ضائعٌ بين أقرانه الجـــــــــزء الثّالث

ضائعٌ بين أقرانه الجـــــــــزء الثّالث

(11)

*

م. فوزي

الجزائر

*

كنّا ثلاثة، المتحدّث و زميلي المرحوم (العيفة. و) برتبة ملحق إداري وأما الآخر فكان برتبة عون إداري، تم تعييننا ببلدية مــدوروش لفترة تربّص تدوم ستة أشهر.

وجدنا في استقبالنا رئيس البلدية؛ المرحوم (س. ل)، رئيس المجلس الشعبي البلدي آنذاك أي في سنة 1984؛ لطالما تسبّبنا له في وجع الرّأس أيّام الثّانوية وذلك بسبب تعطّل الحافلة الصغيرة التي كانت تنقلنا من وإلى سدراتة.

كان سي سليمان -رحمة الله عليه- طيّب الخلق، ذا قلب كبير -كما يقال- وصدر رحب. متواضعا جدا إلى درجة أنّه لا يرد على مستفزّيه. بعد تسليمنا أيّاه مقرّرات التّعيين، جرى بيننا كلام أونقاش شبه طويل، كان ردوده كلّها إيجابيّة تقريبا. وقد حرص على بثّ الرّوح المعنوية فينا. ويعكس ما كنا نتوقّع فقد حرّض فينا الفضول بقوله يجب أن تسألوا و تناقشوا كل صغيرة وكبيرة وسأبلّغ الأمين العام بذلك. ثم ما لبث أن طلب من السكريتيرة أن تحيله على الأمين العام عبر الموزّع الهاتفي.

ثوان قليلة، دخل علينا بعدها شخص أربعيني أنيق في مظهره، مربوع القد، لايبدو عليه الارتباك، برغم كل شيء. لم يطل الرّجل معنا الحديث، ودخل مباشرة في الموضوع. قال بأنّه أعطى تعليمات بدوره لرؤساء المصالح كي يقوموا بمرافقتنا خلال المدّة التي نقضيها داخل هذه المصالح. وأكد لنا أن أهم سيقومون باطلاعنا على كل وثيقة متوفّرة نطلبها.

انتظرته حتى ختم كلامه، ثم سألته عمّا إذاكان بمقدورنا الحصول على نسخة من الميزانية الأولية، باعتبارها أهم وأصعب وثيقة في البلدية. ل

م يكترث الرّجل بسؤالي، لكنّه انتفض قائما وذهب مسرعا، ثم عاد ومعه أصناف من الكتب المفرنسة، ووضعها فوق الطاولة أمامنا.

قلتُ له: السيد الأمين العام لقد قمت بإحضار كل هذه الكتب المفرنسة، بينما نحن في حاجة إلى الوثائق التطبيقية لا إلى الأشياء النظرية. واستطردتُ قائلا: والوقت لا يكفي لمطالعتها كلّها. فأمتعض وجهه، لكنّه لم يرد، وتحول ببصره إلى رئيس البلدية مشيّعا أيّاه بابتسامة صفراء تخفي من ورائها أشياء كثيرة. ثم قام مستأذنا وانصرف.

لم أدرك أنّني قد أسأتُ الأدب مع الرّجل إلّـا بعد ما تركنا وانصرف. وما كان ينبغي لي أن أسأله عن الميزانية ونحن في بداية المشوار، وليس هذا من واجبي. مثل هذا الكلام الذي قد يتسبّب له في حرج ما. فوثيقة الميزانية التي طلبتُها منه هكذا ومن دون تقصد ربما، تعتبر بالنسبة إلى هؤلاء شيئا مقدّسا.

إرسال التعليق