التكنولوجيا السوبر مستقبلية و وحدة المعارف
حسن عجمي
التكنولوجيا المعاصرة تُستخدَم عادةً لنشر السوبر تخلّف الكامن في تقديم الجهل
على أنه عِلم وتقديم العِلم على أنه جهل. وتُستخدَم أيضاً لنشر السوبر إرهاب الكامن
في قتل إنسانية الإنسان وتحويله إلى آلة بلا مشاعر و أفكار مستقلة بالإضافة إلى
استخدامها لقتل الإنسان في الصراعات والحروب. ولا بدّ من مقاتلة السوبر تخلّف
والسوبر إرهاب من خلال إنتاج العلوم السوبر مستقبلية القائمة على مبدأ أنَّ التاريخ
يبدأ من المستقبل والهادفة إلى توحيد العلوم وجعلها ذات أبعاد إنسانوية. لذلك أفضل
ما نستطيع تقديمه إلى العالَم هو المشاركة في توحيد المعارف الطبيعية والإنسانية
وصياغتها بأبعاد إنسانوية قائمة على العدالة الكامنة في الحرية والمساواة والسلام
وقابلية تطوّر كل فرد وثقافة.
توحيد المعارف أساس بناء حضارة إنسانية منسجمة يحيا فيها كلّ أفراد البشرية
بسلام ومساواة. فحين تتحد المعارف كالمعارف الطبيعية والإنسانية، تتحد الذات
الإنسانية مما يؤسِّس للعدالة الدائمة والسلام الدائم. من هنا، التكنولوجيا المرجوة هي
التكنولوجيا السوبر مستقبلية القائمة على وحدة المعارف والمُنتِجة للعدالة المتعالية
المتمثلة بالحرية والمساواة والسلام وتطوير كلّ إنسان. مثلٌ على إنتاج تكنولوجيا
سوبر مستقبلية هو إنتاج تكنولوجيات قابلة لأن يعيد صياغتها كلّ فرد بما يناسب قيمه
وأهدافه المعرفية والعملية والإنسانوية بدلاً من أن تسجن التكنولوجيا قابلية الفرد
للإبداع الحرّ والمستقل. حينئذٍ يتحرّر الفرد بفضل تلك التكنولوجيا القابلة لإعادة
صياغتها بأشكال ومضامين ووظائف متعدّدة ومختلفة بدلاً من أن يكون الفرد عبداً
لتكنولوجيا مُحدَّدة سلفاً و غير قابلة للتطوّر والتكيّف مع ما يناسب فردانية كلّ فرد.
مثلٌ عملي على ذلك أن يختار الفرد المصادر التي يعتمد عليها الذكاء الاصطناعي
مما يضمن للفرد حرية أن تكون مصادره المعرفية إما علمية و إما دينية و إما علمية
و دينية معاً فيتحرّر الفرد حينها من أن يكون مجرّد متلق ليصبح مشاركاً في إنتاج
المعرفة.
بينما التحرّر من تعارض المعارف وصراعاتها يكمن في توحيد المعارف،
التحرّر من التكنولوجيا المعاصرة يكمن في صناعة تكنولوجيا إنسانوية تمكّن كلّ
الأفراد من المشاركة في إنتاجها. من الممكن تسمية ذلك بمصطلح العدالة
التكنولوجية التي تسمح لكلّ فرد في إعادة صياغة ما تصوغه الدول والمؤسسات
على ضوء ما يفيده. التحرّر من التكنولوجيا المعاصرة ضرورة معرفية و وجودية
لأنها أصبحت أداة قمع وإرهاب فكري ومشاعري وجسدي أيضاً فهي التي تحدِّد ما
يجب أن يُقال ويُفعَل لاكتساب الانتشار والقبول مثلاً على وسائل التواصل
الاجتماعي. ويبدأ هذا التحرّر بقبول العِلم والمشاركة في إنتاج العلوم والفلسفات
المصاحبة لتلك العلوم.
أما مدخل توحيد المعارف فكامن في مشاركة كلّ فئات المجتمع في صناعة
المعرفة كمشاركة العلماء والفلاسفة والأدباء في طرح تحليلات للمفاهيم الأساسية
اعتماداً على العلوم الطبيعية والاجتماعية والإنسانية في آن معاً. مثل ذلك تحليل
الواقع على أنه بناء اجتماعي وعلمي مما يوحِّد بين علم الاجتماع والعلوم الطبيعية
ويؤسِّس للحرية الإنسانية الفعلية من خلال جعل الواقع معتمداً في تشكّله على
قراراتنا الاجتماعية والعلمية. العقل الإنساني عقل واحد لا يتجزأ. لذلك لا بدّ من
مشاركة كلّ الأفراد في إنتاج العِلم والمعرفة لكي يتجلّى الوجود الإنساني الحقيقي.



إرسال التعليق