التهديد الأخطر لإيران الآن
أزمة القرار في طهران… حين يصبح الانقسام أخطر من التهديد الخارجي
سعاد عزيز
کاتبة مختصة بالشأن الايراني
لم تكشف التطورات الأخيرة المتعلقة بتعليق الضربة العسكرية الأمريكية وما رافقها من جدل بشأن مستقبل التفاوض ومضيق هرمز عن تراجع حدة التوتر في المنطقة، بقدر ما كشفت عن حقيقة أكثر أهمية، وهي أن الأزمة الكبرى باتت داخل النظام الکهنوتي نفسه. فما ظهر إلى العلن من سجالات حادة بين أجنحة السلطة يؤكد أن معركة البقاء لم تعد مع الخارج، وإنما بين مراكز القوى المتصارعة في الداخل.
لقد اعتاد هذا النظام أن يوظف الأزمات الخارجية لإظهار نفسه كجبهة واحدة متماسكة، غير أن المشهد الأخير نسف هذه الصورة. فبين من يدعو إلى التشدد ورفض أي تفاوض، وبين من يرى أن الاتفاق أصبح ضرورة لتجنب الانهيار الاقتصادي، برزت هوة سياسية يصعب ردمها، لأنها ليست خلافا حول الوسائل، بل حول كيفية إنقاذ نظام تتآكل مقومات بقائه يوما بعد آخر.
والمفارقة أن كلا التيارين ينطلق من الشعور ذاته بالخطر. فالمتشددون يخشون أن يؤدي أي تنازل إلى انهيار هيبة النظام وفتح الباب أمام مطالب داخلية لا يستطيع احتواءها، فيما يدرك دعاة التفاوض أن استمرار المواجهة سيضاعف الضغوط الاقتصادية ويزيد من غضب مجتمع أنهكته البطالة والتضخم وتراجع مستويات المعيشة. وبين هذا وذاك، يقف النظام عاجزا عن اتخاذ قرار يحسم اتجاهه.
أما التخبط الذي رافق التصريحات المتناقضة بشأن مضيق هرمز، فقد كشف جانبا آخر من الأزمة. فحين تتحدث بعض المنابر عن وساطات وترتيبات لخفض التصعيد، بينما تسارع الأجهزة الأمنية إلى نفيها، فإن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج واحدة: لا يوجد موقف موحد، ولا مركز قرار قادر على ضبط إيقاع السياسة الإيرانية. وهذا بحد ذاته مؤشر على تراجع قدرة المؤسسة الحاكمة على إدارة الملفات الحساسة.
وتبدو المشكلة أكثر عمقا عندما يصبح المرشد عاجزا عن احتواء هذا التباين أو فرض رؤية تجمع الأطراف المتنافسة. فالسلطة التي قامت على مركزية القرار تواجه اليوم واقعا مختلفا، حيث تتنازع المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية رسم ملامح المرحلة المقبلة، في مشهد يعكس تصدعا داخليا أكثر مما يعكس تنوعا في الآراء.
إن أخطر ما يواجه النظام الإيراني اليوم ليس احتمال اندلاع مواجهة عسكرية، ولا تعثر المفاوضات مع الغرب، بل فقدانه القدرة على إنتاج قرار موحد. فالنظام الذي يعجز عن الاتفاق على كيفية التعامل مع أخطر التحديات، سيكون أكثر عرضة للاهتزاز كلما تصاعدت الضغوط الشعبية واتسعت الهوة بين السلطة والمجتمع.
ومن هنا، فإن أزمة التفاوض والجدل حول مضيق هرمز لا تمثلان حدثين منفصلين، بل هما مرآة لأزمة حكم تتعمق باستمرار. وعندما تتحول الانقسامات الداخلية إلى عبء على القرار السياسي، فإن بداية التراجع لا تأتي من الحدود، وإنما من داخل أروقة السلطة نفسها، حيث تتصارع أجنحة الحكم على إدارة أزمة باتت أكبر من قدرتها على الاحتواء.



إرسال التعليق