الهدوء القاتل: مايكل أوليسي وحين تُقاس العظمة بالبرود!
أكرم بشري
“اللاعب الذي لا يتسرع.. اللاعب الذي لا يتوتر..”
لم يكن هذا المقطع مجرد جملة تسويقية جادت بها قريحة القائمين على حساب بايرن ميونخ الرسمي؛ بل كان تشخيصاً جراحياً دقيقاً لظاهرة كروية فريدة تُدعى مايكل أوليسي. في عصرٍ أصبحت فيه كرة القدم تُدار بالركض الهستيري، والأنفاس المتصاعدة، والضغط العالي الذي يربك أعتى نجوم العالم، يقف هذا الشاب الفرنسي وسط الصخب بكامل بروده، وكأنه يخوض مباراة ودية في حديقة منزله الخلفية!
كل فرصة يحصل عليها أمام الإعلام الدولي، أو في أعتى الملاعب الأوروبية، يثبت فيها مايكل أوليسي أنه ليس لاعباً عادياً بالمرة.
إن الميزة الكبرى التي تفصل اللاعب الموهوب عن “اللاعب الاستثنائي” ليست القوة البدنية ولا السرعة النفاثة فحسب، بل ما يُعرف في الأدبيات الرياضية بـ “إدراك المساحة والزمن” (Space-Time Awareness). أوليسي لا يركض لكي يلحق بالكرة، بل يطوع الكرة لكي تنتظر فكرته. في اللحظة التي تتسارع فيها دقات قلب المدافعين ويغشاهم التوتر، تجده يتباطأ عمداً، يخفض الإيقاع، ويقرأ الملعب بنظرة مسحية خاطفة تجعله يرى زوايا التمرير التي لا تراها إلا الكاميرات التلفزيونية المثبتة في أعلى المدارجات!
تأملوا طريقة تعامله مع الضغط؛ تجده محاطاً بثلاثة مدافعين في المساحات الضيقة، وبدلاً من التشتيت العشوائي أو التمرير الخائف للخلف، يثبت قدمه، يغير اتجاه جسده بلمسة ناعمة، ثم يمرر تمريرة سحرية تضرب خطوط الخصم كاملة. هذا “البرود العصبي” ليس مجرد قلة انفعال، بل هو أعلى درجات الثقة بالنفس والتمكن الفني.
وحتى خارج المستطيل الأخضر، وأمام صخب الإعلام وميكروفونات الصحفيين التي أربكت أساطير قبله، يطل أوليسي بتلك الشخصية الرزينة، الإجابات المقتضبة الفذة، والهدوء الواثق. لا يلهث خلف الإشادات، ولا تستفزه الأسئلة المفخخة؛ إنه يعلم جيداً أن قيمته الحقيقية تُكتب بقدمه اليسرى على العشب، لا بالكلمات الرنانة أمام الشاشات.
إن بايرن ميونخ لم يتعاقد مجرد مع جناح سريع يجيد العرضيات، بل استثمر في “عقلية برودة الدم”. مايكل أوليسي يقدم للمقاعد التدريبية ولعشاق الساحرة المستديرة درساً كروياً مكثفاً: في كرة القدم الحديثة، ليس الأسرع هو من يكسب دائماً.. بل من يملك القدرة على إيقاف الزمن للثانية التي يقرر فيها كيف يقتل الخصم!
أكرم بشري



إرسال التعليق