ما وراء سلاح المليشيات وسلاح الدولة
سمير عادل
إن الصراع على إبقاء الميليشيات، إلى حد الاستماتة، هو في جوهره صراع على حماية الدولة الطائفية من قبل سلطة الإسلام السياسي الشيعي، المعروفة بالإطار التنسيقي. بيد أن هذه المسألة ليست سوى جزء من الصورة؛ فالانسحاب الأمريكي من العراق، المزمع استكماله في 30 أيلول/سبتمبر 2026، أي بعد أقل من شهر ونصف من الآن، هو ما يخفي في طياته من تداعيات على مجمل الوضع السياسي في العراق ومستقبل سلطة الإسلام السياسي الشيعي.
إن المعضلة السياسية التي تعاني منها سلطة الإسلام السياسي الشيعي في العراق لا تكمن في صعوبة إقناع الميليشيات بتسليم سلاحها إلى الحكومة، -وليس الدولة لانها الى الان لم تترسخ أركانها لصالح الإسلام السياسي الشيعي- ولا في عدم إدراكها لمبدأ حصر العنف بيد الدولة بالمعنى القانوني والسياسي. بل إن المعضلة التي تكمن وراء قلق هذه السلطة وتؤرقها هي غياب أي أفق واضح أمامها للحفاظ على سلطتها بعد الانسحاب الأمريكي من العراق.
حاولت هذه السلطة، منذ انهيار دولتـها في الموصل، وإعلان «دولة الخلافة الإسلامية» في 30 حزيران/يونيو من عام 2014، وانهيار أكبر مؤسسة عسكرية في العراق بعد ان انفاق المليارات من الدولارات من موازنة الدولة في ترسيخ سلطة الإسلام السياسي الشيعي في العراق، وحسم الصراع على السلطة من قبل منافسيها.
وقد سبق ذلك، إقصاء قادة بارزين من المنافسين “السنة” لسلطة الإسلام السياسي الشيعي التي كان يتزعمها نوري المالكي، أبرزهم عدنان الدليمي وطارق الهاشمي ورافع العيساوي وأثيل النجيفي وغيرهم، ثم محاولة اقصاء القوميين الكرد من الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني عبر تصفية ما سمي بالمناطق المتنازع عليها واحتلال كركوك.
إن شعار «المقاومة»، الذي تختبئ وراءه الميليشيات، والذي أصبح اليوم هادي العامري الناطق غير الرسمي باسمه والمدافع عنه علنًا، هو في حقيقته شعار لحماية سلطة الإسلام السياسي الشيعي ودولتها، التي لم ترسِّ حتى الآن أسسها، رغم المساعي الحثيثة لترسيخها سياسيًا وإنهاء مسألة هويتها الشيعية. وخلال الأعوام المنصرمة، استطاعت هذه السلطة تشريع عدد من القوانين والإجراءات التي تعزز هويتها الطائفية، من بينها تشريع أيام العطل الرسمية واعتبار “عيد الغدير” عيدًا وطنيًا، ليحل محل يوم الجمهورية في 14 تموز/يوليو 1958، وتمرير قانون تعديل الأحوال الشخصية، وهو ما يرتبط بما يُعرف بالمدونة الطائفية الجعفرية، فضلًا عن قوانين وإجراءات أخرى لإضفاء الشرعية الإسلامية عليها، مثل تجريم المثلية وغيرها.
إن حماية بقاء هذه الميليشيات، سواء تحت عناوين مستقلة مثل المقاومة والممانعة أو تحت العنوان الجامع لها، أي “الحشد الشعبي”، هي في جوهرها حماية للسلطة الطائفية الحاكمة التي يقودها الإطار التنسيقي. ولذلك، من الحماقة البحث عن المفتاح الضائع في مكان مضاء، في الوقت الذي سقط فيه في منطقة مظلمة، كما يقول المثل الغربي.
فمشكلة حصر السلاح بيد الدولة هي، في الحقيقة، حصر السلاح بيد سلطة الإسلام السياسي الشيعي، التي ما زالت تعصف بها رياح التوازنات الإقليمية والدولية.
إن الاختلاف بين العقيدة العسكرية للحشد الشعبي، الذي يشكل مظلة لهذه الميليشيات، وبين عقيدة القوى الأمنية والعسكرية، مثل الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب، ليس اختلافًا شكليًا. فعقيدة هذه الأجهزة بعيدة كل البعد عن عقيدة الحشد الشعبي. ولم تكن إقالة عبد الوهاب الساعدي قبل فترة ، الذي عُرف بوصفه أحد رموز الانتصار على عصابات داعش وقائد جهاز مكافحة الإرهاب، إلا تعبيرًا عن تناقض هذه العقيدة مع عقيدة الولاء لسلطة الإسلام السياسي الشيعي، بالرغم من وجود عناصر من هذه الميليشيات في العديد من مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. وكانت تجربة الموصل خير دليل على ذلك.
وطوال الفترة الماضية، كانت سلطة الإسلام السياسي الشيعي، ممثلة بالإطار التنسيقي، تناور وتماطل وتضلل الجانب الأمريكي للاستفادة من عامل الوقت. وإن تعالي أصوات هادي العامري وتقديم نفسه وسيطًا بين الحكومة والميليشيات هو محاولة لحماية الميليشيات من جهة، وضمان بقائها من جهة أخرى، فضلًا عن تهدئة حكومة الزيدي، التي جاء رئيسها بموافقة المالكي والخزعلي والحكيم والعامري نفسه، وهم من أبرز قادة الإسلام السياسي الشيعي. وهو السيناريو نفسه الذي جرى اعتماده مع الكاظمي ثم السوداني، ولكن بصورة أكثر هزلية.
وعلى العموم، فإن شخصية مثل إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، وهي المؤسسة المتواطئة في تصفية المئات من المتظاهرين في العراق خلال أيام انتفاضة أكتوبر، والمسؤولة عن التغيير الديموغرافي الطائفي في محافظات بابل ونينوى وكركوك وصلاح الدين وديالى، لا يمكنها عقد اجتماع مع الميليشيات وقادتها من دون حماية من سلطة الإطار التنسيقي.
وقد بينت أحداث، سواء ذلك اللقاء أو اعتقال أحد قادة حركة النجباء في مدنية الناصرية من قبل جهاز مكافحة الإرهاب وتسليمه إلى الحشد الشعبي، طبيعة المسرحية التي لا يمكن لعلي الزيدي أن يؤديها باحترافية عالية. وأكثر من ذلك، كشفت التقارير الإخبارية عن وجود مخطط لتصفية رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان- المهندس السياسي لهذه المرحلة- الذي تغير بوصلته بتغيير رياح التوازنات السياسية في المنطقة، وهو ما يدل على التلاحم بين الميليشيات وجناحها السياسي، الإطار التنسيقي، الذي يوفر مظلة سياسية وقانونية لهذه الميليشيات.
وبالتالي، فإن حصر سلاح الميليشيات يعني تقويض سلطة الإسلام السياسي الشيعي وتقويض أركانها وتدمير ما تم بناؤه خلال هذه السنوات، وخاصة بعد صدور «الفتوى الكفائية» عقب احتلال عصابات داعش لثلث مساحة العراق.
والسيناريو الأكثر قتامة الذي تخاف منه هذه الميليشيات هو سيناريو أفغانستان، ولكن بصورة أكثر تراجيدية، بعد الانسحاب الأمريكي من العراق.
ويتمثل هذا السيناريو في أن يتحول العراق إلى ساحة مفتوحة استخباراتيًا وأمنيًا وعسكريًا لإسرائيل، بعد أن كان الوجود الأمريكي يمنع التوغل الإسرائيلي، كما حدث في لبنان وسوريا وإيران. وليس هذا فحسب، بل إن اتفاقية مكة ستعطي مبررًا كبيرًا للتحالف الثلاثي، وخاصة تركيا والسعودية، لضرب النفوذ الإيراني الذي تستند هذه المليشيات وسلطتها السياسية في العراق عسكريًا وأمنيًا.
إن 30 أيلول/سبتمبر هو يوم بدء مرحلة سياسية جديدة. وبالتأكيد، لن تكون حكومة الزيدي، كما كانت سابقتها، قادرة على حسم مصير الدولة بما يتناقض ويعارض سلطة الإسلام السياسي الشيعي. الزيدي لن يكون قادرًا على تحقيق الشروط الأمريكية إلا إذا ذهب بإشعال حرب أهلية أو طلب إعادة احتلال العراق من قبل أمريكا. ففي الحالة الأولى فأن مبادرة الحرب الاهلية بيد النظام الحاكم في إيران وهو لا يذهب إليه طالما بقى بعيدا عن اسقاطه، والثانية لا تمضي لها؛ لا ادارة ترامب ولا اية إدارة أمريكية لانه ببساطة، العصب المالي للاقتصاد العراقي بيد البنك الفدرالي الأمريكي فلا تحتاج لاعادة احتلال العراق.
إن ما تنثره الحكومة هنا وهناك حول حصر السلاح بيد الدولة ليس سوى مساعي فاشلة لإثبات وجودها ومحاولة لكسب الوقت، وبإيعاز من الإطار التنسيقي، وبالقدر نفسه لا يعدو أن يكون اكثر من فقاعة إعلامية. وما يقال بأن هناك صراع بين اجنحة الاطار التنسيقي حول بقاء المليشيات من عدمه هو في الحقيقة صراع عن إيجاد مخرج من المأزق الذي فرضته الإدارة الامريكية واستراتيجيتها السياسية عليه.
أخيرًا، أمام هذا الخوف والرعب والترقّب لدى سلطة الإسلام السياسي الشيعي من تداعيات الصراع بين النفوذَين الإيراني، الذي تستند إليه، والأميركي، الذي تتموّل منه ماليًا وسياسيًا، تعمل هذه السلطة حثيثًا على تسخين الخطاب الطائفي عبر إعادة تدوير أسطوانة السردية المتهالكة والمضلِّلة والكاذبة القائلة إن “الشيعة في خطر”؛ في الوقت الذي من رفع فيه درجة معاناة مَن تصنّفهم بـ«الشيعة» في المدن الجنوبية ووضعت غاليتهم تحت خط الفقر والبطالة هو سلطةُ الإسلام السياسي الشيعي ، وإن من قتل المتظاهرين هي ميليشيات هذه السلطة، ومن رهن مقدّرات جماهير العراق وثرواتها بيد ايران وامريكا هو هذه السلطة نفسها، ومن قمع الحريات وفرض الإذلال على النساء والحط من كرامتها هي السلطة ذاتها، ومن سرق أكثر من تريليون دولار من جيوب العمال والموظفين والكادحين في العراق هي هذه السلطة، ومن زوّج الأطفال القاصرين هي السلطة الشيعية، ومن أدخل المارينز الأميركي وفتح الباب لاحتلال العراق هي الجماعات نفسها التي تتبوأ سلطة الإسلام السياسي الشيعي، ومن جعل جماهير العراق تعيش في درجات حرارة تتراوح 50 مئوية من دون كهرباء هي سلطة الإسلام السياسي الشيعي نفسها.
إن ما اقترفته هذه السلطة من جرائم بحق مَن تصنّفهم بـ«الشيعة»، وتحاول تعبئتهم ليكونوا وقودًا في حربها غير المقدسة، يضاهي أضعاف ما ترويه سردية «مظلومية الشيعة» من جرائم عبر التاريخ، لو صحّت تلك السردية.



إرسال التعليق