هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
د. محمود عباس
هل أنهت إسرائيل دور توماس باراك بعد فشله في سوريا ولبنان؟
لم يكن إعلان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في التاسع والعشرين من أيار/مايو 2026، أن لقب توماس باراك كمبعوث خاص إلى سوريا قد انتهى، مجرد تفصيل إداري أو تبديل بروتوكولي عابر، حتى وإن حاولت اللغة الدبلوماسية الأمريكية تغليفه بعبارات الثناء، والقول إن باراك سيواصل لعب دور قيادي في سوريا والعراق. فالسياسة لا تُقرأ من جمل المجاملة الرسمية، بل من تراكم الوقائع، ومن النتائج التي تتركها على الأرض. ومن هذه الزاوية، بدا انتهاء لقبه أقرب إلى إعادة ضبط سياسية هادئة، بعد سلسلة من الإخفاقات التي كشفت حدود مقاربته، لا سيما في الملف الكوردي، والملف السوري، والملف اللبناني، وفي ميزان العلاقة بين واشنطن وأنقرة، إضافة إلى الأثر السلبي الذي تركته سياسته على حسابات الحرب بين أمريكا وإيران، حيث لم تُضعف أدوات طهران بقدر ما أربكت حلفاء واشنطن، ووسّعت هامش المناورة أمام خصومها.
كان توماس باراك قد أعلن، في الثالث والعشرين من أيار/مايو 2025، توليه مهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، إلى جانب موقعه كسفير للولايات المتحدة لدى تركيا، في لحظة كانت فيها إدارة ترامب تعيد ترتيب سياستها السورية على قاعدة رفع العقوبات عن دمشق، والانفتاح على سلطة أحمد الشرع، وإعطاء تركيا مساحة واسعة في صياغة مستقبل سوريا. ومنذ تلك اللحظة، لم تكن مهمته منفصلة عن المزاج السياسي الأوسع لإدارة ترامب تجاه أنقرة؛ بل بدت، في كثير من جوانبها، انعكاسًا لسياسة فضّلت مصالح تركيا على حساب الحليف الكوردي، لا انطلاقًا فقط من كون تركيا عضوًا في حلف الناتو، بل من شبكة علاقات شخصية ومصلحية وسياسية ربطت ترامب وباراك بالدائرة التركية ومصالحها الإقليمية.
وهنا تكمن خطورة المسألة. فالعلاقة مع تركيا لم تُدار بوصفها علاقة دولية متوازنة بين حليفين داخل الناتو، بل بوصفها مساحة نفوذ شخصية وسياسية انعكست على حساب الكورد، وعلى حساب قوات سوريا الديمقراطية، وعلى حساب الإدارة الذاتية التي كانت الشريك الأكثر ثباتًا للولايات المتحدة في الحرب على داعش. وقد ظهر هذا الانحياز في مواقف باراك المتكررة، خاصة حين تحدث، في كانون الثاني/يناير 2026، عن أن دور قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش قد “انتهى إلى حد كبير”، وكأن آلاف المقاتلين الكورد والعرب والسريان الذين واجهوا التنظيم، وحرسوا السجون والمخيمات، ودفعوا ثمنًا بشريًا هائلًا، أصبحوا عبئًا يجب دمجه أو تصفيته سياسيًا لإرضاء دمشق وأنقرة.
لم يكن هذا التصريح زلة دبلوماسية، بل كان خلاصة رؤية سياسية خطيرة. فقد حاول باراك أن ينقل شرعية مكافحة الإرهاب من قوة أثبتت حضورها في الميدان إلى حكومة أحمد الشرع، وهي حكومة لم تختبر بعد بوصفها شريكًا موثوقًا، ولم تثبت قدرتها أو رغبتها في مواجهة أدوات إيران وحزب الله والتنظيمات المتطرفة. وفي هذا التحول، لم يكن باراك يضعف قسد وحدها، بل كان يضعف البنية التي قامت عليها استراتيجية واشنطن ضد الإرهاب في شمال وشرق سوريا، ويفتح الباب أمام فراغ أمني قد تستفيد منه تركيا، وأدوات إيران، وبقايا داعش، وكل القوى التي ترى في الكورد عقبة أمام مشاريعها.
وقد بدا عبث هذه السياسة أكثر وضوحًا في الملف اللبناني والسوري معًا. ففي لبنان، لم يستطع باراك فرض معادلة جدية لمواجهة حزب الله أو تقليص نفوذ إيران، رغم كل التصريحات والتحذيرات التي أطلقها. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025، بدأت تظهر مؤشرات أن زيارته إلى لبنان ستكون الأخيرة بصفته الرسمية في هذا الملف، وأنه سيسلّم المهمة إلى السفير الأمريكي الجديد ميشال عيسى. وهذا لم يكن عزلًا رسميًا معلنًا، لكنه كان، سياسيًا، إشارة إلى أن دوره اللبناني وصل إلى نهايته العملية، بعد أن عجز عن إنتاج اختراق حقيقي بين بيروت وتل أبيب، وبين مطلب نزع سلاح حزب الله وحسابات الواقع اللبناني والإقليمي.
أما في سوريا، فقد بلغ الاضطراب مستوى أوضح. فباراك، الذي كان لا يزال يوصف في الثامن عشر من أيار/مايو 2026 بأنه السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا خلال لقائه أحمد الشرع في دمشق، كان قد قدّم خطابًا متفائلًا عن “التقدم الملحوظ” في سوريا، وعن كون البلاد مختبرًا لترتيب إقليمي جديد. غير أن الوقائع على الأرض لم تكن تؤكد هذا التفاؤل بقدر ما كانت تكشف هشاشة الرهان. فحكومة الشرع لم تتحول إلى أداة حقيقية في مواجهة حزب الله أو إيران، ولم تُظهر استقلالًا كافيًا عن الحسابات التركية، ولم تقدّم ضمانة فعلية للكورد أو للإدارة الذاتية أو لقوات قسد.
لقد كان واضحًا أن تركيا لم تكن تريد دفع حكومة أحمد الشرع إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله أو أدوات إيران بالصيغة التي قد تخدم إسرائيل أو تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية خارج الحساب التركي. ولذلك ضغطت أنقرة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لمنع هذا المسار، أو على الأقل لتقييده بما يناسب مصالحها. وهنا ظهر ضعف باراك السياسي؛ فهو لم يتصرف كمبعوث أمريكي يفرض أولويات واشنطن، بل بدا في كثير من اللحظات كمن يتحرك داخل الهامش الذي تسمح به أنقرة. لم يجرؤ على معارضة التعطيل التركي بوضوح، ولم يستطع دفع الجولاني إلى خيارات تتعارض مع إرادة تركيا، وكانت النتيجة أن السياسة الأمريكية ظهرت تابعة لحسابات إقليمية ضيقة، لا قائدة لمسار دولي واضح.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم انتهاء لقبه كمبعوث خاص إلى سوريا بوصفه ردًا غير معلن على فشل مقاربته، وربما بوصفه رسالة إسرائيلية أيضًا، أو استجابة لضيق إسرائيلي من سياسة لم تنجح في تقليص نفوذ حزب الله وإيران، بل زادت المشهد تعقيدًا. فباراك لم ينجح في تحويل حكومة الشرع إلى قوة ضغط على أدوات إيران، ولم ينجح في حماية الحليف الكوردي، ولم ينجح في بناء توازن مقبول بين أمن إسرائيل ومصالح أمريكا وواقع سوريا الجديد. بل على العكس، ساهمت سياسته في إضعاف الطرف الأكثر جدية في محاربة الإرهاب، أي قسد، وفي منح تركيا مساحة أكبر للضغط على الكورد، وفي زيادة الشكوك الكوردية تجاه واشنطن.
إن خطورة سياسة باراك لم تكن في أنها فشلت فقط، بل في أنها فشلت بطريقة زادت الخطر على المصالح الأمريكية والأمن الإسرائيلي معًا. فقد أضعفت الثقة بالحليف الكوردي، وفتحت المجال أمام أنقرة لتوسيع نفوذها، ولم تقلّص قوة أدوات إيران، ولم تمنع تمدد البيئات التي تستفيد منها التنظيمات المتطرفة. بل يمكن القول إن إضعاف قسد والإدارة الذاتية كان، عمليًا، خدمة مجانية لكل القوى التي تخشى نموذج شمال وشرق سوريا، من تركيا إلى إيران، ومن الجماعات المتطرفة إلى بقايا النظام الأمني القديم.
والأخطر أن هذه السياسة ساهمت في إرباك الموقف الغربي الأوسع. فحين ترى أوروبا وحلف الناتو أن واشنطن تقترب من ترتيبات غامضة، وتراهن على سلطة دمشق الجديدة دون ضمانات، وتضع الحليف الكوردي تحت الضغط لصالح تركيا، فإن استعدادها للوقوف بثقة خلف الرؤية الأمريكية في مواجهة إيران وأدواتها يصبح أقل حماسة وأكثر حذرًا. فالشركاء لا يثقون بسياسة تضحي بمن قاتل الإرهاب، ثم تطلب منهم دعمها في حربها على الإرهاب ذاته.
لذلك، لم يكن انتهاء لقب باراك حدثًا منعزلًا. إنه خلاصة مسار بدأ بتعيينه في أيار/مايو 2025، ومرّ بتراجعه العملي في الملف اللبناني في تشرين الأول/أكتوبر 2025، ثم بتصريحه الخطير عن انتهاء دور قسد في كانون الثاني/يناير 2026، وصولًا إلى لقائه أحمد الشرع في دمشق في أيار/مايو 2026، ثم إعلان روبيو أن لقبه كمبعوث خاص إلى سوريا قد انتهى. وبين هذه المحطات، تكشفت صورة دبلوماسية مرتبكة، منحازة، قصيرة النظر، وضعت مصالح تركيا فوق الحليف الكوردي، وقدّمت حسابات شخصية وسياسية ضيقة على حساب تحالف بُني بالدم في مواجهة الإرهاب.
قد لا تسمي واشنطن ذلك عزلًا، وقد تفضّل أن تسميه انتهاء لقب أو إعادة توزيع أدوار. لكن الذاكرة السياسية لا تهتم كثيرًا بالمفردات الناعمة. فالنتيجة كانت واضحة: توماس باراك أضعف ثقة الكورد بأمريكا، أربك موقع قسد، خدم الرؤية التركية في سوريا، فشل في كبح حزب الله وأدوات إيران، وزاد من هشاشة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وهذه، في السياسة، ليست نهاية لقب فقط، بل شهادة فشل لرؤية كاملة ظنت أن الطريق إلى استقرار سوريا يمر عبر إرضاء أنقرة وخذلان الكورد.
ونأمل أن يكون البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية، في مقارباتهما القادمة للشرق الأوسط، أكثر حكمة ودقة في اختيار المبعوثين والممثلين، بحيث لا يُرسَل إلى أكثر مناطق العالم حساسية دبلوماسيون على شاكلة توماس باراك، ممن يخلطون بين العلاقات الشخصية والمصالح الاستراتيجية، ويفضّلون حسابات دول إقليمية على حساب حلفاء أثبتوا ولاءهم في أصعب ميادين الحرب على الإرهاب. فالشرق الأوسط لا يحتمل دبلوماسية مرتجلة، ولا مبعوثين يقرأون خرائط الشعوب من بوابة أنقرة، ولا سياسات تُضعف الحلفاء الحقيقيين ثم تطلب منهم الثقة بواشنطن من جديد.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية



إرسال التعليق