شهادة حق وسط رماد الخراب: وجع سوريا بين الثورة وخطايا المؤامرة الكبرى
الكاتب: مجدي عمران
حين يتأمل المرء مآلات الدول وسقوط الأوطان في فخاخ الحروب الوهمية، يدرك حجم الجريمة التي ارتكبت بحق شعوب بأكملها تحت شعارات زائفة رُفعت باسم “الحرية والتغيير”. وفي خضم المشهد السوري المعقد وما يعج به من تحولات دراماتيكية، جاءت التصريحات النارية والصريحة للوزير اللبناني السابق وئام وهاب لتضع النقاط على الحروف، عارية من مساحيق التجميل الدبلوماسية، لتفضح زيف الادعاءات التي سوّقت لدمار سورية.
تساؤلات وهاب المدوية لم تكن مجرد نقد سياسي عابر، بل كانت صرخة مدوية في وجه ضمير العالم وفي وجه كل من تورط في خراب هذا البلد: “شو كان ناقصو المواطن السوري؟”.
أولاً: عندما كان المواطن السوري يعيش “ببلاش” في كنف الدولة الرعائية
لكي ندرك فداحة الخسارة اليوم، علينا أن نتذكر كيف كانت تعيش العائلة السورية قبل مؤامرة “الربيع المزعوم” في عام 2011. لم تكن سوريا دولة غنية بالنفط والرفاهية المطلقة، لكنها كانت تمتلك منظومة اجتماعية صلبة وعادلة تكفل للمواطن أبسط حقوقه الأساسية بكرامة تامة:
- مجانية التعليم والصحة: يروي الوزير وئام وهاب شاهد عيان على مجتمع أنتج معجزات علمية، مشيراً إلى عائلة كاملة في محافظة السويداء تخرج منها 52 طبيباً دون أن يدفع أي منهم “فرنكاً واحداً” لجامعة أو مستشفى حكومي. التعليم كان متاحاً للجميع من الابتدائية حتى التخرج، والطبابة كانت حقاً مكفولاً لا سلعة تُشترى وتُباع.
- الأمن المعيشي المدعوم: الخبز والدواء والخدمات الأساسية كانت مدعومة بشكل جذري من الدولة، لدرجة أن المواطن السوري البسيط كان يعيش باستقرار معيشي واجتماعي يغبطه عليه الكثير من أبناء الدول المحيطة.
فجأة، وبدلاً من إصلاح عيوب النظام أو تطويره، جرى تدمير كل هذه البنى التحتية والمؤسسات الاجتماعية تحت براثن آلة الحرب والخراب.
ثانياً: مفارقات الثورة الساخرة.. من دمر سوريا ليطمح بالعودة لـ 2011؟
ومن أكثر المشاهد سخرية وألماَ تلك التصريحات الأخيرة التي يطلقها زعيم الفصائل المسلحة أبو محمد الجولاني اليوم، متبجحاً بالقول إن طموحه هو إعادة سوريا إلى ما كانت عليه في عام 2010!
هنا يقف العقل البشري مذهولاً أمام هذا التناقض الصارخ والوقاحة السياسية:
- جريمة التدمير المسبق: إذا كانت سوريا 2010 — بكل ما فيها من ازدهار، وأمن، واستقرار، وتعليم مجاني — هي الغاية والحلم الذي تطمحون إليه اليوم، فلماذا حملتم السلاح إذن؟ ولمن قبضتم الأموال من قطر وتركيا؟ ولماذا دمرتم المؤسسات وقتلتم النسيج الاجتماعي السوري؟
- خداع الشعارات: إن هذا الاعتراف الضمني من جانب أدوات المشروع التخريبي يكشف بوضوح أن الحرب على سوريا لم تكن سوى مؤامرة إقليمية ودولية مدروسة لهدم الدولة الوطنية وتفكيك مؤسساتها، وليس لتحقيق أي إصلاح مزعوم.
ثالثاً: نبوءة وهاب.. ندم إقليمي قادم لا محالة
ولم يقف تحليل وئام وهاب عند حدود المشهد الداخلي، بل تعداه ليطلق تحذيراً استراتيجياً عميقاً لكل الدول التي مولت ودعمت وسهلت سقوط الدولة السورية:
- سقوط سوريا ليس نصراً لأحد: يؤكد وهاب أن العرب والاتراك سيندمون على سقوط سوريا أكثر من إيران ألف مرة. فسوريا كانت تُمثل صمام الأمان الإقليمي والدرع الحامي لتوازنات الشرق الأوسط.
- فوضى المنطقة: إن غياب الدولة السورية القوية لا يعني استقرار الجيران، بل فتح الباب على مصراعيه أمام فوضى عارمة، وإرهاب عابر للحدود، وتقسيمات جغرافية وطائفية ستطال نارها القاصي والداني في تركيا والخليج وباقي العواصم العربية التي تصورت عبثاً أن إسقاط دمشق سيحقق لها مكاسب استراتيجية.
خاتمة: الحنين إلى وطن كان للجميع
إن كلمات وئام وهاب تنبش في وجع الذاكرة السورية، وتذكر العالم بأن ما حدث لم يكن “ثورة شعبية” بل كان هدمًا ممنهجًا لبيت كان يضم الجميع بالدفء والكرامة المجانية. وحين يتنطح اليوم مهندسو الخراب للحديث عن العودة لعام 2010، فإنهم يقرون بأنهم لم يقدموا للسوريين سوى الخراب المطبق، وأن التاريخ لن يرحم كل من ساهم في جريمة إسقاط سوريا وإحراق مقدراتها.



إرسال التعليق