مذكرات ضابط شرطة في الريف…عاصفة الوداع وراية الاستقلال

جميل مرتضى

الحلقة التاسعة: عاصفة الوداع

حلّت نهايات شتاء عام 1944 متثاقلة، كأنما تطوي معها عهداً كاملاً من القهر والخوف. كانت الأيام في “عين التوت” قد أخذت تعود إلى مجراها الطبيعي؛ المزارعون يخرجون إلى حقولهم مع أوائل الربيع، والدكاكين الصغيرة تسودها الثقة، والمخفر الحجري الذي شَهِد المعارك والتحديات رمم أهالي الضيعة سقفه بأيديهم، محبةً ووفاءً للعهد.

في صباح يومٍ مشمس تتضوع فيه رائحة الزهر والتراب الندِيّ، وردتني برقيةٌ رسمية مختومة بالجمع المذهب من القيادة العامة للشرطة في بيروت. فتحتها ببطء؛ كان القرار يقضي بإنهاء مهمتي في جبال الضنية ونقلي وترقيتي إلى ملازم أول في المديرية العامة للعاصمة، تمهيداً لتسلم قيادة إحدى الفصائل الجديدة مع جلاء آخر القوات الأجنبية عن البلاد.

نظرتُ من النافذة إلى قمم الجبال التي طالما خشيتها في البداية، فشعرتُ بغصةٍ غريبة في صدري. هذه البيوت الحجرية الصامتة، التي دخلتها غريباً يحمل مسدساً ودفتراً بكراً، أصبحت جزءاً من روحي؛ ههنا تعلمتُ أن القانون ليس مجرد نصوص في المجلدات، بل هو ضميرُ رجلٍ يُصيب أو يُخطئ، وشجاعة أمة ترفض الظلم.

جمعتُ أوراقي ودواتي، وحزمتُ حقيبتي الجلدية العتيقة التي باتت أثقل بما تحويه من دفاتر ومذكرات.

خرجتُ إلى ساحة المخفر، فوجدتُ الضيعة بأكملها قد احتشدت!

كان المختار “أبو أسعد” يقف في المقدمة، بجانبه “خليل” الذي أضحى دركياً متطوعاً يرتدي البزة العسكرية بكل فخر، والدركي “حليم” يمسح دمعه بطرف كمه. حُملت طاولات القهوة المرة، وارتفعت أهازيج أهالي الجبل يودعون “ضابط العدالة”.

تقدم المختار، ووضع بين يديّ علبة خشبية مصنوعة من شجر الأرز المحفور يدوياً، وقال بصوتٍ تهزه العاطفة:

— “يا ابني يا توفيق.. جئتنا ورتبتك على كتفك، وستغادرنا ورتبتك في قلوبنا. هذه العلبة فيها ترابٌ من ‘عين التوت’ وشجرها.. أينما ذهبت في هذا الوطن، تذكر أن لك هنا أهلاً وأخوة حمت معهم الحق.”

احتضنتُ المختار والجميع، وسلمتُ مفاتيح المخفر لخليل وحليم، موصياً إياهما ألا تغمض لهما عينٌ عن أمن الناس وعدلهم.

صعدتُ الحافلة المتجهة نحو طرابلس ومنها إلى بيروت. وفيما كانت السيارة تهبط الوديان الملتوية وتترك “عين التوت” ورائي تحتضن الضباب الأبيض، أخرجتُ دفتري الأخير، وكتبتُ السطر الختامي في هذه المذكرات:

“أغلقُ دفتري اليوم في ‘عين التوت’، لأفتح صفحة جديدة في تاريخ وطنٍ يستعد ليرفع رايته حرةً تحت الشمس. أخرجُ من الريف وأنا أحمل يقيناً لا يزول: إن الأوطان لا تُبنى بالوعود والخطابات، بل بدموع المظلومين حين تُنصف، وبرجالٍ يختارون الأمانة عندما يسهل البيع.”

وضعتُ القلم، وأغلقتُ الدفتر، ونظرتُ نحو الأفق.. حيث كانت بيروت تنتظر الفجر الجديد.

(تمت السلسلة)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك