عندما تجلس القوة على كرسي و تنسى أين وضعت هيبتها
رشيد مصباح (فوزي)
في السياسة، لا تتحدث الكلمات وحدها، فالصور أيضا لها لغتها الخاصة. هناك زعماء يدخلون الاجتماعات حاملين ثقل دولهم، وهناك من يدخلونها وهم يحملون ثقل صورتهم الإعلامية فحسب. أما دونالد ترامب، فقد بدا في أكثر من مناسبة وكأنه يعتبر البروتوكول مجرد تفصيل ثانوي؛ يعلو صوته مع من يراهم أضعف منه، ويخفض نبرته أمام من يدرك أنهم ليسوا بحاجة إلى استعراض القوة لإثبات مكانتهم.
لقد رأيناه يتعامل بعنجهية مع بعض الرؤساء والملوك، ولا سيما من العالم العربي، في مشاهد لم تُسئ إلى الأشخاص بقدر ما أساءت إلى هيبة الدول التي يمثلونها. وفي المقابل، بدا أكثر تحفّظا وتهذيبا أمام قادة دول كبرى تمتلك من عناصر القوة ما يجعل لغة الاستعراض عديمة الجدوى.
لكن الصورة المتداولة من البيت الأبيض هذه المرة تحمل دلالة مختلفة. فما يلفت الانتباه فيها ليس مكان الاجتماع، وإنما مركز الثقل فيه. فصاحب البيت يبدو وكأنه يجلس على هامش المشهد، بينما تتّجه الأنظار إلى الضيف القادم من الخارج. إنها من تلك الصور التي لا تحتاج إلى كثير من التعليق، لأنها تفرض قراءتها السياسية على المتلقّي قبل أن تفرضها على المصور.
هناك من سيخرج ليحدّثنا عن ”اللّقاء المثمر“ و”العلاقات الاستراتيجية“ و”التنسيق“ و”التوثيق“… وربما يكون اللّقاء مثمرا بالفعل بالنسبة إلى أطرافه، لكن الشعوب تقرأ الصور والمشهد بطريقة مختلفة؛ فهي لا تبحث عما قيل في البيانات الرسمية، بقدر ما تراقب ما قيل بلغة الجسد: من جلس مطمئنا، ومن كان محور الاهتمام، ومن بدا وكأنه صاحب الكلمة المسموعة داخل القاعة.
وليس سرّا أن ترامب أظهر في مناسبات عديدة وجهين مختلفين في التعامل مع قادة العالم؛ وجها صاخبا يميل إلى الاستعلاء والعنجهية، عندما يتعلق الأمر بحلفاء أو أطراف يعتقد أنهم بحاجة إليه أكثر مما يحتاج إليهم. ووجها آخر أكثر هدوءا وتحفّظا، عندما يجلس أمام قادة يدرك حجم نفوذهم أو قوّة ووزن دولهم.
ومن هذا المنظور تحديدا، تبدو هذه الصورة لافتة للنظر. فنتنياهو يجلس مرتاحا، واثقا من نفسه، يتحدّث بأريحية كبيرة وسط الحضور، بينما يبدو الرئيس الأمريكي أقل حضورا في المشهد مما اعتاد أن يكون عليه داخل المكتب البيضاوي. وليس المهم هنا وضعية الجلوس في حد ذاتها، بل الانطباع الذي تتركه الصورة لدى المتلقّي، والانطباع في السياسة كثيرا ما يكون جزءا من الحقيقة، حتى وإن لم يكن الحقيقة كلها.
لهذا السبب تتجاوز أهمية هذه اللقطة بُعدها البروتوكولي. فهي تفتح الباب أمام أسئلة قديمة تتجّدد باستمرار حول طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وحول حدود التحالف وحدود النفوذ، وحول الجهة التي تمتلك في النهاية القدرة الأكبر على توجيه القرار أو التأثير فيه.
وقد يختلف الناس في قراءة هذه الصورة، لكن كثيرين سيرون فيها رسالة سياسية تتجاوز الأشخاص إلى ما هو أعمق: أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس دائما بمن يجلس على كرسي الرئاسة، بل بمن يمتلك القدرة على التأثير في القرار وصناعة الأولويات ورسم اتّجاه المصالح.
في النهاية، ليست الصورة مجرّد لقطة عابرة من لقاء رسميّ، بل درس سيّاسي، يذكّرنا بأن الدبلوماسية لا تُقاس بعدد التصريحات التي تُطلق، أو البيانات التي تُنشر.. وإنما بطريقة التعامل مع الأوضاع، بما ذلك الجلوس، ونظرات الحضور، ومن يملك حق الكلمة الأخيرة.
هيبة الدول يحفظها استقلال القرار، وليس شغل الكرسي وحده. وحين تفقد القوّة قدرتها على أن تكون سيّدة قرارها، قد تبقى جالسة على الكرسي نفسه، لكنها تنسى أين وضعت هيبتها.



إرسال التعليق