لماذا يخاف بعضهم من الشريعة؟
رشيد مصباح (فوزي)
*
مهما تحدثنا عن الإسلام، وحاولنا إبراز ما يحمله من قيم العدل والرحمة والكرامة الإنسانية، يبقى سؤال يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يثير الحديث عن تطبيق الشريعة كل هذا القدر من التخوف لدى بعض النخب؟
هل يعود ذلك إلى الجهل بحقيقة الشريعة؟ أم إلى تجربة تاريخية معينة؟ أم إلى قناعة فكرية ترى أن التشريع ينبغي أن يكون من صنع الإنسان وحده؟
وربما يذهب بعض المؤمنين إلى طرح سؤال أكثر حدّة:
لماذا كل هذا الخوف من تطبيق الشريعة في حياة الناس؟
هل سببه الجهل بحقيقتها؟ أم ضعف اليقين؟ أم هو الميل إلى إطلاق الغرائز والشهوات من كل قيد؟
وقد يرى أصحاب هذا التصور أن الإنسان، عندما يجعل رغباته هي المرجعية العليا، فإنه يهبط بنفسه من منزلة الكائن الذي يهتدي بالعقل والقيم، إلى منزلة تتحكم فيها الأهواء أكثر مما يحكمها الضمير.
غير أن هذا التفسير لا يعبّر عن جميع من يتحفّظون على الشريعة. فهناك مثقفون وعلمانيون ينطلقون من رؤية فلسفية مختلفة، يعتقدون أن الدِّين لا ينسجم مع متطلبات الدولة الحديثة، وأن التشريع ينبغي أن يكون نتاج الإرادة البشرية، لا النصوص الدِّينية. وهم ينظرون إلى الدِّين، في كثير من الأحيان، باعتباره شأنا روحيا وأخلاقيا، لا مصدرا ملزما لتنظيم الحياة العامة.
ولفهم هذا الموقف، ينبغي العودة إلى السياق التاريخي الذي نشأت فيه العلمانية الأوروبية. فقد جاءت، في الأصل، كرد فعل على هيمنة الكنيسة على الحياة السياسية والعلمية، وما ارتبط بذلك من محاكم تفتيش وصراعات دينية عرفتها أوروبا لقرون. ومن هنا وُلدت فكرة الفصل بين المؤسّسة الدِّينية والدولة.
لكن يبقى السؤال مطروحا:
هل يجوز نقل هذه التجربة الأوروبية بحذافيرها إلى المجتمعات الإسلامية، رغم اختلاف التاريخ والعقيدة وطبيعة المؤسّسة الدِّينية؟
فالإسلام، في نظر المؤمنين به، هو منظومة متكاملة تنظّم علاقة الإنسان بربّه، وبنفسه، وبالناس، وبالمجتمع.. وليس مجرّد شعائر روحية، ولذلك فإن المسلم الذي يؤمن بأن القرآن كلام الله، وأن الله هو العليم الحكيم، يجد نفسه أمام سؤال منطقي:
إذا كنتُ أؤمن بأن الله أعلم بما يصلِح خلقه، فلماذا أستبدل حكمه بقانون يضعه الإنسان، وهو محدود العلم، ومتأثّر بزمانه ومكانه؟
وفي المقابل، يرى أنصار العلمانية أن التشريع يجب أن يبقى من اختصاص المؤسّسات المنتخبة، وأن القوانين ينبغي أن تتطوّر بتطوّر المجتمع، ويخشون أن يؤدّي تطبيق الشريعة ـ وفق بعض التصورات ـ إلى تقييد بعض الحريات أو إلى اختلاف الناس في فهم النصوص الدِّينية.
وهكذا يتبيّن أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول وجود الدِّين أو عدمه، وإنما حول سؤال المرجعية: هل تكون السيادة النهائية للوحي، أم لإرادة الإنسان؟
ومن وجهة النظر الإسلامية، فإن الشريعة لا تختزل في الحدود والعقوبات، كما يصورها كثير من خصومها، بل هي منظومة واسعة تقوم على العدل، وحفظ النفس، وصيانة المال، وحماية الأسرة، وتحريم الظلم، وإقامة الحقوق، وتحقيق مصالح الناس. ولذلك فإن اختزالها في جانب العقوبات وحده لا يعكس حقيقتها.
كما أن من الضروري التمييز بين الشريعة في ذاتها، وبين التطبيقات البشرية لها. فالبشر قد يسيئون الفهم أو التطبيق، لكن ذلك لا يعني ـ في نظر المؤمن ـ أن الخلل في الشريعة نفسها.
ويرى كثير من المؤمنين أيضا أن جوهر الخلاف أعمق من مجرّد نقاش قانوني؛ فهو مرتبط بالتصور العام للحياة والإنسان. فإذا كانت الحياة ـ في نظر المؤمن ـ امتحانا إلهيا، وكانت الغاية من وجود الإنسان عبادة الله وعمارة الأرض وفق هديه، فإن التشريع الإلهي يصبح جزءا من هذا التصور الكلّي. أما إذا اختُزلت الحياة في بعدها المادي وحده، وأصبحت اللذّة والمنفعة الفردية المرجعية العليا، فإن من الطبيعي أن تتراجع مكانة الشريعة في الوعي العام.
ومن هنا يدعو أصحاب هذا التصور خصومهم إلى إعادة النظر في رؤيتهم الفلسفية للإنسان والحياة، وإلى طرح أسئلة تتجاوز الجدل السياسي والقانوني: ما الغاية من وجود الإنسان؟ وهل يملك العقل البشري وحده القدرة على وضع منظومة أخلاقية وتشريعية كاملة لا يشوبها النقص؟
كما يرفض كثير من المسلمين الصورة التي تُقدّم بها الشريعة في بعض الخطابات الإعلامية، حيث يُنظر إلى الملتزم بدينه أحيانا بوصفه ”أصوليا“ و”متشدّدا“، وتُقدّم مظاهر الحياء والالتزام الدِّيني باعتبارها تخلّفا، في حين يُنظر إلى أنماط أخرى؛ مثل ”العري“ مثلا و ”الاختلاط الجنسي“.. من السلوكات التي نراها في زمننا بوصفها تعبيرا عن الحريّة والتقدّم والتفتّح.. و مسألة من المسائل الشخصية. وهذا لا يعكس حيّادا فكريا، بل يعبّر عن منظومة قيّم معادية لكل ما له علاقة بالإسلام.
ولهذا فإن الحوار حول الإسلام والعلمانية ينبغي أن يقوم على نقاش هادئ وصريح يحترم حق كل طرف في عرض حججه.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة:
إذا كان الله سبحانه هو الخالق، وهو الأعلم بما يصلح خلقه، فهل تكون هدايته أقل صلاحا من تشريع يضعه الإنسان؟
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ… وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
(سورة المائدة: الآية 44)



إرسال التعليق