حين يتأخر جرس الإنذار… وتتقدم الخطب

رشيد مصباح (فوزي)

*

ربما كنتُ من أوائل من دقّ جرس الخطر، في بلدتي على الأقل، عندما بدأتُ ألاحظ بوادر انتشار المهلوسات بين شبابنا. حذّرتُ يومها، وتحدّثتُ عن الظاهرة قبل أن تستفحل، وقبل أن تتحوّل من إشارات متفرّقة إلى آفة تضرب المجتمع في العمق.

لكن، وكما يحدث كثيرًا، لم تجد التحذيرات آذانًا صاغية.

لم يلتفت إليها أحد بما يكفي، ولم تتحّول يومها إلى قضية تستحق أن تُفتح لها المنابر، أو أن تُناقش بجديّة، أو أن تستنفر من أجلها الطاقات الاجتماعية والتربوية والدِّينية.

واليوم، بعدما اتّسعت الدائرة، وانتشر الدّاء كما ينتشر السمُّ في الجسد، وبعدما أصبح من الصعب تجاهل ما يحدث في الشارع وبين الشباب، ارتفعت الأصوات، وتكاثرت النداءات، وأصبحت المهلوسات موضوعًا حاضرًا في الخطب والحديث العام.

لا بأس.

بل ليت هذه الأصوات تستمر، وليت هذه المنابر تواصل التحذير والتوعية، لأن الخطر حقيقي، والشباب بحاجة إلى من يحميه لا إلى من يكتفي بوصف المأساة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

– أين كانت هذه الأصوات عندما كان جرس الإنذار يُقرع في بدايات الظاهرة؟

لماذا لا تتحرك بعض المنابر إلّـا بعد أن تصبح القضية موضوعًا رسميًا، أو بعد أن تتحوّل إلى ملف عام تتداوله المؤسّسات والجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي؟

هل أصبح واجب الواعظ أن ينتظر التعليمات حتى يتحدث عن آفة تهدّد المجتمع؟

وهل وظيفة المنبر أن يردّد ما قيل في مكان آخر، أم أن من وظائفه الأساسية أن يستشرف الخطر قبل وقوعه، وأن يحذر الناس من الشر قبل أن يتحول إلى كارثة؟

إنني لا أكتب هذا الكلام اعتراضًا على تناول قضية المهلوسات في المساجد، بل على العكس تمامًا. أتمنى أن تصبح هذه القضية حاضرة باستمرار في خطابنا الدِّيني والتربوي، لأن المسجد ليس مكانًا للصلاة فحسب، وإنما هو أيضًا فضاء للتوعية والإصلاح وبناء الضمير.

لكن المنبر، في نظري، أكبر من أن يكون مكبر صوت لما تقوله الجهات الرسمية.

المنبر الحقيقي هو الذي يرى الخطر قبل أن يصبح عنوانًا رسميًا.

هو الذي يلتقط وجع الناس قبل أن يصل إلى مكاتب المسؤولين.

هو الذي يدافع عن الشباب عندما يكون الدفاع عنهم غير مربح، ولا يجلب التصفيق، ولا يفتح أبواب العلاقات والمناسبات.

والمشكلة ليست في أن يتحدث أحد عن المهلوسات اليوم، وإنما في الطريقة التي يُستعمل بها المنبر.

لقد سبق لي أن تحدثت مع بعض الذين لا يفوّتون فرصة الشغور في المنبر لإفراغ ما في صدورهم تجاه من يختلف معهم في الرأي. وهنا أقولها بوضوح: نحن لا نختلف معهم في الميراث، ولا في المال، ولا في المكانة الاجتماعية، ولا في التنافس على الظهور. تلك أمور دنيوية تخص أصحابها.

إنما نختلف معهم في شيء آخر أكثر أهمية:

المنبر ليس ملكًا لأحد.

المنبر ليس منصة شخصية.

وليس مكانًا لتصفية الحسابات.

وليس فضاءً لاستعراض العلاقات والنفوذ.

وليس وسيلة لتوجيه الرسائل المبطّنة إلى الخصوم.

إنه منبر له حرمته، ومن يقف عليه ينبغي أن يشعر بثقل المسؤولية قبل أن يشعر بلذّة الظهور.

وإذا كان الخطيب يريد أن يحذر الشباب من المخدرات والمهلوسات، فليحذرهم منها بلا تجريح، وليخاطب عقولهم وضمائرهم، وليقدم لهم أسباب الوقاية، وليدعُ الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة إلى تحمّل مسؤولياتها.

أما أن يتحوّل الحديث عن آفة اجتماعية خطيرة إلى مناسبة للشتائم والتخوين وتوزيع الاتهامات، فذلك لا يعالج مرضًا، وإنما يضيف مرضًا آخر إلى المجتمع.

لقد تعبنا من خطابات تبحث عن خصم أكثر مما تبحث عن حل.

وتعبنا من أشخاص لا يجدون في المنبر مناسبة للحديث عن هموم الناس إلّـا وجدوا معها مناسبة للحديث عن خصومهم.

وتعبنا من ثقافة تجعل من الاختلاف في الرأي خصومة، ومن الخصومة تهمة.

الشباب الذي يواجه خطر المهلوسات لا يحتاج إلى هذا كله.

إنه يحتاج إلى أب يراقبه، ومدرس يفهمه، وطبيب يعالجه، ومؤسسة تحميه، ومسجد يرشده، ودولة تواجه شبكات الاتجار بحزم، ومجتمع لا يكتفي بالبكاء على النتائج بعد أن يهمل الأسباب.

أما أن ننتظر حتى يقع الفأس في الرأس، ثم نفتح المنابر للتحذير، ونرفع أصواتنا وكأننا اكتشفنا الخطر اليوم، فذلك لا يكفي.

لقد كان هناك من حذّر عندما كان الخطر في بدايته.

وربما كان من الأجدى أن نصغي يومها.

فالوقاية لا تبدأ عندما يصبح المرض وباءً، والمنبر الحقيقي لا ينتظر الإيعاز حتى يقول ما يجب أن يُقال.

وفي النهاية، لا أريد من أحد أن يفهم كلامي على أنه خصومة شخصية مع فلان أو علان. فالخصومات الشخصية لا تعنيني، ولا أريد أن أجعل منها مادة للكتابة.

إنما الذي يعنيني هو أن تبقى حرمة المنبر فوق الأشخاص، وفوق العلاقات، وفوق الخصومات، وفوق الرغبة في الظهور.

ومن يقف على المنبر ينبغي أن يتذكر دائمًا أنه لا يقف أمام جمهور عابر، وإنما أمام ضمائر الناس.

وهذه مسؤولية أثقل بكثير من مجرد إلقاء خطبة.

فالمنبر الذي لا يدق جرس الخطر إلّـا بعد أن تقع الكارثة، لا يكون قد أنذر الناس… بل يكون قد تأخّر عن إنذارهم.

إرسال التعليق