من أنقذ المسيحيين أصبح متهمًا: قلبُ تاريخ قامشلو وقرى آل عباس
1/3
ردّ على تهجّم مبتذل نُشر في فيديو مشحون بالحقد والكراهية، يحرّف التاريخ ويثير الفتنة.
شاهدتُ اليوم مقطع فيديو لشخص اندفع، بلهجة مشحونة بالعصبية والكراهية وبأسلوب لا يمت إلى الحوار المحترم بصلة، في مهاجمة القادة والسياسيين الكورد وزعماء العشائر الذين قاوموا الوجود الفرنسي، مركزًا بصورة خاصة على المرحوم سليمان عباس، رئيس عشيرة دوركا، وعلى آل عباس. وقد غلّف هجومه بادعاء الدفاع عن أهلنا المسيحيين الأوائل الذين شاركوا في بناء قامشلو، وعن العائلات التي نجت من مجازر العثمانيين عام 1915، مع أن عددًا من تلك العائلات نفسها وجد الأمان والحماية في قرى آل عباس، وأُسكن في تجمعات أُنشئت أو توسعت آنذاك لاستيعاب الفارين من المذابح.
لم يكن ما شاهدته نقاشًا تاريخيًا، ولا محاولة لعرض رواية مقابلة يمكن احترامها والرد عليها؛ كان خليطًا من الكلمات النابية، والانفعال المنفلت، والادعاءات المبعثرة، ونبرة يفيض منها الحقد أكثر مما تفيض منها المعرفة. وبدا المتحدث في حالة من التوتر والاضطراب جعلت الفيديو أقرب إلى تفريغ ضغينة قديمة منه إلى شهادة تاريخية تستحق أن تؤخذ على محمل البحث.
ومع ذلك، فإن أخطر ما في كلامه ليس إساءته إلى سليمان عباس أو آل عباس وحدهم؛ فالتاريخ والوثائق كفيلان بالرد عليه. الأخطر هو محاولته استخدام أهلنا المسيحيين وقودًا لخصومة مع الكورد، وكأن تاريخ الجيرة والحماية والعيش المشترك يمكن محوه بثرثرة عابرة أمام كاميرا.
ولهذا كان لا بد من الرد؛ لا دفاعًا عن آل عباس وحدهم، بل دفاعًا عن أهلنا المسيحيين أيضًا، كي لا يُختطف تاريخهم ويُستخدم لإثارة الفتنة بينهم وبين إخوتهم الكورد.
فمحركا، التي لا تبعد سوى نحو كيلومتر شمال شرقي دوكر، مركز آل عباس، وروتان القريبة من بيازة، قرية آل شويش عباس، وكر شيران جنوب دوكر، وخويتله إلى شمالها الغربي، وغردوكة إلى شمالها، وغيرها من القرى التي يذكرها، أُقيمت جميعها على أراضٍ اقتُطعت من أراضي دوكر. وأهل هذه القرى، الذين عشنا معهم وتقاسمنا الجيرة والخبز والذكريات لعقود، أرقى من أن يمثلهم خطاب كهذا، وأسمى من أن يُختزل تاريخهم في ضغينة شخص أو حقد عابر.
إن الرجل، وهو يزعم الدفاع عن المسيحيين، يعيد عمليًا إنتاج أسوأ ما زرعه الانتداب الفرنسي ثم غذّاه البعث من بعده: تفكيك المجتمع إلى طوائف وقوميات متخاصمة، وتحويل الكوردي إلى خصم للمسيحي، والمسيحي إلى أداة في مواجهة الكوردي. وتلك واحدة من أقذر الميراثات السياسية التي دفعت منطقتنا ثمنها طويلًا.
أما محاولة الفصل اللفظي بين «الكورد» وبين «سياسييهم وزعمائهم وعشائرهم» فلن تخدع أحدًا؛ فمن يهاجم سليمان عباس وآل عباس، ويهاجم القيادات الكوردية، ويحوّل أصحاب الأرض إلى مغتصبين، ويحوّل من استقبلوا اللاجئين وحموهم إلى معتدين، ثم يقول إنه لا يعادي الكورد، إنما يمارس نفاقًا لغويًا مكشوفًا لا يحتاج إلى كثير من الذكاء لاكتشافه.
ونقولها بوضوح: أهلنا المسيحيون ليسوا مادة يستثمرها أصحاب الضغائن لتصفية حساباتهم مع الكورد، ولن نترك تاريخ العيش المشترك يُسلَّم لأمثال هؤلاء كي يعيدوا إنتاج سموم البعث والاستعمار بثوب جديد. فهيهات أن يُسمح للخبث أن يتسلل بين أهل عاشوا معًا عقودًا، وهيهات أن تتحول ذاكرة من أنقذوا وآووا وحموا إلى منصة لاتهامهم بعد قرن.
ولهذا، سأضع أمام القارئ الوقائع كما هي: قامشلو، والقرى التي ذكرها، ومن بناها، ومن امتلك أرضها، ومن استقبل العائلات الهاربة من مجازر 1915، وماذا فعل الفرنسيون بعدها بآل عباس وبملكياتهم، ومن الذي استفاد من تلك التحولات. عندها فقط يتضح من يحفظ التاريخ، ومن يحاول تزويره.
المشكلة في خطاب صاحب الفيديو ليست في خطأ تاريخي عابر، بل في قلب متعمد لتسلسل الوقائع، والخلط بين الدين والقومية وملكية الأرض، وصولًا إلى نتيجة جاهزة: الطعن في الكورد وسياسييهم وزعماء عشائرهم، وفي مقدمتهم سليمان عباس وآل عباس، وتصوير العائلات المسيحية التي لجأت إلى قراهم بعد مجازر العثمانيين وكأنها كانت المالكة الأصلية لتلك القرى.
لا أحد ينكر قِدم المسيحية في سوريا وشمال ميزوبوتاميا، ولا وجود السريان والآراميين والأرمن وغيرهم في تاريخ المنطقة. لكن المسيحية دين وليست قومية واحدة، وقِدم وجودها لا يمنح كل عائلة مسيحية سكنت قرية في القرن العشرين سند ملكية يعود إلى ألفي عام.
أما قامشلو الحديثة، فتركيبتها السكانية الحالية تشكلت بدرجة كبيرة بعد الحرب العالمية الأولى وفي ظل الانتداب الفرنسي، حين استقبلت المنطقة موجات من اللاجئين والناجين من المجازر. وهنا يجب أن يبدأ النقاش الحقيقي حول القرى التي يذكرها صاحب الفيديو: متى بُنيت؟ من بناها؟ لمن كانت أراضيها؟ ومتى وصلت إليها العائلات المسيحية؟
فمحركا وكر شيران وروتان وخويتله ارتبط نشوء تجمعاتها الحديثة بمرحلة 1915–1916، في سياق استقبال عائلات فرت من المجازر العثمانية. لكن الأرض لم تبدأ تاريخها مع وصول هذه العائلات؛ فهي مرتبطة بأراضي دوكر وآل عباس، وتوجد لدى العائلة قوجانات عثمانية أقدم بعقود طويلة من أحداث 1915، وبعضها يعود، بحسب تحويل تواريخه إلى السنة الميلادية، إلى نحو عام 1830. وأسمائها الكوردية خير مثال، وإلا لو كانت قرى للعائلات التي يذكرهم على انهم بنوها ومالكيها، لكانت أسماء تلك القرى مسيحية. ومن الشواهد الدالة أيضًا أن هذه القرى لا توجد فيها مقابر تعود إلى ما قبل عام 1915، وهو ما يستحق التوقف عنده عند بحث تاريخ نشأتها واستقرار سكانها فيها.
والتفاصيل المادية هنا أكثر بلاغة من الخطابة.
ففي روتان كانت مطحنة محمد عباس قائمة نحو عام 1910، أي قبل أحداث 1915 ووصول موجات اللاجئين المسيحيين. وهذه واقعة وحدها تكفي لإسقاط الزعم بأن ظهور العائلات المسيحية لاحقًا هو بداية تاريخ القرية أو دليل ملكيتها للأرض.
أما غردوكة فقد بناها شيخموس عباس ومعه ابن أخيه محمد عباس نحو عامي 1937–1938، ثم تركاها في أواخر عام 1938 بسبب بعدها وصعوبة الحياة فيها، وبعد ذلك أقامت فيها عائلتان مسيحيتان كانتا قد لجأتا في الأصل إلى دوكر في مرحلة فرمان 1915. أي إن لدينا هنا تسلسلًا واضحًا: بناء القرية أولًا، ثم مغادرة بُناتها، ثم سكن العائلات المسيحية لاحقًا. فكيف يُقلب هذا التسلسل اليوم ليصبح اللاحق سابقًا، والضيف مالكًا، وصاحب الأرض معتديًا؟
وفي محركا وكر شيران لا تزال حتى اليوم آثار بيوت آل عباس معروفة لأهل المنطقة، وهي شاهد مادي على وجودهم فيها. وفي محركا تحديدًا ارتبطت البيوت بمحمد عباس وابنه الشهيد عباس وأخيه شيخموس. وهذه الآثار، إلى جانب القوجانات وذاكرة السكان، ليست «روايات عاطفية»، بل عناصر يمكن فحصها ومقارنتها بالوثائق.
وهنا تظهر واحدة من أفدح أكاذيب صاحب الفيديو وأكثرها بؤسًا؛ فهو يتهم سليمان عباس وآل عباس بالاستيلاء على أملاك المسيحيين، بينما تسلسل الوقائع يقول العكس تمامًا. فبعد سيطرة الفرنسيين على المنطقة، ومقتل عباس محمد عباس، صاحب محركا، في سياق مقاومة الوجود الفرنسي، بدأت عملية إضعاف آل عباس وتجريدهم من عدد من قراهم وأراضيهم، ومنها محركا وكر شيران وغردوكة وخويتله وروتان. ثم ثُبتت ملكية أجزاء من تلك الأراضي لاحقًا لعائلات ارتبط بعضها بسلطات الانتداب واستفاد من حمايتها.
وهنا تكمن المفارقة التي تفضح روايته، العائلات المسيحية لم تصبح كلها مالكة لهذه القرى، بل استأثرت عائلات محددة بالملكية، بينما حُرمت منها حتى عائلات مسيحية أخرى كانت قد لجأت إلى المنطقة معها واحتضنتهم آل عباس. أي إن القضية لم تكن يومًا «مسيحيين يملكون القرى وكوردًا استولوا عليها»، كما يحاول تبسيطها بهذه السذاجة، بل كانت شبكة مصالح نشأت تحت سلطة الانتداب، استفادت منها فئات محددة على حساب أصحاب الأرض الأصليين وعلى حساب مسيحيين آخرين أيضًا.
واللافت أن بعض هذه العائلات نفسها وجدت لاحقًا في حزب البعث مظلة جديدة لحماية ما استقر في أيديها، بعدما كانت الحماية الفرنسية قد زالت. تغيرت السلطة، لكن الحاجة إلى حماية الملكية المكتسبة في ظروف الانتداب بقيت قائمة.
أما سليمان عباس، الذي يصوره صاحب الفيديو وكأنه كان يجرد المسيحيين من أملاكهم، فالرواية التاريخية للعائلة تقول العكس: لقد ظل تحت مراقبة الفرنسيين بسبب دوره وموقعه وموقفه منهم، وارتبط اسمه بمقاومة بياندور والثأر لمقتل ابن أخيه عباس محمد عباس. وفي عام 1940 اختفى وتوفي في بيروت في ظروف ربطتها العائلة بالفرنسيين أثناء وجوده هناك للعلاج، ثم لحق به ابنه شلال بعد أشهر في ظروف غامضة أيضًا أثناء البحث عنه.
فأين هي إذن الأملاك التي «استولى» عليها سليمان عباس من المسيحيين؟
الرجل نفسه خرج من المشهد ولم يستعد القرى التي كانت لعائلته، وآل عباس من بعده لم يستعيدوا محركا ولا كر شيران ولا غردوكة ولا خويتله ولا روتان بعد انتهاء الانتداب الفرنسي، ولا استعادوها في عهد البعث. بقيت الملكيات في أيدي من استقرت لديهم، رغم أن وثائق آل عباس وقوجاناتهم وبيوتهم وآثار وجودهم في عدد من هذه القرى تسبق وصول العائلات التي يتحدث عنها صاحب الفيديو.
وهنا تبلغ روايته مستوى من الانحطاط التاريخي يصعب تفسيره بالجهل وحده: فهو يجعل من العائلة التي فقدت أرضها هي المغتصِبة، ومن الذين استقر بعضهم في الأرض بعد نزعها من أصحابها هم الضحايا الذين سُلبت منهم!
ليس هذا اختلافًا في تفسير حادثة؛ إنه قلب للضحية والجلاد، وللسابق واللاحق، ولصاحب الأرض والوافد إليها.
والأشد سوءًا أنه يفعل ذلك باسم الدفاع عن المسيحيين، بينما روايته نفسها تمحو عشرات العائلات المسيحية التي لم تحصل على شيء من تلك الملكيات، وتختزل المسيحيين في عدد محدود من العائلات التي استفادت من ترتيبات الانتداب. وبذلك فهو لا يدافع حتى عن المسيحيين؛ بل يدافع، من حيث يدري أو لا يدري، عن نتائج سياسة استعمارية فرنسية قسمت المجتمع، وصنعت الامتيازات، وكافأت الموالين، ثم تركت بذور الخصومة لتستثمرها السلطات اللاحق، وخاصة البعث، ففي كلامه المبتذل يعيد نشر ما بثه البعث طوال نصف قرن وهي خلق الفتنة بين الكورد والمسيحيين.
فليكن واضحًا: من يتهم سليمان عباس وآل عباس بالاستيلاء على هذه القرى، عليه أولًا أن يفسر كيف استولى عليها رجل خرج منها ولم يستعدها، وقُتل أو اختفى في صراعه مع السلطة التي نزعتها من عائلته، ثم مات أبناؤه وأحفاده وما زالت القرى خارج ملكيتهم حتى اليوم.
أما تجاهل هذا التسلسل كله، ثم الوقوف أمام كاميرا لقلبه رأسًا على عقب، فليس بطولة ولا دفاعًا عن مظلومية؛ إنه تزوير رخيص لذاكرة منطقة ما زالت آثار بيوتها ووثائق أرضها وشهادات أهلها تكذبه.
أما قرية حلوة، ومثلها خزنه، التي يحشرها صاحب الفيديو في روايته، فالمفارقة أشد؛ إذ لم تُعرف، بحسب تاريخها المتداول لدى أهل المنطقة منذ نشأتها قبل القرن الثامن عشر وحتى اليوم، باستقرار عائلة مسيحية فيها. فكيف تتحول هي الأخرى إلى «قرية مسيحية مسلوبة»؟ مجرد إدراجها يكشف أن الرجل يجمع أسماء القرى أولًا، ثم يبحث لها عن رواية تخدم النتيجة التي قررها مسبقًا.
والأشد جحودًا أن هجومه يطال سليمان عباس وآل عباس، مع أن قراهم كانت ملجأ لعائلات مسيحية هاربة من المجازر. وتحتفظ العائلة بوثائق وشهادات تتعلق بدور محمد عباس، الأخ الأكبر لسليمان عباس، في حماية وإيواء أعداد من المسيحيين، وبينها شهادة تقدير خطية مُنحت لسليمان عباس بعد وفاته بسنوات طويلة، بحسب الوثيقة المحفوظة في أرشيف البطريركية الكاثوليكية، على خلفية دوره في إنقاذ مئات منهم وإيوائهم.
ومع ذلك، لم يكن كل من تم إنقاذه وفيًا لمن أنقذه.
فبحسب رواية العائلة، كان ديوان عباس محمد عباس في محركا يجمع رؤساء وشخصيات من العشائر في سياق مقاومة الفرنسيين، ونُقلت أخبار هذه الاجتماعات إلى سلطات الانتداب، وكان من بين المخبرين شخص من عائلات مسيحية كان والده قد أسكنها أصلًا في دوكر ونقل مع عائلات أخرى إلى محركا على نهر سوبلاخ وظلوا تحت حمايتهم، وانتهى الأمر باعتقال عباس وقتله بقرار محكمة عسكرية ميدانية عشية معركة بياندور.
لكننا، وهنا الفارق الأخلاقي والفكري، لا نحول خيانة فرد إلى تهمة للمسيحيين جميعًا، بل كنا من آل عباس إلى الأغلبية من الكورد يعاملون المسيحيين وخاصة من هم في القرى ككورد من الديانة المسيحية مثلهم مثل الكورد الإيزيديين، والمسلمين، قومية واحدة يفرقنا الدين. لذلك لا نقول إن المسيحيين خانوا آل عباس لأن فردًا أو أفرادًا تعاونوا مع الفرنسيين. الخيانة مسؤولية صاحبها، مثلما أن الوفاء مسؤولية صاحبه.
أما صاحب الفيديو فيفعل العكس، يأخذ وقائع فردية أو أسماء متفرقة ويحولها إلى اتهام للكورد وزعمائهم، ثم يختبئ وراء العبارة المستهلكة: «أنا لست ضد الكورد، بل ضد السياسيين والزعماء».
لكن من يهاجم الزعيم الكوردي والعشيرة الكوردية والسياسي الكوردي، ثم يعيد كتابة تاريخ القرى بحيث يظهر الكوردي دائمًا معتديًا والمسيحي دائمًا ضحية، لا يستطيع إخفاء مضمون خطابه بهذه العبارة.
والأخطر أن هذا الكلام لا يدافع عن المسيحيين؛ بل يزرع الشك والكراهية بينهم وبين إخوتهم الكورد الذين عاشوا معهم وتقاسموا الجيرة والمصير. وهو يعيد إنتاج ذهنية قديمة غذّاها الانتداب الفرنسي باستثمار الانقسامات الدينية والإثنية، ثم عمقها البعث طوال عقود حين حاول فصل المسيحيين عن بيئتهم المحلية وإدراجهم قسرًا في هوية عربية، بالتوازي مع تعميق الخصومة العربية–الكوردية.
القضية في النهاية بسيطة: من يدعي ملكية قرية فليقدم سندها، ومن يدعي جريمة فليقدم اسمها وتاريخها وضحاياها ومصدرها.
أما أن يتحول اللاجئ إلى مالك أصلي، والمنقذ إلى مغتصب، والحماية إلى عدوان، فهذه ليست إعادة قراءة للتاريخ.
إنها عملية قلب للتاريخ، والجحود مهما ارتفع صوته أمام الكاميرا لا يتحول إلى وثيقة.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق