عندما يرتدي الانتهازي ثوب الدين

رشيد مصباح (فوزي)

*

الانتهازية ليست مجرد حب للظهور، ولا مجرد سعي إلى منفعة عابرة، وإنما هي أن يجعل الإنسان مصلحته فوق المبدأ، وأن يتعامل مع الناس بحسب ما يملكون من جاه ونفوذ، وما يمكن أن يحققوه له من مصالح.

وتزداد خطورتها حين ترتدي ثوب الدين؛ لأن صاحبها لا يعود يبحث عن المال أو المنصب فحسب، بل قد يبحث عن السمعة والمكانة والتقدير، وعن القرب من أصحاب الجاه والسلطان، ولو كانوا من أهل الظلم والاستكبار.

والقرآن الكريم يقدم لنا في سورة «عبس» درسًا بالغ الدلالة في هذا الباب.

فقد كان النبي ﷺ يدعو بعض كبار قريش، يرجو إسلامهم لما في ذلك من أثر في قومهم، فجاءه الصحابي عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه، وكان أعمى، يطلب أن يعلمه مما علّمه الله، فنزل قول الله تعالى:

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ۝ أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ۝ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ۝ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾.

إنها آيات تعيد ترتيب الأولويات، وتعلّمنا أن قيمة الإنسان لا تُقاس بجاهه ولا بنفوذه ولا بمكانته بين الناس، وأن الضعيف الذي لا يملك سلطة ولا مالًـا قد يكون عند الله أعظم شأنًا من صاحب الجاه والسلطان.

ولعل الإنسان حين يشغل منصبًا يجعله قريبًا من الناس ومن أصحاب القرار، يقف على حقائق لا يراها عامة الناس. فالوظيفة، خاصة حين تكون قريبة من مصادر القرار، لا تمنح صاحبها سلطة فحسب، وإنما تمنحه أيضًا فرصة لرؤية الناس بعيدًا عن الصور التي يقدمونها لأنفسهم أمام المجتمع.

لقد عرفتُ ذلك عن قرب خلال السنوات التي قضيتها في البلدية. فقد سمح لي المنصب الذي شغلتُه أن أرى كيف يتصرّف بعض من يظنهم الناس أهلًـا للثقة والصلاح، عندما يجدون أنفسهم قريبين من أصحاب الحل والربط في أروقة السلطة.

هناك، حيث لا يرى العامة ما يجري خلف الأبواب، تسقط الأقنعة لتكشف عن الوجوه الحقيقية.

رأيتُ كيف يمكن للمصلحة أن تجعل بعض الأشخاص يتخلّون عن مواقف كانوا يتحدّثون عنها أمام الناس بثقة، وكيف يمكن للحاجة أن تجعل الإنسان يلين أمام من يملك القرار، وكيف يستطيع البعض أن يقترب من أصحاب النفوذ، لا لأنهم أهل صلاح وعدل، وإنما لأن وراءهم مصلحة يرجوها.

وعندها فهمت أن الإنسان قد يضحّي، من أجل مصلحته، بأشياء كثيرة: بمبدأ كان يدافع عنه، وبموقف كان يفاخر به، وأحيانًا حتى بشيء من ثوابته الدينية والأخلاقية.

ولستُ هنا بصدد محاكمة نيّات الناس، فالنيّات لا يعلمها إلّـا الله، وإنما أتحدّث عن سلوك رأيته وترك في نفسي أثرًا لا يمكن تجاهله.

لقد جعلتني تلك التجربة أكثر حذرًا في الحكم على الأشخاص من خلال صورتهم الاجتماعية أو خطابهم الدِّيني؛ فليس كل من ظهر بمظهر الصلاح مخلصًا، وليس كل من أكثر من الحديث عن المبادئ مستعدًا لدفع ثمن الالتزام بها.

وقد يكون الإنسان في حضرة الضعفاء شديدًا في كلامه عن الحق، ثم يصبح أكثر مرونة حين يقف أمام صاحب نفوذ. وقد يرفع صوته بالنصيحة أمام من لا يملك له ضررًا ولا نفعًا، ثم يخفضه حين يكون المخاطَب قادرًا على فتح باب أو إغلاق آخر.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالدِّين ليس وسيلة للتقرّب من أصحاب الجاه، ولا المنبر طريقًا إلى صناعة المكانة، ولا التديّن واجهة للحصول على ثقة الناس ثم استعمال تلك الثقة للوصول إلى أصحاب القرار.

إن صاحب المبدأ الحقيقي لا يتغير موقفه بتغير مكانة من أمامه؛ فالحق عنده حق، سواء كان المخاطَب فقيرًا أو غنيًا، ضعيفًا أو صاحب سلطان.

أما الانتهازي، فميزانه مختلف؛ هو لا يسأل أين الحق؟ بل يسأل عن مصلحته أولًـا؟

فماذا يبقى من الإخلاص حين يصبح رضا الناس، أو أصحاب الجاه، أو أهل النفوذ، أهم من رضوان الله؟

لا أملك أن أحكم على ضمائر الناس، ولا أريد أن أفعل. لكنني أملك أن أتأمل ما رأيته خلال سنوات من العمل، وأن أقول إن بعض الصور التي يراها الناس من بعيد قد تختلف كثيرًا عمّا تكشفه المواقف عندما تقترب من دوائر القرار.

ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الخطاب الدِّيني ليس نقص الكلام عن الأخلاق، وإنما أن يتحوّل الكلام عن الأخلاق إلى وسيلة لتحقيق المصلحة الشخصية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك