فخاخ الذاكرة ومقصلة التاريخ في رواية سيبندية للكاتب شوقي كريم

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

حين يغوص القلم في أطمار الذاكرة الجمعية المنسية، فإنه لا يكتب تاريخاً مسجلاً في الدفاتر الرسمية الباردة، بل ينبش بدم بارد في تراب المدن المنهكة وجراحها الغائرة. وفي تخوم روايته الصادرة عن دار الصحيفة العربية، يأخذنا الروائي العراقي الكبير شوقي كريم في رحلة شاقة ومظلمة عبر عوالم «سيبندية»، تلك التسمية التي تحيل مدلولاتها العميقة إلى قاع المدينة، وتهميش الإنسان، وانكسار الأحلام الكبرى على صخرة التحولات السياسية العنيفة.

الرواية منذ عتباتها الأولى لا تقرأ مرور الكرام، بل تضع المتلقي وجهاً لوجه أمام حقيقة أقسى من الخيال، مستحضرةً ظلال انقلاب الثامن من شباط 1963 وما تلاه من مآسٍ وكوارث، لتتحول بغداد وأزقتها المكلومة إلى مسرح كبير للعبث، والدم، وضياع اليقين.

·     تقويض اليقين التاريخي وتشكيل الوعي السردي

تتخذ الرواية من تقنية “الأبجديات” مداخل رئيسية لهندستها السردية (أبجدية اليتم، أبجدية الآثم، أبجدية القحط، وغيرها)، وكأن الكاتب يعيد تهجئة حروف الهجاء الأولى لوطن يولد من جديد في كل مرة من رحم الرماد والخراب. تتنازع خيوط السرد شخصيات مثقلة بالهزيمة والتوهم؛ فحبوبتنا التي تعيش على أمل أسطوري بعودة الزعيم المغدور عبد الكريم قاسم (“كرومي”) تجسد حالة التعلق الأعمى بالأوهام المؤسسة للخلاص الفردي والجماعي، في مقابل الأب الناصري الذي يرى في أحلام العروبة والفرعونية بديلاً وهمياً آخر يغرق البلاد في بحور الدم واللجاجة السياسية.

هذا الصراع الإيديولوجي والنفسي العنيف لا يقدم في قالب خطابي مقعر، بل يترشح بعفوية موجعة من تفاصيل الحياة اليومية في الأزقة البغدادية الفقيرة ومقاهي العبث. ينجح شوقي كريم في رسم عوالم شخصياته ببراعة مذهلة؛ فسلمان بن الحفافة (القميء) وعدنان السطل (الكركدن) يمثلان الجانب المعتم والقبيح لتحولات السلطة، حيث تتزاوج البلطجة السياسية مع الانحطاط الأخلاقي في قاع المدينة. في المقابل، تقف شخصيات مثل الدكتورة نادية حسان ووالدها حسان قادر كمثال للوعي المعذب والمثقف المأزوم الذي يحاول النجاة بفضيلته وسط طوفان الهمجية والعنف المبرر شعاراتياً.

·     البهتان البصري ولغة الواقعية السحرية المظلمة

تتميز لغة الرواية بنبرة شكسبيرية ساخرة وعبثية، تتداخل فيها الفجيعة بالمهزلة (تذكرنا بمقولة شكسبير في لير: “عندما يحل في البلاد شغب وفوضى.. يصبح السير فيه على الأقدام جريمة”. تتخذ البشاعة الإنسانية أشكالاً متعددة ومفجعة عبر السرد، حيث يتساوى الضحيّة والجلاد أحياناً في العبثية المطلقة للمصير العراقي. إن توظيف الكاتب للموروث الشعبي العراقي، والأغاني البغدادية القديمة (مثل أسطوانات يوسف عمر وجلچل عليه الرمان)، وخثارة مقاهي العبث و”حانات بلقيس”، يمنح النص عمقاً محلياً نابضاً بالحياة، لكنه محكوم بلعنة أبدية من التكرار والفشل التاريخي.

المرأة في “سيبندية” ليست كائناً هامشياً يتكئ عليه النص، بل هي محور الفجيعة ومستودع الذاكرة الباقي؛ فالأم وعلياء ربيع والحبوبة يمثلن تجليات مختلفة للمقاومة بالصبر، أو بالرفض الصامت، أو بالتشبث بأهداب الأمل المستحيل. غير أن هذا الأمل يظل محكوماً بمقصلة الواقع المر؛ فصندوق العجائب الذي تتركه الحبوبة لا يحتوي على ذهب أو كنوز مادية، بل على أسرار خيبة جيل بأكمله وثق بأن الأقدار يمكن أن تعيد التاريخ إلى الوراء.

·     جماليات التأسيس والذاكرة: عتبات الضياء

تميزت رواية “سيبندية” بنقاط مضيئة فريدة منحتها فرادة استثنائية عن السرديات العراقية السابقة، لعل أبرزها هندستها السردية المبتكرة المعتمدة على تقنية “الأبجديات” التي كسرت الخطابية التقليدية للزمن الروائي. كما تألقت الرواية في تشريح الذاكرة الجمعية بجرأة نادرة، متجاوزة السرد التاريخي البارد إلى ملامسة قاع المدينة وشخصياتها الهامشية بعمق إنساني وساخر.

إضافة إلى ذلك، برزت لغتها البليغة المفعمة بالشاعرية والعبثية، والتي نجحت في المزج بين الفانتازيا المظلمة والواقعية السحرية، مصورة مأساة الإنسان العراقي وسط التحولات السياسية العنيفة. وقد توج هذا التميز بقدرة الكاتب على جعل المرأة محوراً أساسياً للمقاومة والذاكرة، مما جعل العمل ملحمة سوداء خالصة تخلد أوجاع المقهورين بلغة وتكنيك سردي غير مسبوقين.

·     رؤية المستقبل في مرآة “سيبندية“

برؤية نقدية فاحصة، لا تنظر رواية “سيبندية” للشوقي كريم حسن إلى المستقبل باعتباره فضاءً لليقين أو الخلاص الموعود، بل ترسمه كامتداد حتمي لدائرة العبث والفجيعة التاريخية. فالمستقبل في عوالم الرواية ليس سوى مرآة داكنة لماضٍ مثقل بالانقلابات والخذلان، حيث تظل شخصيات القاع والهامش رهينة لأقدارها المعلقة على حافة الانهيار.

لا تقدم الرواية نبوءات وردية أو نهايات رومانسية، بل تحذر بوعي ساخر من أن تكرار الخيبات وتوارث الأوهام سيقودان الوطن حتماً إلى اجترار مآسيه ما لم يتم كسر حلقة الاستبداد والتوهم.

هكذا يبدو الغد في النص أفقاً مفتوحاً على المجهول، يطرح سؤالاً وجودياً موجعاً حول مصير إنسان أنهكته محارق الكبار، ليبقى الأمل مجرد بصيص شاحب وسط عتمة تاريخ لا يبرأ من جراحه.

·     فخاخ الاستطراد ومتاهة الزمن الروائي

على الرغم من البناء السردي المحكم واللغة البليغة التي تميزت بها رواية “سيبندية”، إلا أن العمل لم يخلو من بعض السلبيات الفنية والموضوعية. لعل أبرز هذه السلبيات تكمن في الاستطراد المفرط وتكرار المشاهد ذات الطابع العبثي واليومي في حانات بغداد ومهاترات شخصيات القاع (كالقُميء والكركدن)، مما أدى في بعض الأجزاء إلى إبطاء إيقاع السرد وخلق شعور بالرتابة والملل لدى القارئ.

كما أن تعدد المداخل والأبجديات وتقطيع الزمن الروائي بين الواقع المعيش والرؤى الكابوسية والفانتازيا المظلمة جعل تتبع الخط الدرامي للحبكة أمراً شاقاً يتطلب جهداً إضافياً لربط الخيوط ببعضها.

إضافة إلى ذلك، اتسمت بعض الحوارات الداخلية والخارجية بطابع تقريري خطابي يحمل هموم الكاتب النقدية والسياسية بشكل مباشر، مما أثر أحياناً على العفوية الفنية للشخصيات وأوقع النص في فخ المباشرة الفكرية بعيداً عن التشويق الروائي البحت.

·     خاتمة

في خاتمة المطاف، لا تقدم رواية “سيبندية” إجابات جاهزة أو خلاصات رومانسية مجانية، بل تترك القارئ معلقاً على حافة السؤال الأبدي عن معنى الحرية والعدالة في بلاد أنهكتها الانقلابات والحروب المستمرة.

لقد استطاع شوقي كريم, ببراعة الناقد العارف وبصيرة الأديب الممرس، أن يفكك “أبجديات” السقطة الكبرى في التاريخ العراقي المعاصر، محولاً الدمار إلى ملحمة روائية سوداء تستحق الوقوف عندها طويلاً. إنها رواية تدين الوهم، وتعرّي القبح، وتنتصر للإنسان العادي الذي يجد نفسه دائماً وقوداً في محارق الكبار، لتبقى “سيبندية” علامة فارقة في السرد العراقي الحديث الذي يكتب تاريخ المقهورين لا تاريخ المنتصرين.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك