“من نڨرين إلى لڨرين”( آيت سي محمّد )

*

بقلم: رشيد مصباح (فوزي)

قبل سنوات، كتبتُ قصة قصيرة بعنوان ”من نڨرين إلى لڨرين“ استحضرتُ فيها جانبا من شخصية المجاهد الراحل محمد آيت سي، ذلك الرجل الذي ظلّ وفيّا لمبادئ الثورة متعاليا عن إغراءات المناصب والمكاسب. وقد توقّفتُ يومها عند عبارة قالها لي بنفسه، تختزل مسيرة حياة كاملة من الاعتزاز بالنفس والوفاء للجزائر.

واليوم، وأنا أطالع ما نشره الصحفي المحنّك سي معمر فارح تحت عنوان: ”أعيد نشر هذا البرهان الرائع لصديقي وأخي وابن مادورة، آيت سي محمد عبد العزيز، بخصوص هواري بومدين“، وجدتُ في تلك الشهادة ما يؤكد من جديد ما عرفته عن الرجل وما سمعته عنه. فالشهادات الصادقة لا تكتسب قيمتها من شهرة أصحابها فحسب، بل من نزاهتهم وصدقهم واستعدادهم للدفاع عن الحقيقة كما عاشوها، لا كما يريد الآخرون أن تُروى.

ومن هذا المنطلق، أُعيد التذكير بهذه القصة التي كتبتهُا عنه، لأنها تكشف جانبا من معدن الرجل الذي لم يكن يتحدث عن الثورة باعتبارها ذكرى بعيدة، بل باعتبارها منظومة قيم ظلّ يحملها معه أينما ذهب، وظلّ متمسّكا بها حتى آخر أيامه.

يرتبط عنوان هذه الحكاية بشخصية الراحل محمد آيت سي، أحد الرجال الذين عُرفوا بإخلاصهم العميق للجزائر وتفانيهم في خدمتها. فقد التحق، وهو في مقتبل العمر، بصفوف جيش التحرير الوطني، وتعرّض خلال الثورة لإصابة استدعت نقله إلى إحدى الدول الأوروبية الداعمة للكفاح الجزائري، حيث تلقى العلاج في أحد مستشفياتها.

سمعتُ عن الرجل الكثير قبل أن أراه. وكان أحمد بوقفة المدعو ”ساسا“ -رحمه الله – أحد رفاقه القدامى من المجاهدين قد عاتبني ذات مرة لأنني لم أُخبره بزيارة محمد آيت سي للبلدية. حاولت أن أوضّح له أنني لم أكن أعلم بوجود علاقة بينهما، لكنه أصرّ على أن أُعلمه فور حضوره في أي زيارة قادمة.

ورغم أنني لم ألتقِ بالرجل من قبل، فإن اسمه كان مألوفا لديّ، خاصة لما يُروى عن قربه من الرئيس الراحل هواري بومدين. وفي اليوم الذي زار فيه مقر البلدية، كان هدفه استكمال ملف شخصي. وما إن لمحَه عون الاستقبال حتى بدا عليه الارتباك؛ فقد كان الرجل ذا هيبة واضحة، طويل القامة، وقور الملامح، فهرع إليّ ليخبرني بأن شخصا غريبا ينتظر بالخارج.

خرجتُ بدافع الفضول لأرى من يكون. فكثيرا ما كان أعوان الإدارات في المناطق النائية يندهشون لرؤية أشخاص غرباء بهيئة رسمية أو مظهر مميز. لكن ما إن وقع بصري عليه حتى أدركتُ أنه الشخص ذاته الذي سمعتُ عنه مرارا، إذ كانت ملامحه تشبه إلى حد بعيد ملامح إخوته المعروفين في البلدة؛ أبناء العم عُمار: زوبير .. عبد العزيز.. وعزالدين.

دعوتُه إلى مكتبي، الذي كان في الحقيقة قاعة واسعة خصصتها لحفظ الكم الهائل من الملفات المتراكمة، شاهدة على ما عرفتُه البلاد من اضطراب إداري وسياسي خلال سنوات التسعينيات. شكرني الرجل بكل تواضع على حسن الاستقبال، ثم شرع مباشرة في عرض سبب زيارته.

غير أنني قاطعته قائلا:

— يا لها من فرصة طيّبة للقاء. لقد سمعنا أنك دُعيت لتولي منصب وزير المالية. هل صحيح أن رئيس الحكومة آنذاك، بلعيد عبد السلام، عرض عليك المنصب؟

ابتسم ابتسامة هادئة تحمل الكثير من الأسرار، ثم أجاب:

— في الحقيقة، الدعوة جاءتني من الرئيس الشاذلي بن جديد شخصيا، لكنّني اعتذرتُ عن قبولها.

ثم أردف بعبارة لا تزال عالقة في ذهني إلى اليوم:

“عمّك محمد يحب يمشي من نڨرين إلى لڨرين والرّاس مرفوع.”

كانت تلك الكلمات البسيطة أبلغ من أي خطاب. فنڨرين تقع في أقصى جنوب ولاية تبسة، على مسافة تقارب مئة وخمسين كيلومترا من المدينة، بينما تقع لڨرين في الجهة الشمالية الشرقية من البلدية، وهي منطقة شهدت إسقاط طائرة فرنسية خلال الثورة على يد أحد المجاهدين. وكلا الموقعين يرتبطان بخط موريس الشهير.

في تلك العبارة المكثّفة اختصر الرجل فلسفة حياة كاملة: الاعتزاز بالنفس، والوفاء للمبادئ، والتمسّك بإرث الثورة المجيدة. لقد كانت شهادة صادقة على ارتباطه العميق بماضيه النضالي، وإيمانه بأن الكرامة هي الثروة الحقيقية التي لا تُشترى بالمناصب ولا بالمكاسب.

إرسال التعليق