المولد النبوي… عندما يتحوّل الخلاف الفقهي إلى معركة اجتماعية

رشيد مصباح (فوزي)

*

«لا نار بلا دخان»، يقول المثل الشعبي.

لكن النار قد تحرق الأبرياء، والدخان قد يحجب الرؤية حتى لا تعود العين قادرة على تمييز الحقيقة من الوهم. ولذلك، حين تشتعل نار الخلاف في مجتمع ما، لا يكفي أن نسأل: ما الذي أشعلها؟ بل ينبغي أن نسأل: من المستفيد من الدخان الذي تخلّفه؟

وهذا بالضبط ما يدفعني إلى التوقّف عند الجدل الذي يتجدّد كل عام حول المولد النبوي الشريف: هل الاحتفال به سُنّة أم بدعة؟

سؤال فقهي مشروع، ولا أرى بأسًا في أن يختلف فيه العلماء، فهذه مسألة لها تاريخ طويل في التراث الإسلامي، وقد اختلف فيها أهل العلم بين من يرى أن الاحتفال بالمولد بدعة لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ومن يرى أن الاجتماع لتذكّر سيرته والصلاة عليه والتعبير عن محبّته يمكن أن يكون مشروعًا إذا خلا من المخالفات الشرعية.

لكن ما يستوقفني ليس وجود الاختلاف في حد ذاته، وإنما الطريقة التي يُدار بها هذا الاختلاف، والمساحة التي يحتلّها في حياة الناس، وحجم الضجيج الذي يصاحبه.

فهل أصبحنا نحتاج في كل مناسبة إلى معركة جديدة؟

أتذكّر كيف كان الجزائريون يتعاملون مع هذه المناسبة في الماضي.

كانت البيوت تُضاء، وكان الأطفال يفرحون ويشعلون الشموع، وكانت المساجد تعرف شيئًا من الذكر والصلاة على النبي ﷺ وتلاوة القرآن والابتهال. وكانت المناسبة تمرُّ في أجواء بسيطة، يغلب عليها الفرح والمحبّة، من دون أن تتحوّل إلى مناسبة لتبادل الاتّهامات أو التشكيك في إيمان الناس.

ثم تغيّر شيء ما.

بدأت تظهر أصوات ترفع شعار محاربة «البدع»، وأصبح المولد عند بعض التيارات الدينية مناسبة سنوية لإعادة فتح معركة قديمة، حتى أصبح الناس أمام سؤال آخر غير السؤال الأصلي:

هل نحن نحتفل بالنبي ﷺ، أم نتقاتل حول الطريقة التي ينبغي أن نحتفل بها؟

وليس خافيًا أن حضور بعض التيارات السلفية في المجتمع الجزائري اتّسع بصورة ملحوظة خلال العقود الأخيرة، وأن بعض هذه التيارات يتّخذ موقفًا رافضًا للاحتفال بالمولد، باعتباره ممارسة لم يفعلها النبي ﷺ ولا أصحابه.

ومن حق أيّ تيار ديني أن يعرض رأيه ويستند إلى ما يراه من أدلّة.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الخلاف الفقهي إلى معيار للتفاضل بين المسلمين، فيصبح من يحتفل بالمولد متّهمًا في دينه، ومن لا يحتفل به أكثر التزامًا، وكأن الإسلام قد اختُزل في هذه المسألة وحدها.

والأخطر من ذلك أن يتحوّل النقاش إلى خصومة اجتماعية، وإلى تبديع وتخوين وتشكيك في النيّات.

وهنا ينبغي أن نتذكّر أن الاختلاف الفقهي ليس جديدًا في الإسلام، وأن كبار العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة، دون أن يجعلوا من اختلافهم سببًا لتمزيق المجتمع.

لكن ثمّة سؤالًـا آخر أكثر حساسية:

لماذا يتضخّم هذا النوع من الخلافات في بعض المراحل، بينما توجد أمام المجتمع قضايا أكثر إلحاحًا؟

حين يكون المواطن مشغولًـا بارتفاع الأسعار، وتراجع قدرته الشرائية، ومشكلات السكن والعمل والصحّة والتعليم، وحين تتراكم الأسئلة حول الفساد والعدالة الاجتماعية ومستقبل أبنائه، فإن من حقّه أن يتساءل:

هل من الطبيعي أن يصبح الخلاف حول الشموع والاحتفال بالمولد هو المعركة الأبرز التي تستنزف اهتمام المجتمع؟

أنا لا أقول إن هناك جهة بعينها تقف وراء كل هذا الضجيج، ولا أملك دليلًـا يبرّر اتهامًا من هذا النوع.

لكن السياسة علّمتنا أن نسأل دائمًا: من المستفيد؟

فقد يكون تضخيم الخلافات الدينيّة مقصودًا في بعض الحالات، وقد يكون تلقائيًا في حالات أخرى، وقد يكون مجرّد نتيجة طبيعية لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تجعل من كل خلاف صغير قضية عامة. والنتيجة:

مجتمع منشغل بنفسه، يستهلك طاقته في معارك جانبية أو هامشية، وينسى الأسئلة الكبرى التي تمس حياته مباشرة.

وهنا أجدني أطرح سؤالًـا آخر:

هل كل ما يُقدَّم إلينا باعتباره «صحوة دينية» هو بالضرورة صحوة؟

الصحوة الحقيقية، في نظري، ليست أن نختلف حول الشموع، ولا أن نحصي على بعضنا المظاهر والعادات، ولا أن نبحث عن أخطاء الآخرين تحت المجهر.

الصحوة أن يصبح المسلم أكثر صدقًا..

أكثر أمانة..

وأن يكفّ أذاه عن الناس.

أن يؤدي عمله بإخلاص.

أن يرفض الرشوة.

أن يحارب الظلم والفساد.

أن يحفظ حقوق الضعفاء.

أن يكون رحيمًا بالفقراء.

وأن يخاف الله عندما يكون قادرًا على الظلم ولا يراه أحد.

فما قيمة أن يختلف الناس حول حكم المولد، بينما يبيع بعضهم ذمّته، ويغشّ آخر، ويظلم ثالث، ويأكل رابع حقوق الناس؟

أما إذا كان الاحتفال بالمولد النبوي مناسبة لتذكر سيرة الرسول ﷺ، وإحياء محّبته في القلوب، وتعريف الأطفال بأخلاقه ورحمته وعدله وأمانته، فهذه غاية جميلة في ذاتها.

وإذا كان المقصود التعبير عن محبّة النبي الذي جاء برسالة الإسلام وأخرج الناس من الظلمات إلى النور، فالمحبة أمر فطري لدى المسلم.

لكن المحبّة الحقيقية لا تكون بالاحتفال وحده.

إن كنا نحب محمدًا ﷺ، فلنقتدِ به.

إن كنا نحتفي بسيرته، فلنحاول أن نجعل شيئًا من أخلاقه حاضرًا في حياتنا.

وإن كنا نكثر من الصلاة عليه، فلنجعل رحمته بالناس وعدله وأمانته ورفقه جزءًا من سلوكنا.

فالرسول ﷺ لم يترك لنا شموعًا لنختلف حولها، وإنما ترك لنا سيرةً وأخلاقًا ومنهجًا في التعامل مع الإنسان والحياة.

وقد روى النبي ﷺ قصة بغي من بني إسرائيل رأت كلبًا يلهث من شدة العطش، فنزعت خفها، واستقت له، فسقته، فغفر الله لها.

( بينَما كَلبٌ يُطيفُ برَكيَّةٍ، كادَ يَقتُلُه العَطَشُ، إذ رَأته بَغيٌّ مِن بَغايا بَني إسرائيلَ، فنَزَعَت مُوقَها فسَقَته، فغُفِرَ لها به.)
المغزى هنا أكبر من مجرّد قصّة.

إنها تذكير بأن الرّحمة ليست شعارًا، وأن العمل الصالح قد يكون في أبسط صورة، وأن قيمة الإنسان عند الله لا تُقاس بالمظاهر وحدها.

فإذا كانت امرأة بغيٌّ غُفر لها بسبب رحمتها بحيوان عطشان، فكم نحن بحاجة إلى أن نتعلّم الرّحمة بالإنسان؟

إنني لا أدعو إلى إلغاء الخلاف الفقهي، ولا إلى فرض الاحتفال بالمولد على من لا يراه مشروعًا.

من أراد أن يحتفل، فليحتفل بما لا يخالف الشرع، ومن يرى عدم مشروعيته، فليتركه دون أن يجعل من ذلك سببًا لاتّهام الآخرين في دينهم.

اتركوا للناس مساحةً من التسامح.

فالاختلاف لا يعني العداوة.

والاجتهاد لا يعني التبديع المتبادل.

والتديُّن لا يقاس بحجم المعارك التي نخوضها ضد الآخرين.

ولعل أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نسمح لأيّ خلاف، دينيًّا كان أو سياسيًّا أو اجتماعيًّا، بأن يتحوّل إلى وسيلة لتقسيم المجتمع إلى معسكرات متناحرة.

فالمجتمع الذي يختلف أبناؤه حول كل شيء، ويتخاصمون حول كل شيء، يصبح أكثر هشاشة أمام القضايا الكبرى.

ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: هل المولد سنة أم بدعة؟

بل: ماذا بقي من أخلاق صاحب المولد في سلوكنا؟

هل بقيت الأمانة؟

هل بقي العدل؟

هل بقيت الرّحمة؟

هل بقيت صلة الرحم؟

هل بقي احترام الإنسان لأخيه الإنسان؟

وهل نستطيع أن نحتفل بمولد النبي ﷺ دون أن نجعل من المناسبة مناسبةً جديدة للخصومة؟

إن كان المولد مناسبة للفرح، فليكن فرحًا بلا إسراف.

وإن كان مناسبة لذكر النبي ﷺ، فلنذكره بما يليق بمقامه.

وإن كان مناسبة للصلاة عليه، فلنكثر منها.

وإن كان مناسبة لاستعادة سيرته، فلنجعل سيرته مدرسةً لأبنائنا.

أما أن يتحوّل المولد كل عام إلى معركة بين المسلمين حول المسلمين، فذلك هو الشيء الذي يستحقّ منّا وقفةً وتأمّلًـا.

فربما لا تكون المشكلة في النار نفسها، ولا حتى في الدخان…

بل في أننا، وسط الدخان، نسينا أن نسأل:

من أشعل النار؟

ومن المستفيد من أن نبقى منشغلين بالدخان؟

والأهم من ذلك كله:

متى نتوقّف عن التقاتل حول الهامش، ونعود إلى جوهر الرسالة؟

إرسال التعليق