حتمية الصدام التركي الإسرائيلي – فرص النجاح والإخفاق حين تفشل الدبلوماسية
محمد عبد الكريم يوسف
الملخص
تتناول هذه الورقة مسألة حتمية الصدام العسكري بين تركيا وإسرائيل في ظل التحولات الجيوسياسية
العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط منذ سقوط نظام الأسد في سوريا (ديسمبر 2024) والحرب
الإسرائيلية على إيران (يونيو 2025). تستند الورقة إلى إطار “الواقعية الهجومية” في العلاقات الدولية،
وتتتبع مسارات التنافس التركي-الإسرائيلي في ثلاث ساحات رئيسية: سوريا، وشرق المتوسط، والقرن
الأفريقي. وتخلص إلى أن الصدام المباشر ليس حتمياً بالمعنى الحتمي، لكنه بات احتمالاً راهناً يفوق أي
مرحلة سابقة في تاريخ العلاقات الثنائية. غير أن كلا الطرفين يدرك أن الحرب المباشرة تحمل تكاليف
باهظة، مما يرجح سيناريو “الصدام المُدار” عبر وكلاء ومناطق رمادية، مع بقاء احتمال التصعيد
العرضي قائماً. وتقدم الورقة تقييماً لفرص نجاح وإخفاق الدبلوماسية في احتواء هذا التنافس، وتخلص إلى
أن غياب آليات فعالة لتخفيف التوتر – في ظل تراجع الدور الأمريكي وغياب قنوات اتصال مباشرة بين
الطرفين – يجعل من الصدام، ولو غير المباشر، نتيجة شبه حتمية للمنطق الاستراتيجي المتصادم
للطرفين.
أولاً: مقدمة – من التحالف إلى المواجهة
“تركيا هي إيران الجديدة”
هذه العبارة، التي أصبحت شائعة في الخطاب الأمني الإسرائيلي منذ عام 2025، تلخص التحول الجذري
في النظرة الإسرائيلية تجاه تركيا. فما إن حلّ عام 2026 حتى وجدت إسرائيل نفسها تواجه تركيا ليس
كشريك استراتيجي سابق أو خصم دبلوماسي متقطع، بل كقوة إقليمية صاعدة تسعى إلى إعادة تشكيل
الشرق الأوسط وفق رؤيتها الخاصة – رؤية تتصادم مع المصالح الإسرائيلية في كل ساحة تقريباً: من
سوريا إلى شرق المتوسط، ومن غزة إلى القرن الأفريقي.
العلاقات التركية-الإسرائيلية، التي شهدت تقلبات حادة على مدى العقود الماضية، دخلت منذ السابع من
أكتوبر 2023 مرحلة جديدة نوعياً. فتركيا لم تعد تكتفي بالخطاب الحاد وسحب السفراء كوسائل احتجاج
مؤقتة، بل شرعت في حملة قانونية ودبلوماسية واسعة تهدف إلى تجريم إسرائيل دولياً، وإضعاف
شرعيتها، وعزلها في المحافل الدولية. في المقابل، بدأت إسرائيل تنظر إلى تركيا باعتبارها تهديداً
وجودياً من نوع جديد – ليس بالمعنى الإيراني للتهديد النووي، لكن بوصفها قوة تسعى إلى تطويق
إسرائيل استراتيجياً من الشمال ومن البحر ومن خلال النفوذ في العالم العربي.
تتساءل هذه الورقة: هل الصدام العسكري بين تركيا وإسرائيل حتمي؟ وإذا كانت الدبلوماسية تفشل في
احتواء هذا التنافس، فما هي سيناريوهات المواجهة المحتملة، وما هي فرص نجاح أو إخفاق كل منها؟
ثانياً: جذور الصدام – المصالح المتصادمة في ثلاث ساحات
2.1 سوريا: قلب المواجهة
شكّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحول جذرية في التنافس التركي-الإسرائيلي. فبينما
رأت تركيا في سقوط الأسد فرصة تاريخية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية – إضعاف النفوذ الكردي،
وعودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وتعزيز مكانة أردوغان كزعيم للعالم الإسلامي – نظرت إسرائيل إلى
التطور نفسه بوصفه تهديداً وجودياً على حدودها الشمالية.
التصادم الاستراتيجي في سوريا يتجلى في رؤيتين متناقضتين تماماً:
تركيا تسعى إلى دولة سورية موحدة وقوية، تحت قيادة حليف لها (أحمد الشرع)، وتعمل على
تدريب الجيش السوري وبناء مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار. فالاستقرار السوري يخدم المصالح
التركية الأمنية والاقتصادية.
إسرائيل تسعى إلى سورية ضعيفة ومجزأة، وتفضل استمرار حالة الفوضى على ظهور دولة
موحدة – خصوصاً دولة يقودها إسلاميون سابقون في تنظيم القاعدة. لذا وسعت إسرائيل وجودها
العسكري في جنوب سوريا، وفرضت مناطق عازلة، وشنت حملة قصف منهجية لتدمير القدرات
العسكرية السورية.
هذا التصادم بلغ ذروته في 18 أغسطس 2026، عندما شنت إسرائيل ثماني غارات جوية على مطار
أبو الضهور العسكري في محافظة إدلب، على بعد 70 كيلومتراً فقط من الحدود التركية. وكانت إسرائيل
قد حذرت تركيا من أن أي وجود عسكري تركي في القاعدة يشكل “خطاً أحمر”. ووصف السفير
الأمريكي توم باراك الغارات بأنها “تحملت خطراً حقيقياً من التصعيد السريع إلى مواجهة عسكرية
مباشرة بين إسرائيل وتركيا” .
2.2 شرق المتوسط: الصراع على الغاز والنفوذ
إلى جانب سوريا، برز شرق المتوسط كساحة تنافس رئيسية بين الطرفين. فاكتشاف احتياطيات ضخمة
من الغاز الطبيعي – تقدر بنحو 3.5 تريليونات متر مكعب – حول المنطقة إلى “ساحة معركة طاقوية
شاملة” بين الكتلة الإسرائيلية-اليونانية-القبرصية من جهة، وعقيدة “الوطن الأزرق” التركية من جهة
أخرى.
التصعيد في شرق المتوسط اتخذ أشكالاً عدة:
توقيع خطة عمل ثلاثية للتعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص في ديسمبر 2025،
شملت تدريبات مشتركة وحواراً استراتيجياً منظماً. وتناولت التقارير نية تشكيل “قوة تدخل
عسكري مشتركة” لمواجهة التحركات التركية.
استبعاد تركيا من منتدى غاز شرق المتوسط، الذي يضم إسرائيل واليونان وقبرص ومصر
وفرنسا، وهو ما تفسره أنقرة باعتباره “تجاهلاً استراتيجياً متعمداً” .
معارضة تركيا لمشروع خط أنابيب إيست ميد، الذي يهدف إلى نقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا
عبر قبرص واليونان، وتفضيلها بدلاً من ذلك نقل الغاز عبر الأراضي التركية – وهو ما ترفضه
إسرائيل بشدة.
من المنظور التركي، تشكل هذه التحركات الإسرائيلية جزءاً من “استراتيجية تطويق” تهدف إلى عزل
تركيا في شرق المتوسط وتقييد نفوذها البحري. ومن المنظور الإسرائيلي، فإن أي دور تركي في شرق
المتوسط أو غزة يمثل تهديداً لمبدأ الردع الإسرائيلي القائم على السيطرة الأمنية المطلقة ومنع النفوذ
الخارجي.
2.3 غزة وفلسطين: الصراع الأيديولوجي
تشكل القضية الفلسطينية البُعد الأيديولوجي الأكثر عمقاً في التنافس التركي-الإسرائيلي. فتركيا، بقيادة
أردوغان، اتخذت موقفاً حاداً ضد إسرائيل منذ السابع من أكتوبر، ووصل الأمر إلى حد مقارنة نتنياهو
بهتلر ووصف ما يحدث في غزة بأنه “إبادة جماعية” .
غير أن الخلاف يتجاوز الخطاب إلى السياسات العملية:
دعم تركيا لحماس: تعتبر تركيا حماس “حركة مقاومة” وليس منظمة إرهابية، واستضافت قادة
الحركة، وضغطت لضمان بقائها فاعلاً في ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
رفض إسرائيل للدور التركي في غزة: ترفض إسرائيل أي دور تركي في إعادة إعمار غزة أو في
قوة تثبيت دولية، خشية أن يمنح ذلك تركيا نفوذاً في ساحة أمنية حساسة.
الحملة القانونية التركية: انضمت تركيا إلى دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل
الدولية، وأصدرت مذكرات توقيف بحق 37 مسؤولاً إسرائيلياً، بينهم رئيس الوزراء ووزير
الدفاع.
هذا البعد الأيديولوجي يجعل الصراع أقل قابلية للتسوية من خلال المساومات العملية، لأنه يتعلق بالهوية
والقيم والشرعية الدولية.
ثالثاً: حتمية الصدام – قراءة في المنطق الاستراتيجي
3.1 من التنافس إلى المواجهة: مسار التصعيد
يجادل بعض المحللين بأن الصدام التركي-الإسرائيلي لم يعد مسألة “إذا” بل “متى”. تطرح دراسة صادرة
عن معهد الأبحاث الأمريكي (AEI) سيناريو مفاده أن الحرب بين إسرائيل وإيران (يونيو 2025) قد
تكون “بروفة عامة” لحرب مستقبلية بين إسرائيل وتركيا. وتستند هذه الرؤية إلى تشابه مسار أردوغان
مع مسار آيات الله الإيرانيين: تطوير صناعة عسكرية محلية، وبرنامج نووي مدني، ودعم جماعات
إرهابية.
لكن التحليل الأكثر دقة يميز بين ثلاثة مستويات من الصدام:
- الصدام السياسي والدبلوماسي – وهو واقع راهن، تجلى في قطع العلاقات الدبلوماسية، وإغلاق
الأجواء، والمقاطعة الاقتصادية، والحملة القانونية. - الصدام عبر الوكلاء – وهو سيناريو مرجح، خصوصاً في سوريا وليبيا، حيث يتنافس الطرفان
عبر جماعات محلية. فتركيا تسعى إلى بناء “تهديد بالوكالة” لإسرائيل مماثل للتهديد الإيراني،
بينما تسعى إسرائيل إلى احتواء النفوذ التركي في سوريا وليبيا. - الصدام العسكري المباشر – وهو السيناريو الأقل ترجيحاً، لكنه أصبح احتمالاً راهناً بعد غارات
أغسطس 2026.
3.2 العوامل الدافعة نحو الصدام
تتضافر عدة عوامل لدفع الطرفين نحو المواجهة:
أولاً: المنافسة على النظام الإقليمي – تسعى كل من تركيا وإسرائيل إلى تشكيل النظام الإقليمي وفق
رؤيتها. تركيا تتبنى رؤية “نظام شرق أوسطي جديد” تقوده، بينما تسعى إسرائيل إلى ترسيخ تفوقها
الاستراتيجي ومنع ظهور أي قوة إقليمية قادرة على تحديها.
ثانياً: غياب الثقة – لقد تآكلت الثقة بين الطرفين إلى درجة لا تسمح بأي تسويات جوهرية. فحتى في
فترات التوتر الشديد سابقاً (مثل حادثة مرمرة 2010)، كان يُفترض أن الأزمات قابلة للإدارة والحل
عبر المساومات الدبلوماسية. لكن هذا الافتراض تآكل منذ 7 أكتوبر 2023 .
ثالثاً: الديناميكيات الداخلية – يواجه كل من نتنياهو وأردوغان ضغوطاً داخلية تدفعهما إلى التصعيد.
فنتنياهو، في ظل استحقاقات انتخابية، يجد في مواجهة تركيا وسيلة لتعزيز صورته كزعيم أمني.
وأردوغان، في مواجهة تحديات اقتصادية، يستخدم الخطاب المناهض لإسرائيل لتعبئة قاعدته الشعبية.
رابعاً: الفراغ الأمريكي – مع تراجع الدور الأمريكي في الشرق الأوسط وتركيز واشنطن على آسيا،
تشعر كل من تركيا وإسرائيل بأنهما بحاجة إلى تأمين مصالحهما بأنفسهما، مما يزيد من ميل كل منهما
إلى استخدام القوة.
3.3 العوامل المانعة للصدام المباشر
غير أن هناك عوامل قوية تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة:
أولاً: التكاليف الباهظة – لا تستطيع أي من الدولتين تحمل التكاليف الاقتصادية والسياسية والعسكرية
لحرب مباشرة. فتركيا تعاني من اقتصاد متعثر، وإسرائيل تعاني من إرهاق الاحتياط بعد حروب متعددة.
ثانياً: عضوية تركيا في الناتو – أي صدام بين إسرائيل وتركيا، العضو في الناتو، سيشكل أزمة داخل
الحلف الغربي ويفكك تماسكه. وهذا يشكل رادعاً قوياً لكلا الطرفين.
ثالثاً: الدور الأمريكي – تعمل واشنطن بنشاط على إنشاء آلية لتخفيف التصعيد بين الطرفين، تشمل
قنوات اتصال عسكرية وسياسية لمنع سوء الفهم والتصعيد العرضي.
رابعاً: المصالح المشتركة – رغم التوتر، هناك مجالات للتعاون المحتمل، مثل مواجهة النفوذ الإيراني
في القوقاز وسوريا، واستمرار التبادل التجاري عبر دول ثالثة.
رابعاً: حين تفشل الدبلوماسية – سيناريوهات المواجهة
4.1 سيناريو الصدام المُدار (المرجح)
“سيناريو المواجهة غير المباشرة الأرجح وفق المعطيات الحالية، ساحتها المحتملة سوريا بشكل أساسي”
في هذا السيناريو، يتجنب الطرفان الاشتباك المباشر لكنهما يتنافسان عبر وكلاء ومناطق رمادية:
سوريا : ستستمر إسرائيل في شن غارات جوية ضد أهداف مرتبطة بتركيا، بينما تواصل تركيا
تدريب الجيش السوري وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة في دمشق. وقد شهدنا هذا النمط في أبريل
2025، عندما قصفت إسرائيل قواعد كانت تركيا قد “استكشفتها” لنشر قوات، وفي أغسطس
2026 بقصف مطار أبو الضهور.
ليبيا : برزت ليبيا كساحة جديدة للتنافس، حيث تدعم تركيا حكومة طرابلس، بينما تسعى إسرائيل
وحلفاؤها (مصر، الإمارات) إلى احتواء النفوذ التركي في شرق ليبيا.
القرن الأفريقي : يتوسع التنافس إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تسعى كل من تركيا
وإسرائيل إلى تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي على سواحل الصومال وإريتريا.
فرص نجاح هذا السيناريو (من منظور تجنب الحرب الشاملة) مرتفعة نسبياً، لأن كلا الطرفين يدرك
حدود التصعيد. لكن خطر الخطأ في التقدير (miscalculation) يظل قائماً، كما حذر السفير باراك.
4.2 سيناريو الاشتباك المباشر المحدود (محتمل)
في هذا السيناريو، يحدث اشتباك عسكري مباشر بين القوات التركية والإسرائيلية، لكنه يظل محدوداً في
النطاق والمدة:
محفز محتمل : حادثة عرضية في المجال الجوي السوري، أو اشتباك بحري في شرق المتوسط،
أو محاولة تركية لنشر قوات في منطقة تعتبرها إسرائيل “خطاً أحمر”.
مثال واقعي : في 18 أغسطس 2026، حذر السفير باراك من أن الغارات الإسرائيلية “كان
بإمكانها أن تؤدي إلى تصعيد سريع يشمل اشتباكات جوية مباشرة، ربما تشمل طائرات تركية”.
ولم يحدث ذلك لأن “الرؤوس الهادئة تمكنت من منع تدهور الوضع”.
فرص نجاح احتواء هذا السيناريو تعتمد على سرعة رد الفعل الأمريكي وفعالية آليات تخفيف التصعيد.
لكن غياب قنوات اتصال مباشرة بين الطرفين يزيد من خطر التصعيد.
4.3 سيناريو الحرب الشاملة (الأقل ترجيحاً)
في هذا السيناريو، تنزلق المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة تشمل جبهات متعددة:
الجبهة السورية : مواجهة برية وجوية بين القوات التركية والإسرائيلية في سوريا.
الجبهة البحرية : اشتباكات بحرية في شرق المتوسط بين البحرية التركية من جهة والقوات
الإسرائيلية-اليونانية-القبرصية من جهة أخرى.
الجبهة الدبلوماسية : تصعيد قانوني ودبلوماسي غير مسبوق، وحملة دولية لعزل إسرائيل.
فرص نجاح هذا السيناريو (من منظور أي من الطرفين) ضعيفة جداً، لأن التكاليف تفوق أي مكاسب
ممكنة. والأرجح أن الولايات المتحدة وحلف الناتو سيتدخلان لمنع وصول التصعيد إلى هذا المستوى.
خامساً: فرص الدبلوماسية – متى تنجح ومتى تفشل؟
5.1 متى تنجح الدبلوماسية؟
تشير التحليلات إلى أن الدبلوماسية يمكن أن تنجح في احتواء التنافس التركي-الإسرائيلي في ظل الشروط
التالية:
- تدخل أمريكي فعال : لا توجد جهة أخرى قادرة على لعب دور الوسيط النزيه بين الطرفين.
الولايات المتحدة، من خلال سفيرها في أنقرة ومبعوثها الخاص لسوريا، تعمل على إنشاء آلية
لتخفيف التصعيد. ويرى معهد INSS أن “تدخل الرئيس ترامب والمستويات العليا في الإدارة
الأمريكية فقط يمكن أن يكون فعالاً في هذه المرحلة” . - قنوات اتصال خلفية : استمرار التبادل التجاري عبر دول ثالثة، والتعاون الاستخباراتي المحدود،
يخلقان مصالح مشتركة في عدم قطع كل الجسور. - تحديد مناطق النفوذ : إمكانية التوصل إلى تفاهمات غير معلنة حول “خطوط حمراء” في سوريا
وشرق المتوسط، تمنع التصعيد العرضي. - إشراك حلفاء إقليميين : يمكن لدول مثل مصر والسعودية والإمارات أن تلعب دوراً في تخفيف
التوتر، خصوصاً في ملف غزة وليبيا.
5.2 متى تفشل الدبلوماسية؟
تفشل الدبلوماسية عندما تتعارض المصالح الجوهرية للطرفين بشكل لا يقبل التسوية: - سوريا : بينما تسعى تركيا إلى دولة سورية موحدة تحت نفوذها، تسعى إسرائيل إلى إضعاف
سوريا. هذا تناقض استراتيجي صفري لا يمكن تسويته دبلوماسياً. - غزة : إسرائيل ترفض أي دور تركي في غزة، وتركيا تصر على دورها كراعية للقضية
الفلسطينية. هذا تناقض أيديولوجي لا يقبل المساومات العملية. - شرق المتوسط : التنافس على موارد الطاقة والمياه الإقليمية هو صراع مصالح ملموس، حيث
كل متر مكعب من الغاز أو ميل بحري يذهب لأحد الطرفين على حساب الآخر. - تراجع الثقة : الحملة القانونية التركية ضد إسرائيل، والخطاب الإسرائيلي الذي يصف تركيا بأنها
“إيران الجديدة”، جعلا من الصعب تصور أي تسوية سياسية في المستقبل القريب.
سادساً: الخلاصة – صدام شبه حتمي في بيئة إقليمية متفجرة
“التنافس بين تركيا وإسرائيل أصبح قيداً هيكلياً، يشكل كل ملف إقليمي تقريباً”
يمكن القول إن الصدام التركي-الإسرائيلي لم يعد مسألة نظرية، بل واقع عملي يتجلى يومياً في سماء
سوريا ومياه شرق المتوسط. غير أن وصف هذا الصدام بأنه “حتمي” يتطلب تمييزاً دقيقاً:
الصدام الاستراتيجي حتمي – لأن مصالح الطرفين في سوريا وشرق المتوسط وغزة متصادمة
بشكل جوهري، ولا مجال لتسوية شاملة تلبي طموحات كليهما.
الصدام العسكري المباشر ليس حتمياً – لأن التكاليف باهظة، والردع الأمريكي قائم، والمصالح
الاقتصادية المشتركة – وإن تراجعت – لم تنقطع كلياً.
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار حالة “ما بين الحرب والسلام” : مواجهة عبر الوكلاء، وغارات
جوية محدودة، وتصعيد دبلوماسي وقانوني، مع بقاء احتمال التصعيد العرضي قائماً. وكما خلصت
دراسة مركز كارنيغي، فإن كلا الطرفين يسعى إلى تجنب الحرب الشاملة، لكن غياب آليات فعالة لإدارة
الصراع يزيد من خطر الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى ما يسعى الجميع لتجنبه.
في هذا السياق، تبدو الدبلوماسية قادرة على إدارة الصراع، لكنها عاجزة عن حله. وحين تفشل
الدبلوماسية في احتواء التصعيد، فإن فرص النجاح في أي مواجهة عسكرية – من منظور أي من
الطرفين – ضئيلة، لأن المنطقة بأسرها ستتحول إلى ساحة حرب مفتوحة، تتداخل فيها المصالح الإقليمية
والدولية، مما يجعل أي “نصر” عسكري مؤقتاً ومكلفاً، وأي “هزيمة” كارثية على المستوى الاستراتيجي.
قائمة المراجع
المراجع العربية:
- “صعود ‘الخطر التركي’ في الخطاب الإسرائيلي.” مركز مدار، 9 أغسطس 2026.
- “تركيا وإسرائيل بعد قطع العلاقات.. مواجهة مسلحة أم تنافس؟” الجزيرة نت، 2 سبتمبر 2025.
- “تركيا وإسرائيل تخاطران بالانزلاق نحو المواجهة.” بي بي سي عربي، 4 يوليو 2025.
- “تحول الخصومة بين تركيا وإسرائيل إلى محاور وتحالفات.” الجزيرة نت، 30 ديسمبر 2025.
- “سوريا وتركيا وإسرائيل.. كواليس الصدام المباشر ورسائل ‘الخطوط الحمر’.” الجزيرة نت، 20
أغسطس 2026. - “تصعيد بالشمال السوري.. هل تتجه إسرائيل وتركيا نحو صدام مباشر؟” الجزيرة نت.
- “إعلام عبري يهاجم تركيا: تسعى لبناء تهديد بالوكالة لإسرائيل.” المدن، 4 نوفمبر 2025.
المراجع الأجنبية:
- “Are Turkey and Israel on a Collision Course?” Georgetown Security
Studies Review, November 26, 2025. - Üçok, Mehmet Doğan. “Regime Change in Syria and the Emerging
Israel-Turkey Conflict.” Middle East Policy, Spring 2026, pp. 87-101. - “Israel-Iran War: ‘Dry Run’ for a Future War with Turkey?” American
Enterprise Institute, June 15, 2025. - “Türkei–Israel: Riskante Eskalation in einer fragmentierten
Regionalordnung.” SWP-Berlin, February 2026. - “US cries foul as Israel bombs Turkey-linked airbase in Syria.”
Responsible Statecraft, August 18, 2026. - “US working on deconfliction mechanism among Turkey, Israel and
Syria.” Reuters, August 18, 2026. - “Iran war pushes Israel-Turkey rift into more dangerous phase.” The
Jerusalem Post, April 15, 2026. - “The Turkish Legal Campaign Against Israel.” INSS, February 17,
2026. - Lindenstrauss, Gallia. “Turkey Is Not Iran, but It Is a Threat.” INSS
Insight No. 2061, November 18, 2025. - “Turkey Is Not Iran, but It Is a Threat.” INSS, November 2025.
- “Energy and sovereignty in the Eastern Mediterranean’s
maritime disputes.” IISS, September 2025. - “Strike on Abu-Duhur could provoke military clash between
Israel, Turkey — US envoy.” TASS, August 19, 2026. - “Barrack: Israel’s Syria strike risked military confrontation with
Turkey.” The Jerusalem Post, August 19, 2026. - “Turkey just did what Iran spent 20 years trying to do.”
Ynetnews, June 1, 2026. - “Turkey’s search for a Middle East order.” Brookings Institution,
June 16, 2026. - “Turkey breaks off trade relations with Israel.” dpa/MIA, August
30, 2025. - “US working on deconfliction mechanism among Turkey, Israel
and Syria.” Times of Israel, August 18, 2026. - “Netanyahu’s Office Slams Erdogan as ‘Antisemitic Dictator’.”
Webangah, August 21, 2026.



إرسال التعليق