هواءُ غزة المستباح: شهادات عن غازات كيميائية وكريهة تُستهدف بها خيام النازحين بالتزامن مع “خطاب الأخلاق” في الأمم المتحدة

راغب لقمان

في الوقت الذي كانت تتجه فيه أنظار العالم وكاميرات وسائل الإعلام الدولية نحو منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، للاستماع إلى الخطابات السياسية الرسمية، كان أهالي قطاع غزة يواجهون في خيامهم كابوساً جديداً أشد بشاعة، يُجرّدهم حتى من الحق البديهي في تنشّق هواء نقي.

وبحسب شهادات ميدانية ونشطاء من داخل القطاع المحاصر، شهدت أجواء غزة حادثة غريبة وغير مسبوقة؛ حيث ألقت طائرات جيش الاحتلال الإسرائيلي براميل وحاويات سقطت بين منازل المواطنين وخيام النازحين. ظنّ الأهالي للوهلة الأولى أنها قنابل متفجرة جديدة، قبل أن ينكشف بعد نحو نصف ساعة نمطٌ آخر من المعاناة.

سحب فقاعية ورائحة خانقة: كتم أنفاس الأطفال

تُفيد الشهادات الواردة من الميدان بأن الحاويات الملقاة انفتحت بعد دقائق، لتبث مادة فقاعية متحللة ينبعث منها سائل قذر ذو رائحة نفاذة وأشد بشاعة مما يمكن تصوره. وخلال دقائق معدودة، انتشرت الغازات المنبعثة في أرجاء المخيمات وتسربت إلى أجساد وأنسجة القاطنين داخل الخيام القماشية والهشة.

تسببت هذه المواد الكريهة في موجة اختناق ونوبات سعال حادة، طالت الصغار والكبار على حد سواء. وفي شهادة مؤلمة نقلها أحد المواطنين من قلب القطاع، قضت طفلته الصغرى “أيلول” — والتي كانت تتمتع بصحة جيدة قبل الحادثة — ليلتها كاملة وهي تصارع الاختناق وتلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة.

ويؤكد خبراء ميدانيون أن انتشار مثل هذه المواد في بيئة نزوح متدهورة، تعاني أصلًا من الغبار المتصاعد جراء الركام والازدحام الشديد، يُمثّل خطراً مضاعفاً على أصحاب الأمراض التنفسية المزمنة كالربو والحساسية الصدرية، ما يحوّل الهواء اليومي إلى أداة بطيئة للتعذيب.

الصمت الإعلامي وتجاهل المعاناة

المثير للحرقة في هذه الواقعة — بحسب ما نقله النشطاء — هو حالة الصمت والاعتياد التي وصل إليها الشارع الفلسطيني في غزة؛ حيث لم يعد الكثيرون يبادرون حتى إلى الحديث عن هذه الانتهاكات للوكالات الإخبارية، بعد أن تملكهم اليأس من انعدام الاستجابة الدولية وتكرار نسيان صرخاتهم.

وقد باتت الشواهد والممارسات اليومية تُنشر عبر منصات التواصل والتحديثات الشخصية للأهالي المحاصرين، بعيداً عن العدسات الرسمية التي انشغلت بتغطية أروقة الأمم المتحدة.

تناقض المشهد: “الجيش الأكثر أخلاقية” أمام المنبر الدولي

تزامنت هذه الشهادات القاسية مع اعتلاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كرّر تصريحاته المثيرة للجدل، واصفاً الجيش الإسرائيلي بـ “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، ومُدّعياً أنه “يدافع عن الحضارة في مواجهة الهمجية”، مع توجيه اتهامات بالنفاق للمنظومة الدولية والدول الغربية.

أثار هذا التباين بين الخطاب الدبلوماسي الأنيق على المنبر الدولي وبين الواقع الميداني الخانق تحت خيام غزة موجة من الغضب والسريمة لدى الشارع العربي والمتابعين؛ حيث اعتبروا أن المؤسسة الدولية أضحت عاجزة عن حماية الأدنى من حقوق الإنسان، بعدما سمحت بمنح منصتها لمن يمارسون الحصار ويكتمون أنفاس المدنيين، بينما يُحرم الصوت الفلسطيني من التعبير الكامل عن مأساته.

يبقى السؤال المطروح في ضمير الإنسانية: إلى متى يستمر حرمان أهالي غزة من أبسط مقومات الحياة — حتى الهواء الذي يتنفسونه — وسط صمت عالمي يكتفي بمشاهدة الكارثة من خلف الشاشات؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك