الكذب ليس مهارة بل حبل مشنقة: كيف يدمر الخداع الأمان الاجتماعي؟
بطاش عيسي
في زمن تداخلت فيه المفاهيم وغُسلت فيه بعض الحقائق، بات البعض ينظر إلى “الكذب” و”التلاعب بالحقائق” كنوع من الذكاء الاجتماعي، أو مهارة دبلوماسية يتفاخر بها صاحبها في المجالس. يُسمونها تارة “مرونة” وتارة أخرى “شطارة”، لكن الحقيقة الاجتماعية والنفسية أعمق وأخطر من ذلك بكثير؛ فالكذب ليس ذكاءً ولا مهارة، بل هو حبل خفي يلفه صاحبه حول عنقه وهو لا يشعر.
دهاء وهمي وثمن رخيص
قد يتوهم الكاذب في بادئ الأمر أنه بارع في نسج الحكايات، يمتلك قدرة فائقة على تلوين الحقيقة وتجميلها بدهاء ومكر لتناسب هواه أو لتنقذه من موقف محرج. هو يظن أنه “يربح لحظة” عابرة، أو يحقق مكسباً سريعاً، لكنه في الواقع يشتري هذا الوهم بثمن رخيص جداً يسقطه من عين نفسه وعين المجتمع لاحقاً.
إن هذا البناء الهش ليس إلا متاهة مظلمة يشيّدها الكاذب بملء إرادته؛ فكل كذبة يطلقها تولد معها حاجة حتمية لكذبة أخرى لتسترها، وكل خيط مشبوه يستدعي خيطاً آخر لتثبيته، حتى تتشابك الخيوط وتضيق وتثقل حول عنقه وصورته الاجتماعية، فيجد نفسه في النهاية مختنقاً داخل شباكه، عاجزاً عن التذكر أو النجاة عندما تنكشف الحقائق.
عبء الذاكرة المثقلة مقابل طمأنينة الصدق
من الناحية الاجتماعية، يعيش مدمن الكذب مأساة حقيقية؛ فهو دائم التوتر، يحمل على عاتقه ذاكرة مثقلة ومجهدة خوفاً من تناقض رواياته، ويعيش أسيراً وقلقاً ترقباً للحظة الانكشاف وسقوط القناع.
في المقابل، يتجلى الصدق كطوق نجاة وصمام أمان للمجتمعات:
- طريق واحد مستقيم: الصدق لا يتفرع ولا يحتاج إلى تبريرات معقدة.
- حرية نفسية: الصادق لا يحتاج إلى ذاكرة خارقة ليحفظ تفاصيل خداعه، ولا يخاف من مواجهة الناس.
- راحة البال: من اعتاد على الصدق نام مطمئن البال، مستقر النفس، يحظى باحترام وتقدير المحيطين به.
إن المجتمع الحقيقي لا يبنى على الخداع؛ فالروابط الأسرية والمهنية والاجتماعية التي تقوم على الكذب تنهار عند أول عاصفة. ويبقى الدرس الاجتماعي الخالد: إن الصدق، وإن كان مراً وقاسياً في بعض الأحيان، يظل أنبل وأقصر الطرق نحو كسب القلوب وبناء الثقة، أما من أدمن الكذب، فسيظل يرسف في أغلال واهية نسجتها يداه حتى تدمره بالكامل.



إرسال التعليق