صوتٌ لا يُقبر: عندما يُقلق الضريحُ عرشَ الطغاة

حيدر حسين سويري
أقول على لسات الامام الحسين عليه السلام في أحد أبيات قصيدتي (صوت الابدية):
سَتَذْهَبُ رِيحُكُمْ وَتَظَلُّ رِيحِي*عُلُوجَ الظُّلْمِ يُقْلِقُهَا ضَرِيحِي

تاريخُ البشرية ليس سوى صراعٍ سرمديٍّ بين فكرتين: فكرةٍ تسعى لامتلاك اللحظة بالقوة والبطش، وفكرةٍ
تسعى لامتلاك الأبدية بالحق والمبدأ. وفي هذا الصراع، يقع الطغاة دائماً في الوهم ذاته؛ يظنون أن القوة
المادية، والسلطان الزائل، والجيوش العاتية هي القول الفصل. يحسبون أن “ريحهم” ستظل عاصفةً تغشي
الأبصار، وأن صمت الخائفين هو إعلان بالهزيمة الأبدية. لكن التاريخ لا يفتأ يذكرنا بقانونٍ صارم: إن قوة
البطش مجرد زبدٍ يذهب جفاءً، بينما يظل أثرُ الأحرار ثابتاً في الأرض ينفع الناس.
فلسفة البقاء: الفرق بين الريحين
حين يتحدث الثائر عن قوله: «ستذهبُ ريحكم وتظلُّ ريحي»، فإنه لا ينطق برغبةٍ مجردة، بل يستند إلى
حقيقة قرآنية وتاريخية عميقة. فالريح في لسان العرب وفي النص الشريف هي القوة والنفوذ والدولة.
و”ريح” المستبدين—مهما بلغت من العتو—ريحٌ عقيم؛ لأنها قائمة على الخوف والمصلحة والترهيب،
وبمجرد أن تزول أدوات القمع تتلاشى تلك الريح وكأنها لم تكن.
أما “ريح” الحر الصادق، فهي أثر المبدأ الذي لا يموت. إنها الكلمة التي تُقال في وجه السلطان الجائر،
والموقف الذي يُسجل في لحظة فارقة. هذه الريح لا تحتاج إلى جيوش تحميها، لأنها تسكن في أفئدة الشعوب
وضمائر الأجيال، تتجدد كلما حاول الباطل خنقها أو طمس معالمها.
التاريخ يتكلم: تجربة هدم ضريح الحسين (ع)
لعل أبلغ مثالٍ تاريخي يجسد شطر البيت الثاني: «علوجَ الظلمِ يُقلقها ضريحي»، هو ما حدث مع ضريح
الإمام الحسين بن علي في كربلاء خلال العصر العباسي.
ففي عهد الخليفة المتوكل العباسي (في منتصف القرن الثالث الهجري)، بلغ الخوف من أثر الحسين
ومشهده ذروته. لم يكن المتوكل يخشى جيشاً يحاربه، بل كان يخشى “ضريحاً” صامتاً في العراء! كان يرى
أن توافد الناس إلى ذلك القبر، وتذكرهم لمأساة كربلاء ورفض الحسين للظلم، يشكل تهديداً وجودياً لشرعية
حكمه القائم على الاستبداد.
أصدر المتوكل أوامره الحازمة بهدم الضريح، ومحو القبر، وإجراء الماء عليه من نهر الفرات لتمحى
آثاره بالكامل، بل وحرّث الأرض حوله وزرعها، وفرض عقوبات زاجرة على كل من يزور المكان. ظن
المتوكل حينها أن جرافات سلطته قد حسمت المعركة، وأن محو حجارة الضريح هو محوٌ للفكرة من أذهان
الناس.
لكن ماذا حدث بعد ذلك؟
مات المتوكل وزالت دولته العباسية وسقطت أركانها، بينما بقي المكان شامخاً، وعاد الضريح يُبنى مرة
بعد أخرى بأيدي أجيالٍ متعاقبة، ليصبح اليوم منارةً شاخصة يقصدها الملايين من كل حدب وصوب. إن ما
جرى لم يكن مجرد صراع على بقعة جغرافيّة، بل كان نزالاً بين “علوج الظلم” وبين “ضريح الفكرة”. كان
الضريحُ —حتى وهو مهدوم— يُقلق مضاجع السلطة، لأنهم علموا أن الجسد وإن وُري التراب، فإن المبدأ
الذي مات من أجله يعيش في كل حر. وما صدام المقبور وحزبه العبثي عنكم ببعيد…
بقي شيء…
إن الخوف الذي يعتري الطغاة من مشاهد الأحرار وأضرحتهم وذكراهم هو الاعتراف الأوضح بهزيمتهم. إنهم
يدركون في أعماقهم أن سلطتهم استعارة مؤقتة، وأن الأبدية للذين قدموا أرواحهم قرباناً للحق. قد يملك
الظالم اليوم والقوة والبطش، لكنه يخشى المستقبل والذكرى والأثر. ستذهب ريحُ الطغيان وتتشتت كالدخان،
وستظل ريحُ الحق تعصف بعروشهم، ليظل ضريحُ الحر أقوى من كل أسلحتهم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك