7 أكتوبر… بين وهْم الانتصار وحسابات النتائج
”جَنَتْ على أهلها براقش“
7 أكتوبر… بين وهْم الانتصار وحسابات النتائج
رشيد مصباح (فوزي)
*
هناك أحداث في التاريخ لا يكفي أن نسأل فيها: كيف بدأت؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: ماذا أنتجت؟ وإلى أين قادت؟
وعملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها فصائل فلسطينية في 7 أكتوبر 2023، تفرض نفسها اليوم على هذا النوع من الأسئلة، بعيدا عن العاطفة والشعارات والخطابات الحماسية.
لقد أحدثت العملية صدمة عسكرية وسياسية وأمنية غير مسبوقة داخل إسرائيل، وتمكّنت الفصائل من اختراق الحدود والوصول إلى مستوطنات ومواقع عسكرية وأسر عدد من المجنّدات ”الحسناوات“.
لكن السؤال الذي ينبغي طرحه، بعد مرور كل هذا الوقت، هو:
ماذا كانت الحصيلة السياسية والاستراتيجية لكل ذلك؟
هل كانت النتائج في مستوى ما أُعلن عنه من أهداف؟
أم أن العملية فتحت الباب أمام كارثة إنسانية وسياسية وأمنية لا تزال غزة تدفع ثمنها إلى اليوم؟
من السهل على المرء أن يصف العملية بأنها «انتصار تاريخي»، وأن يكتفي بالاحتفال بالضربة الأولى التي وُجّهت إلى إسرائيل. لكن السياسة لا تُقاس باللحّظة الأولى، والحروب لا تُقاس بعدد المواقع التي تم اختراقها، أو الجنود الذين تم أسرهم. وإنما تُقاس بما تتركه في اليوم التالي، وفي الشهر التالي، وفي السنوات التي تليها: فهل كانت القيادة التي خطّطت للعملية تمتلك تصوّرا واضحا لما سيحدث بعد الساعات الأولى؟
إسرائيل ليست دولة بلا قدرات عسكرية، ولا قوّة إقليمية معزولة، بل دولة تمتلك جيشا قويّا، وقدرات استخباراتية وتكنولوجية وعسكرية هائلة، وتحظى بدعم سياسيّ وعسكريّ غربيّ واسع.
فهل كان من الممكن الاعتقاد بأن إسرائيل ستتلقّى الضربة ثم تكتفي بالصمت؟
غزة دفعت الثمن
النتيجة الأكثر وضوحا أن غزّة دخلت، بعد العملية، في حرب مدمّرة دفعت خلالها تكلفة بشرية ومادية هائلة.
مدن وأحياء سُوّيت بالأرض، وبنية تحتية دُمّرت، ونزوح واسع، ومئات الآلاف وجدوا أنفسهم أمام ظروف إنسانية قاسية.
وهنا لا بد من الفصل بين أمرين:
إدانة ما تعرض له المدنيون الفلسطينيون لا تعني بالضرورة تأييد كل ما قامت به الفصائل الفلسطينية.
كما أن نقد قرار عسكري أو سياسي لا يعني التخلّي عن حقوق الشعب الفلسطيني.
بل إن العكس هو الصحيح.
فإذا كنا نريد للقضية الفلسطينية أن تنتصر، فعلينا أن نمتلك الشجاعة الكافية لمناقشة أخطاء أصحابها أيضا.
هل أعاد «طوفان الأقصى» القضية إلى الواجهة؟
يقال إن العملية أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي، وهذا صحيح جزئيًا، لكن تحويل هذه الحقيقة إلى دليل على نجاح العملية يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق.
فالتعاطف العالمي الكبير مع الفلسطينيين لم يتشكّل بسبب عملية دامت سويعات، وإنما تأثّر بصورة أساسية بما شاهدته شعوب العالم من مشاهد الدمار والضحايا المدنيين في غزّة.
وقد شهدت مدن غربية كبرى، وجامعات عديدة، احتجاجات ومظاهرات واسعة ضد الحرب، وارتفعت أصوات سياسية وشعبية تطالب بوقف القتال ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات؛ فهل كان ثمن إعادة القضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي يستحقّ كل هذه الكلفة الإنسانية؟
إنه سؤال مؤلم، لكنه ليس سؤالًـا غير مشروع.
ومن استفاد سياسيّا؟
هناك نتيجة أخرى لا يمكن تجاهلها: فبدل أن تؤدّي العملية إلى انهيار الحكومة الإسرائيلية أو إضعاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وجد الرجل نفسه أمام ظروف سياسية جديدة مكّنته من إعادة ترتيب المشهد الداخلي الإسرائيلي حول الحرب والأمن.
كما أن القوى اليمينية المتطرّفة داخل الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتها إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، لم تختفِ من المشهد، بل اكتسبت الحرب في مراحل عديدة وزنا سياسيّا إضافيّا؛ عملية كان من أهدافها إرباك إسرائيل، انتهت إلى منح اليمين الإسرائيلي المتشدّد بيئة سياسية وأمنية مواتية لمزيد من التشدّد.
فهل أخطأت الفصائل في حساب رد الفعل الإسرائيلي؟
أين ذهب «محور المقاومة»؟
ثم هناك سؤال آخر لا يمكن تجاهله:
أين كان حزب الله عندما وصلت الحرب إلى أقصى درجاتها؟
وأين كانت الجماعات المسلّحة الأخرى التي أعلنت دعمها لغزة؟
وأين كانت إيران التي لطالما تحدّثت عن محور المقاومة ووحدة ساحاته؟
صحيح أن جبهات أخرى دخلت في المواجهة بدرجات مختلفة، وأن جماعات مسلّحة قامت بعمليات عسكرية مرتبطة بالحرب، لكن الفارق بين الخطاب السياسي المرتفع وبين حجم التدخّل الفعلي ظل واضحا.
لقد كانت الخطب في بداية الحرب عالية السقف، أما الواقع فكان أكثر تعقيدا.
وهنا اكتشف الفلسطيني المكلوم، مرة أخرى، أنه الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر عندما تتحّول القضية إلى ساحة للصراع الإقليمي.
إيران… والحسابات التي لا يدفع ثمنها الجميع
من حقّنا أيضا أن نتساءل عن الدور الإيراني.
فإيران دعّمت قوى مسلّحة عديدة في المنطقة، وجعلت من القضية الفلسطينية جزءا من خطابها الإقليمي.
لكن السياسة الدولية لا تُدار بالشعارات.
الدول تحسب مصالحها، وتعرف متى تتقدّم ومتى تتراجع، ومتى تخوض مواجهة مباشرة ومتى تستخدم وكلاءها.
أما الشعوب، فهي التي تدفع في كثير من الأحيان ثمن هذه الحسابات.
وهنا ينبغي أن نسأل بصراحة:
هل أصبحت غزة، في جزء من الصراع الإقليمي، ساحة لحسابات تتجاوز القضية الفلسطينية نفسها؟
البطولة لا تكفي لصناعة النصر
المشكلة في ثقافتنا السياسية أننا كثيرا ما نخلط بين الشجاعة والحنكة.
قد يكون المقاتل شجاعا إلى أبعد الحدود، وقد تكون العملية العسكرية مذهلة من الناحية التكتيكية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها كانت ناجحة استراتيجيّا.
فالنجاح العسكري الحقيقي لا يُقاس بما يحدث في الساعات الأولى لكن يُقاس أيضا بما يحدث بعد انتهاء المعركة.
من يخطّط للحرب عليه أن يعرف كيف ستكون نهايتها.
ومن يفتح باب المواجهة عليه أن يعرف كيف سيخرج منه.
أما أن نبدأ المعركة ثم نترك شعبا بأكمله يتحمّل نتائجها، فهذه ليست بالضرورة بطولة.
«جنت على أهلها براقش»
وهنا أتذكّر المثل العربي القديم: «على أهلها جنت براقش».
لا أستخدم هذا المثل لأحمّل الشعب الفلسطيني مسؤولية ما حلّ به، ولا لأبرّئ الاحتلال من جرائمه، فهذان أمران لا علاقة لأحدهما بالآخر.
وإنما أستخدمه للدلالة على فكرة سياسية بسيطة: قد يقوم طرف بعمل يعتقد أنه سيحقّق له مكاسب، ثم يجد أن نتائجه انعكست عليه وعلى من يمثّلهم. وهذا هو جوهر السؤال الذي ينبغي أن يُطرح حول 7 أكتوبر:
هل كانت العملية ضربة استراتيجية محسوبة؟
أم أنها كانت مغامرة عسكرية ضخمة لم تُحسب نتائجها بما يكفي؟
القضية الفلسطينية أكبر من الفصائل
القضية الفلسطينية ليست ملكًا لفصيل بعينه.. وليست ملكًا لإيران.. وليست ملكًا لحزب الله.. وليست ملكًا لأيّ محور إقليمي. إنها قضية شعب يريد الحرية والكرامة والدولة، والعيش بأمان.
ولهذا فإن اختزال القضية في العمل المسلّح وحده ظلم للفلسطينيين أنفسهم.
فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن المعركة السياسية، والقانونية، والإعلامية، والدبلوماسية يمكن أن تكون لها آثار عميقة أيضا. والتعاطف الذي نشأ في الجامعات والشوارع الغربية، والجدل داخل المؤسسات السياسية والإعلامية العالمية، والتحوّلات في مواقف قطاعات من الرأي العام، كلها جبهات مهمّة في الصراع.
لا نقدّس الأخطاء
لقد آن الأوان، في رأيي، لكي نتعامل مع القضية الفلسطينية بعقل بارد، دون أن نفقد إنسانيتنا.
نعم، الاحتلال مسؤول عن جرائمه.
ونعم، للفلسطينيين حق مشروع في الحرية والاستقلال.
لكن ذلك لا يعني أن كل قرار تتّخذه الفصائل يجب أن يتحّول إلى مقدّس لا يجوز نقده.
فالفصائل ليست فوق النقد، والقيادات ليست فوق المحاسبة، والشعارات لا تعفي أصحابها من مسؤولية النتائج.
ومن يحبُّ فلسطين حقّا لا ينبغي أن يخشى من طرح الأسئلة الصعبة.
وفي النهاية…
قد يختلف معي كثيرون، وربما يتّهمني البعض بأنني أبرّر للاحتلال أو أقلّل من المقاومة.
لكنني أقولها بوضوح:
نقد قرار سياسي أو عسكري لا يعني الوقوف مع الاحتلال.
بل قد يكون أحيانا تعبيرا عن الخوف على القضية نفسها.
لقد دفعت غزّة ثمنًا رهيبًا.
ودفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر.
ويبقى السؤال الذي سيحكم على «طوفان الأقصى» في النهاية ليس حجم الصدمة التي أحدثتها في ساعاتها الأولى، وإنما ما الذي تركته وراءها؟
هل قرّبت الفلسطينيين من دولتهم؟
هل قلّصت قدرة إسرائيل على مواصلة احتلال الأراضي الفلسطينية؟
هل وحّدت الفلسطينيين؟
هل غيّرت ميزان القوى؟
أم أنها أطلقت حربا طويلة جعلت غزّة تدفع الثمن، وأعادت ترتيب المشهد الإسرائيلي والإقليمي بطريقة لم تكن في مصلحة الفلسطينيين؟
التاريخ وحده سيملك الإجابة النهائية.
أما نحن، فعلينا أن نمتلك شجاعة السؤال قبل أن نمتلك شجاعة التصفيق.
فالقضية العادلة لا تحتاج إلى تقديس أخطائها، وإنما تحتاج إلى عقل يحميها من أخطاء أبنائها قبل أن يحميها من خصومها.



إرسال التعليق