ناهد بن سيدهم تقدم قصة “جنى و سيد الظلام” المتوفرة حاليا بدار النشر المكلفة بالطبع
من أعمال الكاتبة و الأديبة التونسية ناهد بن سيدهم ، قصة “جنى و سيّد الظَّلام” التي تقول فيها ، بابها على عالمٍ يشبه الحلم ، غابةٌ تغسل أوراقها بالندى و كوخ صغيرٌ عند حافّة الحقول و إمرأةٌ طيّبة تُدعى : أمينة تحمل في قلبها حنينًا عميقًا إلى طفلٍ يملأ صمت بيتها و يناديها في آخر التعب : أمّي . كانت أمينة كائنًا من الرحمة ؛ تُهدي المارّين تمرًا أو دعاءً و تمنح الفقراء دفىء الكلمة قبل دفىء اليد ، غير أنّ قلبها ظلّ غرفةً موحشةً تنتظر ضحكةً صغيرةً تفتح نافذتها على الفرح .
و في صباحٍ غائم ، حين كانت تجمع الحطب في الغابة ، ظهر لها سيّد الظَّلام : مخلوقٌ مهيبٌ طويل الظل في عينيه قسوةٌ و حزنٌ قديم . لم يأتِ صارخًا بل جاء حاملًا جوابًا لدعائها ؛ أعطاها حبّة قمحٍ ذهبيّة و وعدها بأنّها إذا زرعتها خلف كوخها نبتت سنبلةٌ عجيبة و في قلبها طفلةٌ جميلة ، غير أنّ العطيّة لم تكن بريئةً تمامًا ؛ فقد كان لها عهدٌ ثقيل ، إذا بلغت الطفلة عامها السابع عشر 17 ، عاد سيّد الظَّلام ليطلب نورها ، زرعت أمينة الحبّة و هي ترتجف بين الخوف و الرجاء و سقتها بدمع الدعاء لا بماء الأرض وحده و ما هي إلّا أيّامٌ حتّى شقّت التربة ساقٌ رقيقة ، ثم اخضرّت ثم صارت سنبلةً ذهبيّة كأنّ الشمس خبّأت فيها سرًّا من أسرارها و حين تفتّحت السنبلة وجدت أمينة في قلبها طفلةً وادعةً ، يتنفّس وجهها مثل فجرٍ جديد و في جبينها لمعةٌ لطيفةٌ كأنّها خيطٌ من نور ، حملتها أمينة إلى صدرها و سمّتها جنى ، لأنها جنى صبرها و ثمرة دعائها و النور الذي أعاد الحياة إلى كوخٍ كان صامتًا ، كبرت جنى كما تكبر زهرةٌ تعرف طريقها إلى الشمس ، كانت ذكيّةً، رقيقةً تسمع ما لا يسمعه الآخرون و تصغي إلى الأشجار كأنّها تفهم لغتها الخفيّة ، كانت تساعد أمّها و تسقي النباتات و تحمل الماء للعصافير و تمشي في الغابة بقلب نقيٍّ جعل الطبيعة تفتح لها أسرارها و مع ذلك ظلت في عيني أمينة غيمةٌ لا تمطر ، خوفٌ صامتٌ يكبر كلّما إقتربت جنى من عامها السابع عشر .
و حين دقّت ساعة الحقيقة ، ظهر سيّد الظَّلام في حلم أمينة يذكّرها بالعهد القديم لم تعد الأمّ قادرةً على إخفاء السرّ ، فصارحت ابنتها بكلّ شيء غير أنّ جنى لم تنكسر و لم ترَى نفسها دَيْنًا يجب سداده و لا هبةً يجوز استردادها ، قالت لأمّها بصفاءٍ عظيم : إنّها ليست شيئًا يُؤخذ، بل إنسانٌ حرٌّ برحمة الله و إنّ النور لا يُطفأ و لا يُسلَّم للخوف و من هنا تبدأ البطولة الحقيقيّة في القصّة : بطولة القلب حين يختار الحكمة بدل الرعب و المحبّة بدل الإنتقام و الفهم بدل الهروب ، تصعد جنى مع أمّها إلى شيخٍ حكيمٍ يسكن أعلى الجبل ، فيكشف لهما سرّ سيّد الظَّلام : إنّه ليس شرًّا مطلقًا بل قلبٌ وحيدٌ نسي كيف يطلب النور ، فظنّ أنّه لا يُنال إلّا بالقوّة يمنح الشيخ جنى رسائل من الطبيعة ، بذورًا و قصبًا و ملحًا و فلفلًا أحمر ؛ لا لتقاتل بها بل لتعلّم سيّد الظَّلام درسًا لا تعرفه القسوة : أنّ الأشياء الصغيرة حين تقودها الحكمة تستطيع أن تغيّر مصيرًا كاملًا ، إذ و في ليلة الموعد يأتي سيّد الظَّلام مطالبًا بنور جنى ، فتخرج إليه ثابتةً كأنّ قلبها يحمل قمرًا لا يرتجف . لا تواجهه بالسيف و لا بالصراخ ، بل تسير في الغابة و تترك للطبيعة أن تتكلّم ، تنثر البذور فتنهض نباتاتٌ تُبطئ خطاه من غير أن تؤذيه ، ثمّ يعلو القصب بموسيقاه فيوقظ في داخله أسئلةً نسيها ثمّ يفتح الملح بحرًا صافيًا يحمل جنى و يتركه حائرًا على الضفّة و أخيرًا يوقظ الفلفل في أنفه ضحكةً بعيدةً كأنّها أوّل شقٍّ في جدار العتمة ، عندئذٍ لا تعود الحكاية مطاردةً بين طفلةٍ و كائنٍ مخيف ، بل تصبح لقاءً بين نورٍ يعرف الرحمة و ظلٍّ أنهكته الوحدة تفهم جنى أنّ سيّد الظَّلام لا يحتاج إلى سرقة نورها ، بل إلى أن يتعلّم كيف يزرع نوره الخاصّ تمنحه بذرةً صغيرةً و تقول له إنّ النور لا يؤخذ من قلوب الآخرين ، بل يُزرع في الأرض و يُسقى بالصبر و يُحرس باللطف و هنا تنقلب النهاية انقلابًا بديعًا لا ينتصر أحدٌ على أحد و لا يُسحق الظلام و لا تُمحى العتمة بل يتعلّم الظلّ أن يكون رفيقًا للنور لا عدوًّا له ، لتنتهي القصّة نهايةً دافئةً تلامس القلب بعودة العهد إلى مكانه الصحيح و تعود جنى إلى أمّها لا كطفلةٍ نجت من الخطر فحسب بل كروحٍ أدركت أنّ الشجاعة ليست أن نهزم من يخيفنا ، بل أن نفهم جرحه من غير أن نسمح له بأن يسلبنا نورنا ، أمّا سيّد الظَّلام فيغادر و قد حمل بذرةً بدل أن يحمل نورًا مسروقًا ، حمل وعدًا بأن يتعلّم الحنان و أن يسقي أرضه و أن يكتشف أنّ القلعة التي تُضاء من الداخل أجمل من كلّ قلعةٍ تخطف ضوء الآخرين ، إنّ “جنى و سيّد الظَّلام” ليست حكايةً عابرةً عن طفلةٍ و غابةٍ و كائنٍ غامض ، بل إنّها قصّةٌ عن الخوف حين يتهذّب بالحكمة و عن الأمومة حين تُضيء العتمة بالدعاء و عن النور حين يثبت أنّه لا يُسرق لأنّه ليس شيئًا في اليد ، بل قوّةٌ في القلب إنّها تقول بلغةٍ شفّافةٍ و ساحرة “إنّ الظلام لا يُهزم دائمًا بالمواجهة بل قد يُشفى ببذرة و ضحكة و كلمة رحيمة و قلبٍ لا يسمح للخوف أن يكون سيّد الحكاية ، القصة متوفرة حاليا على مستوى دار النشر المكلفة بطبع الكتاب و ستكون قيمة مضافة إلى مشهد الإبداع الأدبي ، حيث تجمع بين التشويق و الخيال و التي تستدعي التأمل في أبعاد النص و دلابالاته .
الطيب بونوة



إرسال التعليق