حين تحترق الأرض… تحترق معها قلوبنا

محفوظ بجاوي

نحن اليوم أمام مشهد مؤلم يعجز القلب عن استيعابه، ونحن نرى إخواننا وأهلنا في مختلف مناطق الجزائر يواجهون هول الحرائق التي امتدت شرقًا وغربًا، واجتاحت الغابات والجبال والقرى والمداشر. نارٌ تلتهم الأشجار والمزارع، وتهدد البيوت والممتلكات، وتحول لحظات الأمن والطمأنينة إلى خوف وقلق وانتظار.
وما يؤلم أكثر هو أن خلف كل حريق إنسانًا يعيش مأساة حقيقية؛ عائلة تضطر إلى مغادرة بيتها، وأب يحاول حماية أطفاله، وأم لا تعرف ماذا تخبئ لها الدقائق القادمة، وفلاح يرى أمام عينيه سنوات من التعب والرزق مهددة بالضياع. إنها صور لا يمكن للإنسان أن يمر عليها ببرود، لأن الألم الذي يصيب أهلنا في أي منطقة من وطننا يصل صداه إلى قلوبنا جميعًا.
وفي الوقت نفسه، يقف رجال الحماية المدنية والمتطوعون وكل من يشارك في عمليات الإنقاذ في مواجهة النيران، في ظروف شديدة الصعوبة، معرضين حياتهم للخطر من أجل حماية الناس والممتلكات. إنهم يستحقون منا كل تقدير واحترام، لأنهم في مثل هذه اللحظات يثبتون أن التضامن الحقيقي لا يكون بالكلمات فقط، وإنما بالحضور والعمل والتضحية.
إن هذه المحنة تذكرنا بأن الخلافات التي تفرقنا في الأيام العادية تصبح صغيرة جدًا عندما يواجه الإنسان الخطر. فلا فرق بين جزائري في الشرق وجزائري في الغرب، ولا بين سكان مدينة أو قرية، ولا بين من نختلف معه ومن نتفق معه. عندما تشتعل النيران، يصبح الإنسان أولًا، ويصبح الوطن بيتًا واحدًا، وألم فرد من أبنائه ألمًا للجميع.
ومن هنا، فإن النداء اليوم موجه إلى كل أبناء الجزائر: لا تكتفوا بمشاهدة المشهد من بعيد. من يستطيع المساعدة فليهب إليها، كلٌّ بما يقدر عليه. هناك من يحتاج إلى الماء والغذاء والنقل، وهناك عائلات تحتاج إلى مأوى، وهناك متضررون يحتاجون إلى من يقف بجانبهم في هذه الساعات الصعبة. وحتى نشر المعلومات الصحيحة ومساعدة الناس على الوصول إلى الجهات المختصة يمكن أن يكون له أثر كبير.
لا نحتاج اليوم إلى كثرة الكلام، بقدر ما نحتاج إلى المواقف. فالمحن لا تُقاس بما نقوله، وإنما بما نفعله عندما يحتاج إلينا الآخرون. وقد يكون الشيء الذي تقدمه بسيطًا في نظرك، لكنه بالنسبة إلى عائلة منكوبة قد يكون فرقًا كبيرًا بين اليأس والأمل.
يا أبناء الجزائر، إن الشدائد تكشف معادن الشعوب، وهذه واحدة من تلك اللحظات التي يجب أن نُظهر فيها أفضل ما فينا. لنضع خلافاتنا جانبًا، ولنقف مع أهلنا في المناطق المنكوبة، ولنساند كل من يعمل في الميدان، ولنمد أيدينا إلى كل عائلة فقدت شيئًا من أمنها أو بيتها أو رزقها.
إن الوطن ليس مجرد حدود على الخريطة، ولا اسمًا نردده في المناسبات؛ الوطن هو الإنسان الذي يعيش فيه، وهو الجار الذي يحتاج إليك، والعائلة التي تبحث عن الأمان، والطفل الذي يخاف من النار، والرجل الذي يحاول إنقاذ بيته، وكل يد تمتد إلى يد أخرى في وقت الشدة.
اليوم، أهلنا في الشرق والغرب يحتاجون إلينا. فلنكن على قدر هذه اللحظة، ولنجعل من حزننا فعلًا، ومن تضامننا موقفًا، ومن وحدتنا قوةً تقف إلى جانب من أنهكته النيران.
حين تحترق الأرض، لا ينبغي أن نقف متفرجين؛ بل يجب أن تمتد أيدينا إلى أهلنا، لأن قوة الشعب تظهر حقًا عندما يشتد الألم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك