دعوة من ألمانيا

منقول

قبل أيام دعاني جاري الألماني إلى شرب القهوة يوم السبت، من الرابعة حتى الخامسة والنصف
لم تكن دعوة بقدر ما كانت تصريح إقامة مؤقتًا داخل منزله، محدد البداية والنهاية، كان ينقصها رقم المقعد، وسعر التذكرة، وتحذير صغير يقول إن تجاوز مدة الزيارة قد يؤدي إلى الترحيل
وصلت عند الرابعة تمامًا، لأن التأخر في ألمانيا لا يثير شجارًا، لكنه يفهم أنك لا تستخدم الساعة، بل تعتمد على الإلهام، قد يبتسم لك بأدب، ثم يعاملك مستقبلًا كما تُعامل القطارات الألمانية بالتوقعات المنخفضة والدعاء
استقبلني، وأراني مكان الحذاء، ثم قدم القهوة وقطعتين من الكعك، واحدة لي، وأخرى له.
لم تكن هناك صينية عملاقة، ولا سبعة أنواع من المكسرات، ولا فاكهة تكفي لإعاشة قرية انقطعت عنها المؤن، ولا صوت قادم من المطبخ يعلن أن البيت خالٍ تمامًا من الطعام
والبيت العربي الخالي من الطعام يحتوي عادةً على ما يكفي لإنقاذ مدينة منكوبة، لكنه يفتقد الطبق التاسع الذي يحمي سمعة العائلة أمام الضيف
عند الخامسة وخمس وعشرين دقيقة بدأ جاري يجمع الأكواب، وعند الخامسة والنصف أعلن بابتسامة أن اللقاء كان جميلًا.
وهذه هي الطريقة الألمانية المهذبة في طرد الضيف، لا يطلب منك الرحيل، بل يقدم لك جملة تجعلك تتولى المهمة بنفسك، مع شعور غريب بالامتنان
عدت إلى منزلي وما زالت لدي طاقة تكفي للاستحمام والحديث مع أسرتي وربما تذكر اسمي، لم أحتج إلى إجازة مرضية، ولم أستمع إلى خلاف عائلي بدأ عام 1991، ولم يسألني أحد عن راتبي وإيجاري وخطتي لإنجاب طفل ثالث حتى يكتمل فريق كرة القدم
هناك فهمت أن الألماني حين يدعوك، لا يريد احتلال يومك كله، يريد رؤيتك ساعة ونصف، ثم يعود إلى حبك من مسافة آمنة
أما دعوة القهوة عند العرب، فهي عملية عسكرية لا يُعرف موعد انتهائها، وغالبًا لا ينجو منها جميع المشاركين بكامل وعيهم
تبدأ بفنجان قهوة، ثم يظهر الطعام بطريقة غامضة، ويتحول الطعام إلى سهرة، والسهرة إلى نقاش سياسي، ثم ديني، ثم معركة حول لاعب كرة قدم لا يعرف أحد من الجالسين اسمه كاملًا
وفي لحظة ما تكتشف أن الساعة أصبحت الثانية صباحًا، وأن طفل صاحب البيت نام فوق ساقك، وأن الدم توقف عن الوصول إلى قدمك منذ ساعة، لكنك تخشى تحريكها كي لا يستيقظ الطفل فتُفتتح مرحلة جديدة من السهرة
وحين تحاول المغادرة، ينظر إليك الجميع كما لو أنك تخليت عن رفاقك في ميدان القتال.
بعض الضيوف يكون قد فقد القدرة على التركيز، وبعضهم يتثاءب بطريقة تهدد بابتلاع الطاولة، وآخر يحدق في هاتفه منتظرًا كارثة عائلية تمنحه عذرًا مقبولًا للهرب، لكن لا أحد يريد أن يكون أول المنسحبين
فالذي يغادر مبكرًا قد يُتهم بأنه تغير منذ سفره إلى أوروبا، وكأن السفر مرض عصبي يجعل الإنسان غير قادر على الجلوس ست ساعات فوق كرسي بلاستيكي والاستماع إلى القصص نفسها
المشكلة ليست في الزيارة وحدها، بل في عجزنا المزمن عن قول كلمة صغيرة اسمها .. لا
يقولها الألماني ثم يذهب لشراء الخبز، ويتمشى، ويقرأ كتابًا، وينام دون أن يستيقظ عند الثانية ليلًا متسائلًا إن كان ينبغي أن يرفق رفضه بوجه مبتسم وقلب أحمر وتقرير يثبت أنه ما زال إنسانًا محترمًا
أما العربي فيحتاج إلى محامٍ وشاهدين وتقرير طبي كي يرفض مناسبة لا يريدها.
يبدأ كلامه بالتأكيد أن صاحب الدعوة عزيز وغالٍ، وأن المناسبة تسكن قلبه، وأنه كان يتمنى أن يكون أول الحاضرين، ثم يمرض الطفل، وتتعطل السيارة، وتتغير حالة الطقس، وتقرر خالته فجأة السفر من مدينة بعيدة
تُصاب الأسرة كلها بالمصائب، وتتحرك وسائل النقل، وتتبدل خرائط الطقس، فقط لأنه لم يستطع أن يقول إنه لا يرغب في الحضور
لقد أرسل خالته المسكينة في رحلة وهمية كي يحافظ على الصداقة.
فنحن نربط الطيبة بالاستنزاف، الإنسان الأصيل في نظرنا هو الذي يفتح هاتفه في كل وقت، ويجيب عن كل رسالة، ويحضر كل مناسبة، ويستمع إلى المشكلة نفسها للمرة الثامنة، ثم يعود إلى بيته فارغًا كعلبة عصير شرب منها الحي كله
يمنح الغرباء صبره وابتسامته وأفضل ساعاته، ثم يصل إلى زوجته وأطفاله كجهاز يحتضر، يضيء للحظة، يصدر صوتًا غريبًا، ثم يغلق
ومع ذلك نصفه بالرجل الاجتماعي المحبوب.
أما الألماني فيغلق هاتفه، ويرفض الدعوة، ويذهب للمشي وحده، فنعلن أنه بارد وأناني، مع أنه ربما أدرك فقط أن صحته النفسية ليست محطة شحن مجانية أقامتها البلدية لخدمة المواطنين
فالطاقة النفسية محدودة، وبعض البشر يشبهون التطبيقات التي تعمل في خلفية الهاتف، لا تستخدمها، ولا تستفيد منها، لكنها تلتهم البطارية في صمت
واحد غاضب منك، وثانٍ يريد نصيحة لن يطبقها، وثالث اختفى ستة أشهر ثم عاد يسأل إن كنت مشغولًا.
وهذا السؤال ليس اهتمامًا بوقتك، بل صفارة إنذار تعلن اقتراب كارثة عاطفية
إن أجبت، بدأت حلقة طويلة تعرف نهايتها منذ الدقيقة الأولى سيعود صاحبك إلى الشخص نفسه، وسيظل مديره شريرًا، وستُلقى نصائحك في القمامة فور انتهاء المكالمة
هو لا يريد حلًا، يريد فقط شهادة رسمية تؤكد أن الحق معه، وأن العالم تآمر عليه، وأنه آخر إنسان نقي في كوكب فاسد.
الألماني قد لا يمنحه هذه الشهادة، قد يخبره بأنه أخطأ، ثم يذهب إلى النادي لأن لديه موعدًا، ولأن العضلة التي دفع اشتراكها الشهري أهم في تلك اللحظة من إعادة تحليل العلاقة الفاشلة للمرة الحادية عشرة
وهنا تصطدم الصراحة الألمانية بالمجاملة العربية.
العربي لا يقول إن القميص قبيح، بل يؤكد أنه جميل ما دام صاحبه مرتاحًا فيه، وهذه العبارة تعني أن القميص قبيح، لكنه فضّل حماية صداقتك وترك كاميرات المناسبات تتولى الانتقام منك لاحقًا
تخرج بالقميص سعيدًا، ثم ترى صورتك بعد سنوات، فتفهم أن أصدقاءك لم يكونوا أصدقاء، بل خلية متكاملة للتستر على الكارثة.
الألماني يؤلمك بالحقيقة خمس دقائق، والعربي يسعدك بالمجاملة أعوامًا، ثم يترك ألبوم الصور ينتقم منك في الوقت المناسب
ولعل الألماني قادر على الصراحة لأنه لا يحتاج إلى الاحتفاظ بكل إنسان يقابله، يستطيع الذهاب إلى المطعم وحده، والسفر وحده، ومشاهدة فيلم وحده، دون أن يشعر بأن الأمم المتحدة مطالبة بإرسال بعثة لإنقاذه من العزلة
إن أراد صحبة، فقد يجد شخصًا يشاركه سهرة أو رحلة أو نشاطًا، ثم يعود كل منهما إلى حياته بلا وعود كبرى، وبلا منشورات غامضة عن الخيانة وسقوط الأقنعة
نحن أسرع في توزيع الألقاب، نتعرف إلى إنسان مساء الخميس، وفي صباح الجمعة يصبح أخًا لم تلده الأم، ثم نختلف معه يوم الأحد على فاتورة المطعم، فنعلن أن البشرية كلها فاسدة
أما الألماني فقد يعرفك سنوات ولا يزال يقدمك بوصفك معرفة وإذا منحك لقب الصديق، فربما تكون قد اجتزت اختبارات أكثر من تلك المطلوبة للحصول على الجنسية
لكن الصداقة حين تأتي بعد سنوات من التجربة تكون غالبًا حقيقية، لأن شخصين قادرين على العيش منفردين اختارا البقاء معًا
أن يختارك إنسان لا يحتاج إليك، أصدق من أن يتعلق بك لأنه لم يجد غيرك، وربما لهذا يبدو حب الكتب والحيوانات واضحًا عند كثير من الألمان
فالكتاب لا يتصل عند منتصف الليل ليسأل لماذا لم تضع قلبًا على رسالته، والكلب لا يسألك عن راتبك، ولا يقارن منزلك بمنزل ابن عمه، ولا يطلب مساعدتك في نقل الأثاث ثم يختفي يوم انتقالك أنت
أما القطة، فرغم غرورها، لا تنافقك، تحتقرك بوضوح، وهذه صراحة تستحق الاحترام.
يستطيع الألماني الجلوس مع كتاب ساعتين دون أن يشعر أنه يهدر حياته، بينما يفتح بعضنا الهاتف لدقيقة، ثم يرفع رأسه بعد ساعتين وقد عرف ماذا أكل شخص لا يعرفه، وأين سافر شخص لا يحبه، ولماذا تشاجر شخصان لا علاقة له بهما
ثم يعلن في حزن أنه لا يجد وقتًا للقراءة أو الرياضة، الوقت كان موجودًا، لكنه مات في بث مباشر لرجل يجلس داخل سيارته ولا يقول شيئًا
الألماني يتعامل مع الوقت كما يتعامل مع المال، لا يمنحه لكل من يمد يده، ولا يصرفه كله في أول الأسبوع، ثم يبكي في نهايته لأنه لم ينجز شيئًا
ومن النادر أن تدخل بيتًا ألمانيًا فلا تجد تقويمًا أو مفكرة أو تطبيقًا يحتوي على مواعيد الأسابيع المقبلة.
موعد الطبيب محدد، وزيارة الأم محددة، والرحلة محددة، وحتى الفراغ محجوز مسبقًا، كي لا يأتي شخص يشعر بالملل ويستولي عليه
ثم يسترخي في الموعد المحدد بدقة، وربما يشعر بالتوتر إذا تأخر الاسترخاء عشر دقائق
كنت أضحك من هذا التنظيم، ثم فهمت أن من لا يخطط لوقته، سيأتي الآخرون ويخططونه نيابة عنه.
هذا يريد زيارة، وذاك يحتاج خدمة، وثالث يشعر بالملل ويريد مكالمة، وفي نهاية الأسبوع تكتشف أنك نفذت جدول الجميع، بينما بقيت حياتك أنت بندًا مؤجلًا إلى إشعار آخر
لهذا لم أعد أرى الألمان باردين كما يصفهم البعض. أراهم، في كثير من الأحيان، متصالحين مع أنفسهم، يعرف الواحد منهم ما يحب، وما يرفض، ومن يستحق وقته، ومتى يغلق الباب
يحب القراءة فيقرأ، ويحب الطبيعة فيمشي، ولا يريد الحفلة فيعتذر، وتستنزفه علاقة فيغادر دون أن ينشر صورة ذئب وحيد تحت المطر
هو يبتعد، يركب دراجته، وتستمر الأرض في الدوران بصورة مستفزة.
وقد يرى البعض في هذا الكلام تملقًا للغرب أو ما يسمونه عقدة الخواجا
لا يهمني كثيرًا.
أنا لا أكتب من شرفة فندق زرته أسبوعًا، ولا أصف شعبًا شاهدته في فيلم وثائقي، أعيش بينهم وأعمل معهم، وأعرف أن لديهم المزعج والبخيل والمتكبر والممل، بل إن بعضهم قادر على الحديث عن الطقس بطريقة تجعلك تشتاق إلى قصة قطعة الأرض العائلية العالقة في المحاكم منذ الدولة العثمانية
لكن الفكرة النافعة لا تصبح سيئة لأن صاحبها ألماني، كما لا تتحول الحماقة إلى حكمة لأن قائلها ابن عمك
الحكمة لا تحمل جواز سفر.
لا نحتاج إلى أن نصبح ألمانًا، ولا إلى التخلي عن دفء العربي وكرمه، نحتاج فقط إلى خليط أقل ضررًا، أن نحتفظ بقلب العربي، ونتعلم من الألماني حماية الوقت
أن نكرم الضيف، لكن نسمح له بالمغادرة قبل أن تتوقف الدورة الدموية في ساق أحدنا، أن نحب أصدقاءنا، دون أن نسلمهم أعمارنا كاملة
أن نسأل عن أحوال الناس، دون أن نطلب رواتبهم وتاريخهم الطبي وخططهم للإنجاب، وأن نتعلم قول لا، ثم ننطقها بابتسامة عربية تمنع اندلاع حرب أهلية
فأجمل ما في العربي أنه يفتح لك بيته وقلبه، وأجمل ما في الألماني أنه يعرف متى يغلق الباب ويحمي ما بقي من يومه
أما الإنسان الحكيم، فهو الذي يعرف متى يدخل، ومتى يشرب القهوة، ومتى يغادر قبل أن تبدأ قصة قطعة الأرض القديمة
ثم يعود إلى منزله فيجد هاتفه ما زال يعمل، وينظر إلى نفسه فيكتشف أنه ما زال يعمل أيضًا
وهذا، في عالم يريد فيه الجميع قطعة من وقتك وأعصابك، إنجاز يستحق الاحتفال، والأفضل أن يحتفل وحده، وبصمت، ومن دون أن يكتب منشورًا يخبر فيه الناس بأنه بخير
فهذه المعلومة وحدها كافية لاستدعاء ثلاثة أشخاص، واحد يريد نصيحة لن يعمل بها، وثانٍ يريد خدمة كان يمكنه إنجازها بنفسه، وثالث سيسأله إن كان مشغولًا، مع أنه يعرف أن السؤال مجرد مقدمة لكارثة تستغرق ساعتين
لذلك، حين تجد أن بطاريتك ما زالت تعمل، لا ترفع مستوى الإضاءة كي يراك الجميع
اخفضها قليلًا، أغلق التطبيقات التي تعمل في الخلفية، وضع بعض البشر في وضع الصامت
فالحياة قصيرة، والطاقة محدودة، والذين يشمون رائحة الراحة فيك يصلون عادةً قبل أن يكتمل الشحن.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك