اخر الاخبار

البلديات لا تحتاج إلى انتخابات جديدة بقدر ما تحتاج إلى صلاحيات حقيقية

رشيد مصباح (فوزي)

*

المشكلة في رأيي ليست في الانتخابات المحلية، ولا في تجديد المجالس الشعبية البلدية، ولا حتى في تغيير الوجوه من دورة انتخابية إلى أخرى.

المشكلة الحقيقية في شيء آخر: ماذا نمنح لهذه المجالس من صلاحيات حتى تتمكّن من تحقيق ما نطلبه منها؟

لقد أشرتُ إلى هذه المسألة في أكثر من مناسبة، دون أن تجد، للأسف، ما تستحقّه من اهتمام.

وأنا لا أتحدث من موقع التنظير، وإنما من واقع تجربة سابقة في الإدارة المحلية.

فرئيس المجلس الشعبي البلدي ليس «رئيس البلدية» بالمعنى الذي يتصوّره كثير من المواطنين، أي المسؤول الذي يملك وحده مفاتيح كل شيء ويستطيع أن يقرّر في كل صغيرة وكبيرة. نعم، هو يمثّل البلدية ويترأس جهازها التنفيذي، وهو الآمر بالصرف في ميزانيتها وفق القانون، لكن ممارسة هذه السلطة تتم داخل منظومة من الرقابة والإجراءات والقيود القانونية.

ونحن نحمّل المنتخب المحلّي مسؤولية النتائج، لكننا لا نمنحه الوسائل والصلاحيات الكافية لتحقيقها.

بل إن المواطن، في كثير من الأحيان، لا يرى إلّـا النتيجة النهائية: طريق لم يُعبّد، مساحة لم تُهيّأ، سوق لم يُنظّم، حديقة لم تُنجز، مرفق غائب، أو مشروع تأخّر.

ثم يقول: «أين رئيس البلدية؟»

وكأن الرجل يملك عصًا سحرية.

تابعتُ مؤخّرا أحد صُنّاع المحتوى، «اليوتيوب»، بلقاسم الجلفاوي، وهو يتقن أربع لغات، بينها العربية، وقد اصطحب زوجته الإيطالية الجنسية والمحجّبة إلى إحدى ضواحي أستراليا.

ما شدني لم يكن السفر ولا الغربة، وإنما مشهد صغير رأيته هناك.

مدينة صغيرة، لا يتجاوز عدد سكانها بضعة عشرات، ومع ذلك نجد فيها فضاءً يمكن وصفه بـ«منتجع صغير»، يضم مساحات للراحة والاستجمام، وأخرى مخصّصة للأطفال، وأخرى للكبار.

مشهد بسيط في ظاهره، لكنه جعلني أتساءل:

لماذا نعجز نحن عن إنجاز أشياء من هذا النوع في أحياء مدننا وقرانا؟

في الحقيقة، لا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى ميزانيات خيالية.

نحتاج إلى كفاءة وصلاحيات، وتمويل ورؤية محلية، ومسؤول يعرف كيف يحوّل الإمكانات البسيطة إلى مشاريع تخدم الناس.

قبالة الحي الذي أسكن فيه، «بلغيث» -كما كان يسمى في السابق-، كانت توجد، ذات يوم، مساحة معتبرة بأرض «بشّيشي»، مكان كان يمكن أن يُستغل لإنجاز مشروع من هذا النوع.

مساحة يجد فيها الأطفال متنفّسًا، وتستريح فيها العائلات، ويجد فيها الشباب مكانًا لائقًا لقضاء بعض الوقت.

لكن بدل ذلك، أصبح بعض الأطفال يلجؤون إلى الجلوس قرب السكّة الحديدية، وهي مكان ينطوي على خطر واضح، لا لشيء إلّـا لأنهم لم يجدوا فضاءً آخر قريبًا منهم.

وهل يستطيع «رئيس البلدية» -كما يحلو للبعض مناداته بهذا المصطلح الكبير-، أن يحوّل فكرة بسيطة إلى مشروع محلّي دون المرور بسلسلة طويلة من الإجراءات والاعتمادات والرّقابة؟

هذه هي الأسئلة التي لا يناقشها كثيرون.

ومن الأفكار التي طرحتها سابقًا أيضًا إمكانية استغلال المساحة نفسها لإنشاء مكان ملائم للسوق الأسبوعي.

لماذا لا تُهيّأ الأرض، وتُقسّم إلى أماكن مخصّصة للتجّار، وتُنشأ فيها بعض المآوي (abris)، ثم تؤجّر هذه المواقع وفق القانون؟

قد يتحوّل المكان من فضاء مهمل إلى مرفق منظم.

وقد يتحوّل النشاط التجاري إلى مورد، وقد تستفيد منه البلدية في تنشيط ميزانيتها المحلية.

الفكرة ليست معقدة.

وهي لا تحتاج إلى اختراع نموذج جديد؛ فمثل هذه الفضاءات المنظّمة موجودة في مدن كثيرة، ويُستفاد منها اقتصاديًا واجتماعيًا.

فهل المشكلة في غياب الأفكار، أم في غياب القدرة على تنفيذها؟

لهذا أعتقد أن النقاش حول الانتخابات المحلية يجب أن يتغير.

لا يكفي أن نسأل من سيكون رئيس المجلس الشعبي البلدي القادم؟

بل يجب أن نسأل ماذا يستطيع أن يفعل؟ وما هي صلاحياته الحقيقية؟ وما هي الموارد الموضوعة تحت تصرفه؟ وما هي حدود تدخل السلطة الوصية؟

المشكلة الأخرى أن بعض الانتهازيين يريدون إقناع الناس بأن كل شيء متاح لرئيس البلدية، وأنه قادر على اتخاذ أي قرار متى شاء.. وهذا تبسيط مخلّ بالواقع.

فالميزانية، مثلًـا، لا تُنفّذ بمنطق الرغبة الشخصية، وهناك قواعد محاسبية ورقابية، وهناك فصل بين وظيفة الآمر بالصرف ووظيفة المحاسب العمومي، وهناك مداولات وإجراءات واعتمادات تستوجب احترامها.

وهناك منتخبون يفتقرون إلى الكفاءة أيضا، وهناك من لا يعرف كيف يستغل حتى الصلاحيات المتاحة له، وهناك من يجعل المنصب غاية شخصية بدل أن يكون وسيلة لخدمة المواطنين.

وهذا أمر آخر يجب ألّـا نتجاهله.

لكن الفرق بين المسؤول الكفء والمسؤول العاجز لا يمكن قياسه بصورة عادلة إذا كان الجميع يعمل داخل منظومة تحدّ من هامش المبادرة.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من صندوق الاقتراع فحسب.

إنه يبدأ أيضًا من إعادة تعريف العلاقة بين البلدية والسلطة الوصية، وتوسيع هامش المبادرة المحلية، وربط الصلاحيات بالمسؤولية والمحاسبة، وتوفير موارد مالية تسمح للمنتخب بتنفيذ ما ينتظره منه المواطن.

لقد آن الأوان لكي ننتقل من سؤال:

«من نختار»؟

إلى سؤال أكثر أهمية:

«ماذا يستطيع من انتخبناه أن يفعل؟»

فالانتخاب لا يصنع التنمية وحده.. والوجوه الجديدة لا تصنع التنمية وحدها.. والشعارات لا تصنع التنمية.

الذي يصنع التنمية هو إنسان كفء، يملك صلاحية واضحة.. وموارد مهمّة.. وقرارًا يمكن تنفيذه.. ويعرف أنه سيحاسب إذا أخطأ أو قصّر.

أما أن نطلب من البلدية أن تحل كل مشكلات المواطن، ثم نتركها محكومة بشبكة معقّدة من الإجراءات والقيود، فهذا يشبه أن نطلب من شخص أن يقود سيارة، ثم نعطيه مقودًا بلا محرك.

لهذا أقول مرة أخرى:

المشكلة ليست في الانتخابات وحدها… المشكلة في الصلاحيات التي تلي الانتخابات.

لأن المواطن لا يريد منتخبًا يجيد الكلام فحسب.. بل إنه يريد بلدية تستطيع أن تفعل.

إرسال التعليق