محمد والفرنسية… حين تصبح اللغة طرفًا في النقاش

رشيد مصباح (فوزي)

هناك صداقات لا تحتاج إلى مناسبة حتى تستمر، ولا إلى اتفاق في الرأي حتى تبقى متماسكة. نحن ثلاثة أصدقاء، تعوّدنا منذ أن كنا تلاميذ في المرحلة الثانوية أن نلتقي لنتجادل حول الفكر والفن والسياسة، ونتبادل الأخبار ونناقش مواضيع و أخبار الساعة.

يحتدّ النقاش أحيانًا حتى يبلغ أشدّه، وترتفع أصواتنا، فيظن من يسمعنا أو يرانا أننا على وشك أن نتخاصم، بينما الحقيقة أننا نكون في أكثر حالاتنا حميمية وانسجامًا.

فما يميّز لقاءاتنا ليس اتفاقنا، وإنما قدرتنا على الاختلاف دون أن تفسد الخلافات صداقتنا.

وفي هذا الخميس، طُرق باب البيت بعنف. ظننتُ أن الطارق أحد أعوان سونلغاز، أو شركة المياه، أو موزّع البريد، أو أي شخص آخر يمثل جهة رسمية جاء يحمل إليّ خبرًا لا يسرّ.

أسرعتُ إلى الباب، فإذا بي أفاجأ بصديقي واقفًا أمامي بابتسامته المعهودة، وبرفقته ابنه الشاب، الطالب في السنة الخامسة بكلية الطب.

يا لها من مفاجأة!

لقد كبر ذلك الصبي الذي لطالما كان في استقبالنا ببشاشته البريئة كلما قمنا بزيارة والده في سكيكدة.

احتضنته وقلت:

— يا أهلًا وسهلًا ومرحبًا بأنيس!

نِعمَ الأخلاق أخلاق أبنائك، سي عبد الرحمان!

ثم توقفت عند اسم الشاب: أنيس.

فذكّرني الاسم مباشرة بالصحفي والكاتب المصري الراحل أنيس منصور، صاحب القلم الساخر والرحلات والحكايات، وخاصة كتابه الشهير «غريب في بلاد غريبة»؛ لا تزال عالقة بذهني إحدى الحكايات الطريفة التي قرأتها له.

«كان أنيس منصور في روسيا، في يوم شتوي، وفي الساحة الحمراء، حيث تصادف وجوده بمناسبة وطنية. ولكي لا تمنع الأمطار الجيش الروسي من إجراء الاستعراض، يقول منصور إن الطائرات صعدت إلى السماء وألقت بأطنان من الإسمنت على السحب العابرة، فإذا بالسماء تمطر إسمنتًا!(…/…)»

ولا أدري إن كانت الحكاية صحيحة أم أنها من خيال أنيس منصور، لكن المؤكد أن بعض الكتّاب يستطيعون إقناعك حتى بالخرافة إذا امتلكوا الأسلوب.

لم يكن اللقاء قد اكتمل بعد، فقد كان صديقنا الثالث، محمد، غائبًا.

اتصلنا به هاتفيًا، فلم يجب. حاولنا مرة ثانية، وثالثة، وعبثًا ظل الهاتف صامتًا.

قررنا في النهاية أن نذهب إليه.

وفي الطريق رن الهاتف.

كان محمد.

سمعنا صوته بالنبرة التي اعتدنا عليها: يبدأ بشكوى من وعكة صحية، ثم لا يلبث أن يستعيد صوته شيئًا فشيئًا، وكأن المرض نفسه يتعب من الاستماع إليه، فيقرر الانسحاب.

توقفت السيارة قرب العمارة، وضغطتُ الجرس، ولم أنتظر طويلًا حتى خرج.

ومن بعيد بدأ يشكو من بعض الأعراض التي يزعم في كل مرة أنها مؤلمة جدًا.

لم أعر كلامه اهتمامًا كبيرًا، فأنا أعرف الرجل أكثر مما يعرف هو نفسه.

محمد من ذلك النوع الذي كنا نصفه أيام الثانوية بأنه يعاني من «الحرمان العاطفي». وكان لدينا آنذاك ما يبرّر هذا التشخيص «العظيم»، فقد كانت تربطه علاقة حميمية بإحدى زميلاته (ن).

ولعل آثار تلك المرحلة ما تزال باقية فيه إلى اليوم!

توجهنا إلى الدريعة، البلدة المجاورة، حيث يوجد مقهى أنيق بمكان فسيح.

جلسنا نحن الأربعة: الطالب الطبيب، وأبوه، وصديقنا «المتمارض» سي محمد، والعبد الفقير كاتب هذه السطور، باعتباره أضعف حلقة في المجموعة.

كان أنيس متحفّظًا أكثر من اللازم.

حاولتُ عبثًا إقحامه في النقاش وتوريطه في جدالاتنا «البيزنطية»، لكنه ظل هادئًا يراقبنا.

ربما لأنه لم يفهم تمامًا ما كنا نقول، وربما لأن سنواته الخمس في كلية الطب جعلته يدرك أن بعض الأمراض لا علاج لها، وأن من بينها الجدال بين ثلاثة أصدقاء يعرف بعضهم بعضًا منذ عقود.

وربما أيضًا لأن مناخ سكيكدة الساحلي ترك أثره عليه، فأصبح أقل قابلية للاستفزاز منّا نحن أبناء المنطقة القاحلة.

اشتد الحر، وبدأ إيقاع النقاش ينخفض شيئًا فشيئًا، فشعرنا أن الوقت قد حان للعودة.

وكعادتي، عندما عدتُ إلى البيت، بدأتُ أعيد شريط اللقاء في رأسي.

هذه عادة لا أستطيع التخلص منها.

أقف عند بعض الجمل، وأراجع بعض المواقف، وأحيانًا أوجّه اللوم إلى نفسي: كان ينبغي ألّا أطيل النقاش، كان ينبغي أن أتوقف عند هذه النقطة، كان من الأفضل ألّا أرفع صوتي…

ثم أكتشفُ، بعد كل هذا التأنيب، أن المشكلة ليست في النقاش أصلًا.

فنحن أصدقاء، ولكل واحد منا قناعاته ومواقفه، وكل واحد متشبّث ببرجه العاجي، ولا يبدو مستعدًا للنزول منه ولو قليلًا.

لكن هناك أمرًا آخر يجعلني أشعر بشيء من الندم.

إنه استنزافي لغتي الأصلية في سبيل إقناع الآخر.

ففي خضم النقاش أجدني، دون أن أشعر، أنتقل إلى الفرنسية، وأبحث عن الكلمات الفرنسية التي أظن أنها ستمنح حجّتي قوة إضافية، مع أن الفرنسية ليست لغتي.

وهنا تكمن المفارقة!

نحن نتحدث عن الفكر والفن والسياسة، وعن الهوية والثقافة والمجتمع، ثم نجد أنفسنا، في لحظة من لحظات الحماس، نستدعي الفرنسية لتكون حكمًا بيننا!

والأطرف من ذلك أن صديقنا محمد يصرّ كعادته على مواصلة النقاش بالفرنسية، وكأن القضية التي عجز عن حسمها بالعربية ستستسلم له بمجرد أن يغيّر اللغة.

فنحن لا نختلف فقط حول الأفكار، بل نختلف أحيانًا حول لغة الاختلاف نفسها!

وهذا المشهد يعيدني إلى أيام العمل في البلدية، حين كنا نجتمع في اجتماعات رسمية ونجهد أنفسنا للتحدث بالفرنسية، حتى عندما تكون الفكرة التي نريد التعبير عنها جزائرية خالصة، والمخاطَب جزائريًا، والمكان جزائريًا، وحتى القهوة التي نشربها جزائرية!

ومع ذلك كنا نتصرف وكأن استعمال الفرنسية يمنح الكلام قيمة إضافية.

ربما كان ذلك مجرّد أثر من آثار مرحلة طويلة تركت فينا شيئًا من تلك العادة.

أما اليوم، وبعد كل هذه السنوات، فأصبحتُ أكثر اقتناعًا بأن قوة الفكرة لا تأتي من اللغة التي تُقال بها، وإنما من صدقها ووضوحها.

ومع ذلك، لا أستطيع أن أنكر أنني استمتعتُ كالعادة بهذا اللقاء.

فربما كانت قيمة صداقتنا في أننا نستطيع أن نتجادل حتى النهاية، ثم نفترق ونحن نضحك، دون أن يحمل أحدنا على الآخر ضغينة.

أما أنيس، الطالب الطبيب، فقد كان الوحيد الذي خرج من اللقاء سالمًا من «المعركة».

جلس صامتًا طوال الوقت، واستمع إلى ثلاثة رجال يتجادلون في الفكر والفلسفة والسياسة، ويتنقّلون بين العربية والفرنسية، ويرفعون أصواتهم ثم يخفضونها، وكأنه أمام حالة ”سريرية“ نادرة لا توجد في كتب الطب.

ولعلّه، وهو في السنة الخامسة من كلية الطب، كان يفكّر في قرارة نفسه:

هؤلاء لا يحتاجون إلى طبيب… بل إلى قليل من الصمت!

إرسال التعليق