متى تقع الحرب العالمية الثانية بين الجن والبشر .. ماذا عن الحرب العالمية الأولى ؟

الدكتور علي بوجابر

في أدبيات التاريخ العسكري الكلاسيكي، تُعرف “الحرب العالمية الثانية” بكونها الصدمة الكبرى التي أعادت رسم خرائط الجغرافيا السياسية والديموغرافية للبشرية في منتصف القرن العشرين. غير أن الغوص في طبقات التراث الإسلامي القديم، والروايات الإسّرائيليّة، وكتب الأنساب والقصص التراثيّة، يفتح الباب أمام قراءة موازية ومجازية لعنوان يحمل طابعاً ملحمياً فائقاً: الحرب العالمية الثانية بين الجن والبشر.

فإذا كانت “الحرب الأولى” بين الجانبين—وفق الروايات التراثية المرتبطة بالملك مهلائيل بن قينان وقائد الشياطين “شوفلس”—قد اتخذت طابع المواجهة التأسيسية المباشرة والصدام المادي الأول على تخوم بابل والسوس، فإن استنساخ هذا الصراع في المخيال الشعبي لاحقاً، وتناوله بصيغة “الحرب الثانية”، يطرح تساؤلات عميقة حول الكيفية التي استوطنت بها أسطورة صراع العوالم عقول الرواة والمؤرخين القدامى، وكيف انعكست هذه الثنائية (الإنسان والجان) على تفسير الأحداث الكبرى في الوعي الجمعي.

أولاً: جذور الصراع وتناسل الأساطير (من الحرب الأولى إلى امتداداتها الكبرى)

تفيد أدبيات التاريخ التراثي (التي نقلها الطبري وابن كثير وغيرهما دون أن ترتقي إلى مرتبة الأحاديث النبوية الصحيحة) بأن الأرض لم تكن حكراً على بني آدم منذ البداية، بل سبقتها أجناس من الجان ممن أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، مما اقتضى تدخلاً إلهياً عبر الملائكة لطردهم إلى الجبال والبحار.

وحين ظهر الملك الصالح مهلائيل بن قينان (أحد أجداد نبي الله نوح، والموصوف بأنه أول من نظم الجيوش وبنى الحصون)، واجه تمرداً شرساً قاده مردة الجن تحت إمرة “شوفلس”؛ وهو ما شكّل النواة الأولى لما يمكن اعتباره “الحرب العالمية الأولى” بين الإنس والجان، حيث تجسدت الشياطين مادياً لتخريب الحقول وإرهاب القبائل، قبل أن ينجح مهلائيل في قهرهم ودفعهم نحو الكهوف والمغارات، متحولاً إبليس بعدها من المواجهة العسكرية السافرة إلى حرب الوسوسة الناعمة.

لكن المخيال الشعبي لم يتوقف عند تلك المحطة، بل أخذ ينسج عبر القرون تداعيات واستمراريات لما أسماه الرواة لاحقاً بـ “الحرب الثانية”؛ وهي مرحلة افتراضية زعم فيها القصاصون أن الجن لم يستسلموا نهائياً، بل أعادوا تنظيم صفوفهم في عصور لاحقة لمضايقة الممالك البشرية الأولى، مستخدمين استراتيجيات غير تقليدية، كالتحكم في الظواهر الطبيعية، وتسليط الأوهام، وتأليب الملوك الظالمين على الشعوب.

ثانياً: التحليل الأنثروبولوجي والعقدي لروايات “حروب العوالم”

لماذا نحت العقل البشري القديم هذه الصورة الملحمية لصراع عسكري جارف بين الإنس والجان؟

  1. تفسير المجهول والكوارث الطبيعية: في العصور القديمة، كانت الأوبئة الفجائية، والزلازل المدمرة، وتلف المحاصيل الزراعية بلا سبب ظاهر، تُفسر غالباً بتدخلات قوى خفية أو “جن غاضب”. ومن هنا، جاءت الحاجة إلى اختراع قادة بشريين عظماء (مثل مهلائيل) وقادة شياطين (مثل شوفلس) لإعطاء الصراع طابعاً درامياً ومنطقياً يفسر به الإنسان صراعه الدائم مع بيئته القاسية.
  2. الأسطورة في خدمة الاستقرار العمراني: إن ربط بناء المدن الكبرى كـ “بابل” و”السوس” بانتصارات عسكرية على قوى الجن، كان يهدف في جوهره إلى إضفاء هالة مقدسة وملحمية على إنجازات الملوك الأوائل، ليظهر الحاكم البشري وكأنه ليس مجرد سياسي، بل بطل أسطوري روّض الطبيعة وعوالم الغيب ليؤسس الحضارة.
  3. الميزان العقدي الصحيح: على الصعيد العلمي والديني الصارم، يتفق علماء الإسلام على أن الجن مخلوقات حقيقية خُلقت من نار، وفيهم المؤمن والكافر، كما ورد في القرآن الكريم، غير أن تفاصيل الحروب المادية المنسوبة إلى مهلائيل وشوفلس تظل في مجملها إسرائيليات وروايات تراثية تضخمت عبر الزمن، ولا توجد عليها أسانيد صحيحة أو براهين قطعية. فالقرآن حسم طبيعة العلاقة بأن كيد الشيطان كان ضعيفاً، وأن المعركة الحقيقية هي معركة إيمان وابتلاء لا حرب سيوف ومجابهات مسلحة في ساحات الوغى.

ثالثاً: صدى الصراع في التاريخ الحديث.. حين تتحول الأسطورة إلى استعارة كبرى

المثير للفضول الاستراتيجي أن مفهوم “حرب البشر والجن” أُعيد توظيفه في الفترات اللاحقة كاستعارة أدبية وفلسفية للتعبير عن الصراعات الكبرى المعقدة التي تعجز العقول عن تفسيرها. ففي أوقات الحروب المدمرة، كالحروب العالمية الحديثة، كان الإنسان يشعر وكأن قوى خفية، غير منظور، وشريرة تدير آلة الدمار من خلف الستار، تماماً كما كان يتخيل الشياطين والمردة وهم يعبثون بمصير الأرض.

ختاماً

ظلّت حكايات “الحرب بين الجن والبشر”—بشقيها الأول وما تلاه من روايات متفرعة—واحدة من أكثر الذخائر التراثية إثارة للفضول في كتب التاريخ القديم. ورغم أنها تقف في منطقة رائدة بين الأسطورة والخيال التاريخي والرمز الديني، إلا أنها تظل مرآة عاكسة لهاجس الإنسان الأبدي: هواجسه من الخفاء، ورغبته الجامحة في إثبات تفوقه على قوى الطبيعة والغيب، وبناء عوالم مزدهرة رغم أنف الأساطير والظلال!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك