جنرال يستحق كل الأوسمة و النياشين التي حصل عليها
راتب جمل
لن تجد قائداً عسكرياً في أي جيش في العالم يستحق كل هذه النياشين والأوسمة التي يحملها إلا هذا الرجل!
في دولةٍ تُعدم فيها القيادات برصاصة في الخفاء، وتُمسح فيها الصور بجرّة قلم؛ عاش رجلٌ واحد كان عصيّاً على الكسر..
رجلٌ لم ترتعد فرائصه أمام الجلادين، بل جعل الجنرالات والمارشالات ينحنون له إجلالاً وخوفاً.
كان يعلم أن ساطور الـ NKVD يتربص به، وأن الثعلب بيريا ينسج له الشباك ليل نهار.. لكنه كان يحمل سلاحاً لا يملكه أحد في موسكو: حب الجيش وولاء الأمة بأكملها!
المارشال «جيورجي جوكوف».. الرجل الذي قهر الجيوش النازية، وأسقط إبليس الكرملين في عقر داره!
وُلد جوكوف لعائلة فلاحٍ فقير في قرية ستريلكوفكا بمقاطعة كالوغا في روسيا. لم يكن في الحسبان أن يكون يوماً قائداً عسكرياً له شأنٌ في بلده؛ ففي مراهقته عمل متدرباً في صناعة الفراء.
وبالصدفة، ودون أي تخطيط منه، جُند في الجيش الإمبراطوري الروسي عام 1915 خلال الحرب العالمية الأولى، وخدم في سلاح الفرسان؛ وهناك ظهرت شجاعة الشاب جوكوف في المعارك وحصل مرتين على صليب القديس جورج لشجاعته.
وعند اندلاع الحرب الأهلية بين الجيشين الأحمر والأبيض، انضم جوكوف إلى الجيش الأحمر عام 1918، وتدرج في الرتب حتى أصبح متخصصاً في الحرب المدرعة.
تمتّع جوكوف بعقلية عسكرية استثنائية، وكان لا يعرف الهزيمة؛ ففي عام 1939، قاد القوات السوفيتية في منغوليا قبل أن تنفجر الحرب العالمية الثانية، حيث أرسله ستالين لمواجهة الإمبراطورية اليابانية على حدود أوراسيا (في معركة خالخين جول).
وهناك، أبدع جوكوف في استخدام الدبابات، وسحق الجيش الياباني تماماً، ليجبر طوكيو على توقيع معاهدة تحييد جعلتها تخشى المساس بالحدود السوفيتية طوال الحرب العالمية الثانية!
وعندما زحفت القوات النازية حتى أبواب الكرملين، تولى جوكوف القيادة؛ أدار معركة دفاع موسكو، وكسر حصار لينينغراد، وخطط لمطبخ معركة “ستالينغراد”، وصولاً إلى اقتحام برلين ورفع العلم السوفيتي فوق «الرايخستاغ» بنفسه عام 1945!
صنع جوكوف ما لم يصنعه أحد من قبل، وتلقى أرفع الأوسمة والنياشين حتى بات يُلقب بـ «مارشال النصر».
ولكن..!!
لأن الأنظار كلها كانت على هذا البطل، فبمجرد أن صمتت المدافع في أوروبا، بدأ وسواس الخوف يلتهم قلب ستالين؛ إذ رأى الرفيق الأكبر أن شعبية جوكوف الطاغية وسطوة هيبته بين الضباط قد تجعل منه “نابليون سوفيتي” يطيح به من على الكرسي!
وهنا، وجد «لافرينتي بيريا» فرصته الذهبية لتصفية حسابه مع المارشال الذي طالما احتقره واحتقر أجهزته الأمنية التي كان ينظر إليها على أنها وصمة عار في تاريخ الأمة السوفيتية.
وضع بيريا مكتب جوكوف وزوجته ومنزله تحت التنصت، وكان يجمع التقارير والمكالمات وحتى الأحاديث الخاصة بجوكوف في كل مكان، وادعى أن جوكوف ينسب لنفسه الفضل في النصر ويحتفظ بممتلكات غنمها من ألمانيا لنفسه.
اعتقل بيريا العشرات من الضباط المقربين من جوكوف وعذبهم لينتزع اعترافات تُدينه بالتآمر والإعداد لانقلاب عسكري!
لكن ستالين – ورغم شكه المرضي وخوفه من سلطة ونفوذ جوكوف داخل الجيش – كان يعلم أن إعدام “جوكوف” قد يتسبب في تمرد شامل داخل الجيش؛ وبدلاً من إعدامه، قرر تهميشه ونفيه؛ فُجرد من مناصبه الكبرى وأُرسل لإدارة أقاليم عسكرية نائية بعيدة عن موسكو!
بقي جوكوف في منفاه يعصر أسنانه غضباً ينتظر اللحظة الحاسمة لينتقم، فرجلٌ مثله لا يحب الهزيمة ولا يجدها خياراً..
حتى جاءت الفرصة في ربيع عام 1953؛ توفي ستالين، وظهر “بيريا” ليكشر عن أنيابه ويتجهز للاستيلاء على عرش الإمبراطورية.
أدرك قيادي الحزب «نيكيتا خروتشوف» أن أحداً لن يستطيع تقليم أظافر بيريا وقواته الأمنية المسلحة إلا شخص واحد يملك الولاء المطلق للجيش: المارشال جوكوف!
سريعاً استدعاه خروتشوف سراً إلى موسكو، واتفقا على خطة خاطفة لا مكان فيها للخطأ.
في 26 يونيو 1953، وفي منتصف اجتماع المجلس الأعلى للكرملين، وبينما كان بيريا يبتز الحاضرين بملفاتهم، أعطى خروتشوف الإشارة المحددة، فُتح باب القاعة فجأة!
دخل المارشال جوكوف بنفسه مرتدياً بزته العسكرية، ومعه طليعة من الضباط المسلحين بالرشاشات.
تقدم جوكوف بكل كبرياء نحو بيريا، وضع يده القوية على كتف “التنين المرعب”، وقال بلهجة آمرة قاطعة: «أنت قيد الاعتقال يا بيريا!»
تجمد بيريا في مكانه، وشحب وجهه، وسقطت نظارته الشهيرة فور أن رأى نصل الساطور العسكري يتجه لنحره!
قاد جوكوف عملية شل حركة أجهزة الأمن والقبض على “عصابة بيريا”، وأشرف بنفسه على تأمين العاصمة حتى أُعدم بيريا رصاصاً في القبو!
عاد جوكوف إلى سلطته وأصبح وزيراً للدفاع عام 1955، وساعد نيكيتا خروتشوف في تعزيز سلطته. ولكن، وبطبيعة النظام السوفيتي، وبعد أن أخذ خروتشوف ما يريده منه، أُقيل مرة أخرى عام 1957، ليصبح البطل الذي أنقذ الاتحاد تحت الإقامة الجبرية داخل مسكنه، ممنوعاً من الحديث أو التنقل بحرية إلى أن توفي في موسكو في 18 يونيو 1974، ودُفن بتشريفات كاملة عند جدار الكرملين.
أُعيدت مكانته تدريجياً في السنوات اللاحقة.
حصل جوكوف طوال حياته على العديد من الأوسمة والجوائز والنياشين،حصل على لقب “بطل الاتحاد السوفيتي” أربع مرات، وعلى العديد من الأوسمة العليا، منها وسام النصر مرتين.
ويُحتفى به اليوم في روسيا كبطل قومي، ويوجد له تمثال فروسية بارز قرب الساحة الحمراء في موسكو، كما سُمي “وسام جوكوف العسكري” الروسي تكريماً له.
أنقذ جوكوف الاتحاد السوفيتي من مخالب هتلر، ثم أنقذه مرة أخرى من أنياب بيريا.. ليظل في التاريخ السوفيتي الشجرة الشاهقة التي لم تستطع سكاكين الـ NKVD قطعها!
فمهما بلغت سطوة الجلادين ومكائد الظلال.. يظل التاريخ يمنح كلمته الأخيرة للرجال الذين كتبوا مجدهم بالدم والشرف في الميدان، لا بالسم والتعذيب في الأقبية!



إرسال التعليق