اغتصاب وقتل فتاة و تحقيق أمني طويل
عاصي مهدي
ليلة المطر في ضواحي ليون: لغز “ليا” والعدالة الصامتة
في شتاء عام 2014، اهتزت إحدى الضواحي الهادئة القريبة من مدينة ليون الفرنسية على وقع جريمة مأساوية. تم العثور على جثة الفتاة “ليا بن عودة” البالغة من العمر 22 عاماً، وهي طالبة جامعية من أصول جزائرية، ملقاة في حديقة مهجورة خلف محطة القطارات الفرعية، بعد أن تعرضت للاغتصاب والقتل خنقاً في ليلة ممطرة وعاصفة.
كانت ليا معروفة في حيها بطيبتها وتفوقها الدراسي، وشكّل رحيلها صدمة كبيرة للجالية العربية والمجتمع المحلي، مما جعل القضية تحت مجهر الرأي العام ومتابعة حثيثة من السلطات الأمنية لإلقاء القبض على الجاني.
العائق الأول: غسيل المطر للأدلة
تولى المحقق الخبير “أوليفير ديبون” قيادة فريق البحث الجنائي. كانت المعضلة الأولى التي واجهت الفريق هي أن الأمطار الغزيرة التي هطلت ليلة الجريمة قد جرفت معظم الأدلة السطحية والآثار التقليدية من مسرح الجريمة المفتوح.
لم يترك الجاني وراءه أي أسلحة، ولم تكن هناك شهود عيان بسبب تأخر الوقت والعاصفة. لكن المحقق ديبون كان يؤمن بأن “الجريمة الكاملة لا وجود لها”، وأن القاتل حتماً ترك أثراً غير مرئي.
خيوط الأمل: التتبع الرقمي والبيولوجي
بدأ المحققون العمل على مسارين متوازيين: الرقمي والبيولوجي.
- التشريح الجنائي والـ DNA: خلال فحص الجثة في معهد الطب الشرعي، تمكن الأطباء من استخراج عينات بيولوجية دقيقة للغاية من تحت أظافر الضحية، مما أكد أنها قاومت المعتدي بشراسة قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. تم رفع الحمض النووي (DNA) للفاعل، لكن بمطابقته مع قاعدة البيانات الوطنية للمجرمين في فرنسا، لم تظهر أي نتائج، مما يعني أن الجاني ليس لديه سوابق عدلية.
- الكاميرات والبيانات الخلوية: قام الفريق بتفريغ تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بمحطة القطار والشوارع المؤدية إلى الحديقة. رصدت إحدى الكاميرات البعيدة طيف شخص يرتدي معطفاً داكناً يلاحق الضحية، لكن ملامحه كانت غير واضحة تماماً بسبب الظلام والمطر. بالتزامن مع ذلك، استصدر المحققون أمراً قضائياً لشركات الاتصالات للحصول على بيانات الهواتف التي نشطت في محيط البرج اللاسلكي للحديقة في تلك الساعة المحددة.
نقطة التحول: تطابق افتراضي
بعد أيام من الفرز والتحليل لآلاف الأرقام الهواتف، لفت انتباه المحققين هاتف خلوي تحرك بمسار غريب؛ حيث دخل منطقة الحديقة في نفس وقت دخول الضحية، وأُغلق فجأة لمدة 40 دقيقة (وقت وقوع الجريمة)، ثم أُعيد تشغيله وتحرك مبتعداً بسرعة نحو وسط المدينة.
بموجب بيانات الشريحة، تبين أن الهاتف يعود لشاب فرنسي يدعى “لوكا ديبوا”، يبلغ من العمر 26 عاماً، ويعمل فني مختبر في شركة خاصة، ويقطن في نفس المنطقة.
الفخ واستدراج الجاني
لم يكن الدوران حول برج الاتصالات دليلاً كافياً لإدانة “لوكا” أمام القضاء، خاصة مع غياب سوابقه. قرر المحقق ديبون استخدام تكتيك ذكي؛ تم استدعاء لوكا إلى مخفر الشرطة بصفته “شاهداً محتملاً” كان متواجداً في المنطقة ليلة الحديقة، وليس كمتهم.
أثناء التحقيق الروتيني، لاحظ المحقق وجود خدوش صغيرة وحديثة على معصم ورقبة لوكا، حاول إخفاءها بياقة قميصه. تظاهر المحقق بأن الأمر طبيعي، وقدم له كوباً من الماء لتهدئته. بعد مغادرة لوكا، تحفظ فريق الأدلة الجنائية فوراً على الكوب الزجاجي لاستخراج اللعاب ومطابقته بالحمض النووي المأخوذ من تحت أظافر الضحية.
الحقيقة المدوية والعدالة
جاءت نتائج المختبر الجنائي بعد 24 ساعة لتضع الكلمة الفصل: تطابق بنسبة 100% بين الحمض النووي للوكا والأدلة البيولوجية المأخوذة من جثة ليا.
داهمت قوات النخبة منزل المتهم، وبتفتيش شقته عُثر على المعطف الداكن الذي ظهر في الكاميرات، وحذاء طيني يحتوي على ذرات تربة تطابق تماماً جيولوجيا أرضية الحديقة المهجورة، بالإضافة إلى هاتف الضحية المخبأ خلف خزانة ملابسه.
أمام مجابهته بالأدلة الدامغة والـ DNA، انهار “لوكا ديبوا” واعترف تفصيلياً بجريمته، مؤكداً أنه رصد الفتاة وقام بتتبعها واعتراض طريقها تحت تهديد السلاح قبل أن ينفذ جريمته النكراء وينهي حياتها خشية الفضيحة. أُحيل الجاني إلى محكمة الجنايات في ليون، لينال حكماً بالسجن المؤبد، مغلقاً بذلك واحدة من أعقد القضايا التي أثبتت أن كفاءة التحقيق الجنائي قادرة على الانتصار للضحايا مهما حاول الجناة التخفي.



إرسال التعليق