المهام الأمنية للجيش
لا تستهلكوا الجيش بمهام الامن الداخلي
رياض هاني بهار
الدولة القوية لا تخلط بين الدفاع الوطني والامن الداخلي بل تمنح كل جهة دورها الذي انشئت من اجله
الجيش يحمي الحدود والشرطة تحمي المدن وبينهما يجب الا تختلط الاختصاصات
في كل مناسبة دينية كبرى يتكرر المشهد نفسه قطعات عسكرية تنتشر في المدن والطرق وتؤدي واجبات امنية ، هي في الاصل من صميم اختصاص وزارة الداخلية ، ومع تكرار هذا المشهد اصبح الاستثناء قاعدة حتى بدا وكان الجيش اصبح جزءا دائما من منظومة الامن الداخلي لا قوة وطنية مكرسة للدفاع عن سيادة العراق وحدوده.
هذه ليست مسالة تنظيمية فحسب بل قضية تمس فلسفة بناء الدولة ، فالدولة التي تخلط بين وظائف مؤسساتها تضعفها جميعا ، اما الدولة القوية فهي التي تحترم الاختصاص وتمنح كل مؤسسة المساحة الكاملة لاداء رسالتها التي انشئت من اجلها.
ليس من الانصاف ان نحمل الجيش مسؤوليات ليست من صميم رسالته الاساسية فالجيوش في الدول الحديثة لا تبنى في الشوارع ، ولا في ادارة الحشود ، ولا في تامين المناسبات العامة ، بل تبنى في ميادين التدريب ومراكز التطوير ومدارس الاركان والمناورات العسكرية وتحديث العقيدة القتالية ورفع الجاهزية لمواجهة اي تهديد خارجي
هناك استغراب رؤية قطعات الجيش في الزيارات المليونية والواجبات الامنية الداخلية حتى اصبح ذلك جزءا من المشهد الغير المالوف ، لكن السؤال الذي ينبغي ان يطرح بجرأة هو متى يتفرغ الجيش لمهمته الاصلية التي اوجد من اجلها .
كل يوم يقضيه الجندي في مهام الامن الداخلي هو يوم ينتزع من رصيد تدريبه واستعداده القتالي ، وكل ساعة تستنزف في نقاط التفتيش وتامين الطرق هي ساعة لا تقضى في التدريب على القتال او تطوير المهارات او تنفيذ المناورات او رفع الكفاءة العسكرية ، والجيوش لا تفقد جاهزيتها في يوم واحد بل تستنزف تدريجيا عندما تتراكم عليها المهام التي لم تنشا من اجلها .
وفي المقابل فان استمرار الاعتماد على الجيش في المناسبات الدينية يطرح سؤالا مشروعا عن دور وزارة الداخلية ، فاذا كانت الوزارة تمتلك تشكيلات متخصصة في الامن الداخلي من الشرطة المحلية والشرطة الاتحادية والنجدة والمرور والاستخبارات وسائر الاجهزة الساندة فلماذا يبقى الجيش هو الخيار الاول في كل استحقاق امني ، ان معالجة اي نقص في القدرات يجب ان تكون بتطوير ادارات الامن الداخلي لا باشغال الجيش بمهام دائمة خارج اختصاصها ،
لقد اثبتت الحروب الاخيرة ان اخطر ما واجهه جيشنا ليس نقص السلاح فقط ، هو غياب التدريب والتطوير ، الذي لا يمكن تعويضه عند اندلاع الازمات والدول التي تحترم تخصصاتها تحرص على ان يبقى جيشها مستعدا للحرب لا منشغلا بواجبات تستطيع اجهزة اخرى القيام بها .
العراق لا يحتاج الى جيش يعمل كشرطة ، كما لا يحتاج الى شرطة تؤدي دور الجيش ، انه يحتاج الى اجهزه محترفة لكل منها اختصاص واضح وحدود قانونية لا تتجاوزها وتكامل في الادوار لا تداخل فيها .
ان احترام الاختصاص ركيزة من ركائز بناء الدولة وعندما يعود الجيش الى مهمته في حماية الحدود والسيادة ، وتتفرغ وزارة الداخلية لحماية المدن والمجتمع عندها فقط نكون قد وضعنا اساسا حقيقيا لدولة قوية وجيش اكثر جاهزية وامن داخلي اكثر احترافا



إرسال التعليق