التلوّث الذي لا نراه
رشيد مصباح (فوزي)
*
أهمُّ ما في الإنسان ليس عيناه اللتان يرى بهما العالم، ولا يداه اللتان يغيّر بهما الأشياء، وإنما ذلك العضو الصغير الذي وضعه الله في أعلى جسده، وجعله سيّد أعضائه جميعا: الدماغ. ففيه يولد الفكر، وتتشكّل المشاعر، وتُصنع القرارات، وبه ينهض الإنسان أو يسقط.
ولعلّ موضعه في أعلى الجسد ليس من قبيل المصادفة، فهو موضع القيادة والسيادة. وما أدنى إصابة تلحق به إلا وقد تُفقد الإنسان القدرة على الحركة والكلام، بل وربما أفقدته ذاته كلّها وهو ما يزال حيّا بين الناس. ولذلك كان قتل الحيّة بقطع رأسها، لأن الرأس هو مصدر الحياة فيها.
وأكثر ما يؤثّر في الإنسان أكثر هو ما يصيب نفسه وعقله. فكلمة واحدة قد تعيد إليه ثقته بنفسه، فينهض بعد سقوطه، ويتحدّى التعب والإعياء والظروف القاسية، وقد تكون كلمة أخرى سببا في انطفائه وانطوائه، فتتلاشى عزيمته، ويستبدّ به اليأس حتى يصبح غريبا عن نفسه وبين الناس.
والغريب أننا نبالغ في الحرص على أجسادنا، فنغسل أيدينا، و نحتاط لطعامنا وشرابنا، ونخشى التلوّث البيئي، ونفرّ من الفيروسات والأوبئة، لكننا لا نبدي الحذر نفسه تجاه عقولنا ونفوسنا، مع أنها الأخطر والأثمن.
إن التلوّث الماديّ يمكن رؤيته وقياسه وإخضاعه للتجارب المخبرية، أمّا التلوّث الفكري فقلّما يُرى بالعين المجرّدة. إنه يدخل إلينا متخفّيا في هيئة كلمة، أو فكرة، أو إشاعة، أو منشور في مواقع التواصل الاجتماعي، أو حديث عابر في مقهى، أو مجلس عزاء، أو وليمة، أو حتى في صورة إنسان يزرع اليأس في النفوس حيثما حلّ وارتحل.
إن بيننا من يحملون فيروسات فكرية أشدّ خطرا من كثير من الأمراض العضوية؛ منهم من لا يرى في الحياة إلا ظلامها، ومنهم من يُتقن صناعة الإحباط، ومنهم من ينشر الكراهية والتعصّب والخرافة كما تنشر الريح غبارها في يوم عاصف. فالتلوّث الفكري لا يُفسد فكرة واحدة فحسب، بل قد يُفسد الإنسان، ويُفرّق بين المجتمع الواحد، ويصنع أجيالًـا تعيش بعقول غير عقولها.
وقد ازدادت خطورته اليوم مع وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت الكلمة أسرع من الضوء، وصارت الإشاعة أقوى من الحقيقة، والكاذب والمفلس والمروّج للفساد… أكثر حضورا، حتى أصبح كثير من الناس يسلّمون عقولهم للآخرين، ويصدّقون كل ما يقال دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء السؤال أو التحقّق.
ولذلك فإن حماية العقل لا تقلّ أهمية عن حماية الجسد، بل لعلّها تفوقها أهمية. فكما نختار طعامنا بعناية، ينبغي أن نختار ما نُطعم به عقولنا من أفكار ومعلومات. وكما نتجنّب الأماكن الملوّثة، ينبغي أن نتجنّب أيضًا كلّ ما يلوّث وعينا ويُفسد بصيرتنا.
وإن التفكير النقدي هو جهاز المناعة الذي وهبه الله للعقل. به نميّز بين الأشياء؛ في زمن أصبح فيه التلوّث الفكري أكثر انتشارا من أيّ وقت مضى، ربما كما هو من حقّنا معرفة أين نضع أجسادنا، فكذلك من حقّنا أن نعرف بين أيّ الأيدي نضع عقولنا؟



إرسال التعليق