي يهم الناس ليس فقط: هل بقي التنظيم أو الحكومة؟
السؤال هو: ماذا حدث للناس؟
إيران تستطيع البقاء
من الخطأ القول إن إيران ستختفي لمجرد أن عملتها انهارت أو أن صادراتها النفطية تراجعت.
إيران دولة كبيرة، ولديها سكان كثيرون، وموارد طبيعية، وسوق داخلية واسعة، وقاعدة صناعية، وشبكات تجارية، وعلاقات مع الصين وروسيا وتركيا ودول أخرى.
كما أن لديها خبرة طويلة في التعامل مع العقوبات.
تعلم التجار كيف يعملون في ظروف صعبة.
وتعلمت الشركات كيف تتعامل مع القيود.
وتعلمت الدولة كيف تبيع النفط عبر طرق معقدة.
لكن الاعتياد على الأزمة لا يعني أن الأزمة أصبحت طبيعية.
المواطن يستطيع أن يتعلم كيف يعيش مع التضخم.
والتاجر يستطيع أن يتعلم كيف يتعامل مع الدولار.
لكن كل هذه التكيفات لها ثمن.
المواطن لا يعيش في البيانات
تقول الحكومة الإيرانية إن لديها احتياطيات من العملة الأجنبية.
وقال البنك المركزي إنه مستعد لضخ نحو ملياري دولار في السوق لدعم الريال.
كما قال إنه وفر أكثر من 18 مليار دولار منذ بداية السنة الإيرانية لتمويل واردات الغذاء والدواء والأعلاف والمواد الأولية.
هذه أرقام مهمة.
لكن هناك رقمًا آخر يعرفه المواطن جيدًا:
الدولار فوق مليوني ريال.
عندما يرتفع الدولار بهذه السرعة، تصبح السلع المستوردة أغلى.
والمنتج المحلي الذي يحتاج إلى مواد أو قطع غيار مستوردة يرتفع سعره أيضًا.
وترتفع تكاليف النقل والإنتاج.
وفي النهاية يدفع المستهلك.
لا يحتاج المواطن إلى معرفة تفاصيل السياسة النقدية كي يعرف النتيجة.
إنه يدفعها عند صندوق الدفع.
المنبوذ الاقتصادي
لهذا يمكن فهم وصف إيران بأنها منبوذ اقتصادي في المرحلة الحالية.
إيران ليست دولة بلا تجارة.
وليست دولة بلا نفط.
وليست دولة بلا موارد.
وليست دولة بلا شركاء.
لكن التعامل معها أصبح أكثر صعوبة وكلفة.
البنك يحسب مخاطر العقوبات.
شركة الشحن تحسب المخاطر.
شركة التأمين تحسب العقوبات.
والمستثمر يسأل نفسه لماذا يضع أمواله في سوق يمكن أن تتغير ظروفه بسبب أزمة سياسية أو عقوبة جديدة.
وفي 24 أغسطس 2026 أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية بدء ، وهي حملة قالت واشنطن إنها تستهدف الموارد والقنوات المالية التي يعتمد عليها النظام الإيراني والحرس الثوري.
وهذا يعني أن الضغط الأمريكي لا يقتصر على منع إيران من بيع النفط أو الوصول إلى البنوك.
الهدف هو أيضًا الضغط على الوسطاء والشركات والشبكات التي تجعل التجارة الإيرانية ممكنة.
يمكن لإيران أن تجد طرقًا للبيع.
لكن السؤال يصبح:
بأي سعر؟
وبأي وسيط؟
وبأي تكلفة؟
وهنا تصبح العزلة الاقتصادية شيئًا ملموسًا، وليس مجرد مصطلح سياسي.
لا أحد يعيش داخل الروايات الرسمية
يمكن لإيران أن تقول إن الولايات المتحدة فرضت عليها العقوبات.
وهذا صحيح.
ويمكنها أن تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا عليها ضربات عسكرية.
وهذا صحيح بالنسبة إلى الضربات التي وقعت.
ويمكن لواشنطن أن تقول إن السياسات الإيرانية النووية والصاروخية والإقليمية هي أحد أسباب العقوبات.
وهذا جزء من الرواية الأمريكية.
لكن المواطن الإيراني لا يعيش داخل أي من الروايتين.
هو يعيش مع فاتورة الكهرباء.
يذهب إلى السوق.
يشتري الخبز.
يدفع الإيجار.
يحاول شراء الدواء.
ينظر إلى سعر الدولار.
ثم يحاول أن يعرف ماذا يستطيع أن يفعل براتبه.
والأمر نفسه ينطبق على المواطن السوري والعراقي وغيرهما عندما تتحول قرارات السياسة الخارجية إلى نتائج اقتصادية وأمنية داخل حياتهم اليومية.
السياسة الخارجية لها تكلفة.
وفي النهاية يدفعها الناس.
السؤال الأخير
الرجل الذي دخل الشجار فقد سنه.
تمزق قميصه.
أصيب وجهه.
لكنه بقي واقفًا.
وقال إنه صمد.
إيران أيضًا ما زالت واقفة.
لكن السؤال ليس هل بقيت واقفة.
السؤال: ماذا حدث لها وهي واقفة؟
والإجابة تظهر في الاقتصاد.
صادرات النفط التي كانت تقترب من مليوني برميل يوميًا تراجعت إلى نحو 220–255 ألف برميل يوميًا في أغسطس وفق تقديرات حديثة.
العملة وصلت إلى مستويات قياسية أمام الدولار.
والتضخم يضغط على الأسر.
وسعر الخبز ارتفع بصورة كبيرة وفق الأرقام الواردة في التقرير.
والرواتب لم تواكب ارتفاع الأسعار.
والتجارة أصبحت أكثر تكلفة.
والحرب أضافت خسائر جديدة إلى اقتصاد كان يعاني أصلًا من العقوبات.
وفي الوقت نفسه أنفقت إيران موارد كبيرة للحفاظ على نفوذها الإقليمي ودعم حلفائها في سوريا والعراق وغيرهما.
هذه ليست صورة اقتصاد طبيعي.
لكن إيران لم تسقط.
وهذا أيضًا صحيح.
لذلك فإن السؤال الأدق ليس:
هل صمدت إيران؟
نعم.
لقد بقيت.
السؤال هو:
ما ثمن هذا البقاء؟
إذا بقي النظام في السلطة بينما اضطر المواطن إلى تقليل مشترياته، وتأجيل علاجه، وإعادة ترتيب طعام أسرته، ومراقبة سعر الدولار، وإعادة حساب راتبه باستمرار، فإن كلمة الصمود لا تكفي وحدها لوصف النتيجة.
الصمود السياسي شيء.
والصمود العسكري شيء آخر.
أما الاقتصاد فله حساب مختلف.
الرجل الذي فقد سنه يستطيع أن يقول إنه لم يسقط.
لكنه خرج من الشجار مصابًا.
وإيران تستطيع أن تقول إنها لم تسقط.
لكن هذا لا يجيب عن السؤال الأهم:
كيف تبدو حياة الإيرانيين في دولة صمدت، فيما يزداد الضغط على الناس؟

إرسال التعليق