أم قتلها الشروق لرؤية أبنائها

في بعض الأحيان، تكون عاطفة الأمومة أقوى من كل المخاوف، وأشد صلابة من قسوة الظروف، وأعمق بكثير من منطق الحياة والموت. وفي بلدة بئر العرش شرق مدينة العلمة، كتبت الشابة الراحلة فصلاً موجعاً من أساطير الحنين الإنساني؛ قصة أم لم تطلب من الدنيا سوى نظرة تطمئن بها روحها التعبة على أبنائها، فكان الثمن عمرها الذي انطفأ على عتبات اللقاء المستحيل.

أشواق عابرة للحقول والظلام

بدأت تفاصيل المأساة ليلة أول أمس، حين أنهكت الشابة ذات الحادي والثلاثين ربيعاً لوعة الفراق. مطلقة، وأم لثلاثة أطفال غير حاضنة لابناءها ، بينما تكالبت عليها مرارة البعد وحرقة الشوق. ولأن القلوب العطشى للأمومة لا تعرف المستحيل، ولما بلغها أن فلذات كبعدها يقطنون في قرية “الحاسي” بالجهة المقابلة مع أبيهم، تحركت نداءات الداخل في صدرها مدفوعة بشوق جاوز كل الحدود.

بعد صلاة المغرب، وفي تلك اللحظة التي تتواري فيها الأنظار، خرجت من منزل والدها بقرية “أولاد زعيم”. ولم تكن رحلتها عادية؛ فقد تنكرت في زي رجل لتتخفى عن الأعين، وقطعت مسافة ستة كاملة من المشي المضني على الأقدام، متجاوزة جنح الظلام، وقسوة الحقول الزراعية، ومسالك الغابة الموحشة، متحدية كل المخاطر والكلاب الضالة وبرد الليل. لم تكن تحمل في جعبتها سلاحاً سوى أمل عارم في رؤية أبنائها واحتضانهم ولو من بعيد، لتروي ظمأ روحها الحزينة.

لكن دروب الحياة لا تتبع دائماً نبض القلوب الحالمة. وعلى بعد خطوات معدودة وقليلة من القرية التي تستوطن فيها أرواح أطفالها، كانت الأقدار ترسم طريقاً آخر وموجعاً. فبينما كانت تقطع الطريق الوطني رقم 05 بمنطقة “الحاسي”، فاجأتها مركبة عابرة لتتعرض لحادث دهس مروع تركها صريعة على الإسفلت، وسط ذهول الطريق.

فور إخطار مصالح الحماية المدنية والدرك الوطني لدائرة بئر العرش، هبَّت الفرق المعنية إلى مكان الحادث. جرى إجلاء الضحية على الفور إلى العيادة متعددة الخدمات، ونظراً لخطورة إصاباتها البالغة، تم تحويلها إلى مستشفى “صروب خثير” بالعلمة. وهناك، وبعد ساعة واحدة فقط من صراعها مع الموت، أسلمت الروح بارئها، لترحل الأم وفي قلبها ذات الشوق الذي لم يكتمل.

تركت هذه الفاجعة آلاماً عميقة وحزناً شديداً نَحَتَ في نفوس كل من سمع بالواقعة المؤلمة. لم تكن مجرد حادثة مرور عادية تسجل في السجلات، بل كانت ملحمة إنسانية حزينة لأم فضلت أن تمشي في الظلمات وتحارب كل صعاب الأرض لتصل إلى أطفالها، فخطفها الموت على بعد خطوات من الحلم.

رحم الله الفقيدة، وألهم أهلها ودموع أطفالها الصبر والسلوان، وأثبت أن أقدس العواطف على وجه الأرض هي تلك التي تدفع أماً لأن تموت وهي تبحث عن طريق إلى قلب أولادها.

النوري لعمري

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك