حل علمي لحوادث المرور الخطيرة في الجزائر
.. البروفيسور “عبد المجيد بوعامر” يتحدّث عن البدائل العملية لوقف نزيف الطرقات؟.
…. لقد أثارت القراءة النقدية لظاهرة المجازر المرورية تفاعلًا واسعًا، وتلقينا العديد من الملاحظات الموضوعية التي أكدت أن تشخيص أسباب الحوادث، مهما بلغت دقته، يبقى غير كافٍ ما لم يُترجم إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري الانتقال من مرحلة توصيف الأزمة إلى بناء رؤية وطنية متكاملة تجعل من حماية الأرواح أولوية استراتيجية، وليس مجرد ملف ظرفي يُستحضر عقب كل مأساة.
…. إن وقف “حمامات الدم” على الطرقات لا يتحقق بإجراء واحد، بل بمنظومة متكاملة تتقاسم مسؤوليتها الدولة، والجماعات المحلية، ومؤسسات التربية، ووسائل الإعلام، والمجتمع المدني، والقطاع الاقتصادي، والمواطن نفسه. وفي هذا الإطار يمكن اقتراح جملة من البدائل الواقعية:
….)- أولًا: إعلان السلامة المرورية قضية أمن قومي: ينبغي التعامل مع حوادث المرور باعتبارها أزمة تنموية وصحية وأمنية، بالنظر إلى ما تخلفه من خسائر بشرية واقتصادية سنوية، وما تفرضه من أعباء على المنظومة الصحية وصناديق التأمين والاقتصاد الوطني.
….)- ثانيًا: إعداد استراتيجية وطنية للسلامة المرورية (2027–2035)، تتضمن أهدافًا كمية واضحة، من بينها:
- خفض الوفيات بنسبة لا تقل عن 50 % بحلول سنة 2035.
- تقليص عدد المصابين بجروح خطيرة.
- معالجة جميع النقاط السوداء المعروفة.
- إخضاع الطرق الوطنية والولائية لتقييم دوري لمستوى السلامة.
….)- ثالثًا: إنشاء مرصد وطني مستقل للسلامة المرورية، يتولى جمع البيانات وتحليلها ونشر تقارير دورية، مع تحديد أسباب الحوادث حسب: - نوع الطريق.
- الفئة العمرية.
- نوع المركبة.
- توقيت الحادث.
- الظروف المناخية.
- العوامل البشرية والهندسية.
…. فلا يمكن بناء سياسة ناجحة دون قاعدة بيانات دقيقة وشفافة.
….)- رابعًا: إصلاح منظومة تعليم السياقة، ينبغي الانتقال من تعليم مهارات التحكم في المركبة إلى تكوين سائق مسؤول، عبر: - إدراج الإسعافات الأولية.
- التربية على إدارة المخاطر.
- القيادة في الظروف الصعبة.
- التربية النفسية والانفعالية.
- اختبارات محاكاة للحوادث قبل الحصول على رخصة السياقة.
….)- خامسًا: رقمنة مراقبة المرور، من خلال: - تعميم الرادارات الذكية.
- الكاميرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
- الرصد الآلي لتجاوز السرعة.
- كشف استعمال الهاتف أثناء القيادة.
- مراقبة احترام مسافة الأمان وحزام السلامة.
…. فالرقابة الرقمية تقلل من التدخل البشري وتعزز العدالة والشفافية.
….)- سادسًا: إعادة هندسة الطرق، بدل الاكتفاء بتوسعة الطرق، ينبغي: - إزالة النقاط السوداء.
- إنشاء ممرات آمنة للراجلين.
- تحسين الإنارة والعلامات المرورية.
- توفير حواجز الحماية.
- إنشاء مسارات خاصة بالدراجات النارية والهوائية حيثما أمكن.
….)- سابعًا: تطوير النقل العمومي: كلما ارتفعت جودة النقل الجماعي، انخفض عدد المركبات الخاصة، وتراجعت الكثافة المرورية واحتمالات وقوع الحوادث.
….)- ثامنًا: حماية السائق المهني، ينبغي إلزام شركات النقل باحترام: - ساعات العمل القانونية.
- فترات الراحة.
- الفحص الطبي والنفسي الدوري.
- برامج التكوين المستمر.
…. فالإرهاق يعد من أهم أسباب الحوادث الخطيرة.
….)- تاسعًا: إصلاح منظومة العقوبات، لا يكفي تشديد الغرامات، بل ينبغي اعتماد عقوبات تربوية وإصلاحية، مثل: - دورات إلزامية في السلامة المرورية.
- أعمال ذات منفعة عامة لفائدة ضحايا الحوادث.
- نظام النقاط على رخصة السياقة.
- تشديد العقوبات على حالات العود والمخالفات الجسيمة.
….)- عاشرًا: تعبئة المجتمع المدني، يمكن للجمعيات أن تتحول إلى شريك فعلي عبر: - حملات تحسيس ميدانية.
- مرافقة ضحايا الحوادث.
- التوعية داخل المدارس والجامعات.
- تنظيم أسابيع وطنية للسلامة المرورية.
….)- حادي عشر: إشراك المؤسسات الدينية والإعلامية: إن حماية النفس مقصد من مقاصد الشريعة، وهو ما يجعل للمؤسسات الدينية دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة احترام الطريق، إلى جانب وسائل الإعلام التي ينبغي أن تنتقل من تغطية الحوادث إلى نشر ثقافة الوقاية.
….)- ثاني عشر: إدماج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، من خلال: - تحليل بيانات الحوادث للتنبؤ بالمناطق الأكثر خطورة.
- تطوير تطبيقات تنبه السائق إلى السرعة والإرهاق.
- إنشاء منصات وطنية للإبلاغ عن مخاطر الطرق.
- دعم المركبات المزودة بأنظمة السلامة الحديثة.
….)- ثالث عشر: تعزيز الاستجابة الطبية، إنقاذ الأرواح لا يتوقف عند منع الحوادث، بل يشمل أيضًا: - تقليص زمن تدخل الإسعاف.
- تجهيز مراكز الطوارئ على الطرق السريعة.
- تدريب أعوان الحماية المدنية على أحدث بروتوكولات التدخل.
- توفير مهبط للإسعاف الجوي في المحاور ذات الكثافة العالية عند الحاجة.
…….. وفي الخـاتمة: إن وقف نزيف الطرقات لن يتحقق بمجرد إصدار قوانين جديدة أو مضاعفة الغرامات، وإنما ببناء ثقافة وطنية تجعل الإنسان محور كل السياسات العمومية. فالطريق ليست مجرد فضاء للتنقل، بل فضاء للعيش المشترك، واحترامها هو احترام للحياة نفسها.
…. إن نجاح الجزائر في تقليص المجازر المرورية يتطلب الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة استباقية، قوامها التخطيط العلمي، والحوكمة الرشيدة، والشراكة بين مختلف الفاعلين، والاعتماد على البيانات والتكنولوجيا، مع ترسيخ قيم المواطنة والمسؤولية.
…. فالسلامة المرورية ليست مسؤولية شرطي المرور وحده، ولا وزارة بعينها، بل هي مشروع حضاري تشارك فيه الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمسجد، والجماعات المحلية، والقطاع الاقتصادي، والمجتمع المدني، وكل مواطن يدرك أن احترام الطريق هو احترام للحياة.



إرسال التعليق