ثقافة

مرادفات الكلمات في اللغة العربية و دورها الصحيح

سليمان جبران

سليمان جبران: الترادف: غنى أم ثرثرة؟
من كتاب ” على هامش التجديد والتقليد في اللغة العربية المعاصرة” ص. 79 – 87.

يفخر كثيرون منّا بغنى اللغة العربيّة، مشيرين إلى عشرات الأسماء في اللغة للمسمّى الواحد، كأسماء السيف والرمح والفرس والناقة وغيرها. فهل الترادف المذكور يُثري اللغة ويرتقي بها فعلا، أم هو انتفاخ وترهّل يثقلان كاهلها، ويعيقان حركتها في هذا العصر العاصف؟
لا بدّ أوّلا من السؤال: هل يمكن أنْ يكون الترادف، بمعنى قيام أكثر من لفظة لدلالة واحدة، من سِمات اللغة في منشئها الأوّل؟ هل يُعقل أنْ تكون اللغة في مراحلها البدئية ابتكرتْ أكثر من كلمة لتؤدّي جميعها معنى واحدا، أمْ هو ظاهرة لغويّة متأخّرة، نشأتْ خلال قرون طويلة من تداول اللغة وتسخيرها في تلبية حاجات أسلوبيّة وبلاغيّة طارئة؟ في اللغة العربية بالذات، يذكر علماء اللغة أنّ الترادف ربّـما نشأ بعضه عن وضع القبائل المختلفة أكثر من لفظ للدلالة الواحدة. إلّا أنّ معظم المترادفات في العربية نشأتْ، في رأينا، بعد استقرار اللغة، خلال تداولها في الحياة وفي الأدب، على مرّ السنين، وهذا ما يعنينا هنا بالذات.
في استطراد بديع للشدياق، كما يسمّي هو استطراداته، يرى “جبّار القرن التاسع عشر” بحقّ أنّ الترادف ليس أصيلا في اللغة، ولكنها ألفاظ كانتْ متقاربة الدلالة ذهب تداولها على مرّ العصور بالفوارق الدقيقة بينها، فبدتْ لنا نحن المتأخّرين مترادفة: “على أنّي لا أذهب إلى أنّ الألفاظ المترادفة هي بمعنى واحد وإلا لسمّوها المتساوية، وإنـّما هي مترادفة بمعنى أنّ بعضها قد يقوم مقام بعض […] فخصّت العرب كلّ نوع منها باسم، ولبعد عهدهم عنّا تظنّيناها بمعنى واحد”.
من هذا الباب، مثلا، النسَب والحسَب. نستخدم اليوم هذين اللفظين بدلالة واحدة، كما لو كانا مترادفين، ونعني بكليهما: الآباء والأجداد الذين ينتسب إليهم المرء، وفي الغالب بالدلالة الإيجابية، أي كرم الأصل والمحتد. وفي لغتنا المحكية أيضا نقول: ابن الحسب والنسب، بالدلالة الإيجابية ذاتـها. إلا أنّ هذين اللفظين، في معناهما الأوّلي، يحملان دلالتين مختلفتين، وإنْ كانتا متقاربتين. فالنسب، والجمع أنساب، هو مصدر الفعل نسب، ويعني طبعا من تنتسب أو تنتمي إليه، أو الأصل. أمّا الحسب، والجمع أحساب أيضا، فهو مصدر الفعل حسب، ومعناه الأصلي العدد والقدر، وفي السياق هنا الفعال الصالح (لسان العرب). بكلمة أخرى: النسب شرف الأصل، والحسب هو المكانة التي يحقّقها المرء بنفسه لا بآبائه وأجداده. إلا أنّ تداول هذين اللفظين، مقترنين عادة، على مرّ العصور، ذهب بالاختلاف بينهما، كما ذكرنا، فصارا مترادفين، بدلالة واحدة هي شرف الأصل. تماما كما تتشابه حجارة الوادي بعد أن يجرفها السيل مسافة طويلة في “احتكاك” متواصل. هذا هو التطوّر الدلالي المؤدّي إلى الترادف الذي أشار إليه الشدياق، بأسلوبه هو. ومثل النسب والحسب: الأصل والفصل، والحزم والعزم؛ نفس التطوّر الدلالي ونفس الترادف.
يتشكّل الترادف أيضا، في أحيان كثيرة، بتحوّل صفة اسم الذات إلى اسم ذات، فيغدو بذلك في المعاجم والاستعمال مرادفا لاسم الذات الأصلي. فالماضي، تعني القاطع طبعا، وهي صفة للسيف أيضا، ولذلك صارتْ تعني السيف ذاته، وتجمع على مواضٍ. ومثل الماضي، صفة تذوّتت أو تحوّلت إلى اسم ذات، مئات بل آلاف من مترادفات السيف والفرس والناقة والصحراء إلى غير ذلك. من هذا الباب أيضا يمكن اعتبار تسمية الكلّ بالجزء. فالقناة، وجمعها قنا، تعني عود أو عصا الرمح، والسنان، وجمعها أسنّة، تعني نصل أو رأس الرمح. إلا أنّ اللفظين كليهما تحوّلت دلالتهما فغدتْ بمعنى الرمح كلّه لا جزء منه. هكذا نجد هذين اللفظين يردان في المعاجم والشعر غالبا مرادفين للرمح، بل يمكن القول إنّ دلالتهما الأصلية تكاد تمّـحي من الذاكرة والقاموس على حدّ سواء. ولعلّ هذا التطوّر الدلالي؛ تذوّت الصفة وتسمية الكلّ بالجزء، هو أكثر العوامل أثرا في إثراء اللغة العربية بـهذا العدد الهائل من المترادفات التي قلّما نجد لها مثيلا في لغات أخرى.
يمكن القول، أيضا، إن الأسلوب “الأدبي؛ الشعر والمقاومة بوجه خاص، كان من الأسباب الحاسمة في هذا “التضخّم” في الترادف في العصور الكلاسيكية. فكم من موضوع في القصيدة يتطلب السياق فيه لفظا معيّنا، إلا أنّ ضرورة الوزن أو القافية تُملي على الشاعر استخدام صفة اللفظ المطوب، أو لفظا آخر قريبا منه في دلالته ليقوم مقام ذلك اللفظ، ثم يغدو أخيرا في الاستعمال مرادفا له. في المقامة بالذات غالبا ما يأتي الكاتب بالمعنى الواحد في جملتين متماثلتين معنى ومبنى، مختلفتين لفظا. بل إنّ بعضهم يأتي أحيانا بثلاث جمل أو أكثر لتؤدّي المعنى ذاته بألفاظ مغايرة، رغبة في إظهار الإلمام باللغة وإثراء الإيقاع. أليس هذا “التبذير” اللفظي عند أكثر كتّاب المقامة سببا آخر في تحوّل المتقارب إلى مترادف لدى المتأخّرين، كما أفادنا الشدياق العظيم؟
هذا كان حال الترادف في العصور السابقة. لكننا اليوم نعيش عصر سرعة واقتصاد، بعيدا عن اللهو اللغوي والثرثرة، ولا أظنّنا في حاجة إلى هذه المترادفات التي تملأ القاموس دون طائل: “ما حاجتنا أنْ يكون للعسل ثمانون اسما، وللسيف نيّف وخمسون، وللجنّة نحو مائتين، وللمصيبة نحو أربعمائة، في حين أنّ أهمّ من ذلك كلّه ليس له اسم؟ لقد مضى الزمن الذي كنّا نعدّ فيه كثرة المفردات مفخرة للغة، واضطرّتنا مخلوقات المدنية أنْ نحمد الله على أنْ يكون لكلّ مادّة في الحياة اسم واحد يصطلح الناس عليه ويتفاهمون به. نعم إنّ بعض المترادفات ليس مترادفا لدلالته على وصف أو نحو ذلك، ولكنّ الكثير منها لا يدلّ على شيء غير الذي يدلّ عليه الشيء الآخر فلا حاجة إليه”. وليس في موقف المفكّر أحمد أمين هذا ما يدعو إلى العجب. فهو رغم ثقافته الكلاسيكية الواسعة، في الأزهر وبعد الأزهر، يأبى الجمود وينادي بالأسلوب العلمي والتطوّر في اللغة وفي غير اللغة من المجالات. لذا نجده في المقالة السابقة ذاتها يرفض أيضا ما يسّمى الأضداد في اللغة، كما رفض المترادفات. فهو يرى ضرورة “حذف كلمات الأضداد والقضاء عليها بتاتا مثل: ولّى إذا أقبل وولّى إذا أدبر، وشعبتُ الشيء إذا أصلحتُه وشعبتُه إذا شققتُه، وأفدتُ المال إذا أعطيتُه غيري وأفدتُه استنفدتُه، وقسَط جارَ وقسط عدلَ، والغريم المطالَب والغريم الطالب، ونحو ذلك من مئات الكلمات. فهذا أسخف شيء في اللغات، وهو مفسد للقصد من اللغة، فإنّ اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد للدلالة على الشيء وضدّه لضاعت اللغة، وكان هذا تعمية لا إبانة، وتغطية لا كشفا، واللغة لم توضع لتكون ألغازا”. لعلّ ما يعزّي الأستاذ أمين ويعزّينا فلي هذه المسألة بالذات أنّ اللغة المعاصرة، بحسّها السليم وتطوّرها المنطقي، قد “حذفت” فعلا معظم هذه الأضداد إن لم نقل كلّها!
في مقالة للأستاذ خليل السكاكيني أيضا، يتناول فيها بالتفصيل أنواع الترادف، يشير هذا المفكّر التنويري إلى وضع لغتنا العربية قائلا: “اللغات ألفاظ ومعانٍ؛ لكل لفظ معنى ولكلّ معنىْ لفظ بلا زيادة أو نقصان. ولكنْ إذا نظرنا في اللغة العربية وجدنا من الجانب الواحد أنّ هناك كلّ يوم معاني جديدة تحتاج إلى ألفاظ تدلّ عليها […] ووجدنا من الجانب الآخر أنّ هناك مجموعات من الألفاظ كلّ مجموعة تدلّ على المعنى الواحد. وتسمىّ هذه المجموعات مترادفات؛ وهي تتألف من لفظين فثلاثة إلى ألوف، مثل كلمة سيف؛ فقد قيل إن مرادفاتها تبلغ الألف أو تزيد”.
يبدو أن السكاكيني، بثقافته الغربية الواسعة ونهجه العلمي الدقيق، عانى كثيرا من الألفاظ المترادفة والجمل المتساوقة، كما يتجلّى ذلك في أسلوب المقامات عامّة، وعند الحريري وتابعيه بوجه خاصّ. لم يهضم هذا المفكّر المجدّد إيراد المعنى الواحد في جملتين أو أكثر، ونحن نعيش في عصر السرعة والاقتصاد في كلّ شيء، وفي وقت الكاتب والقارئ بوجه خاصّ. لذا نجده يعود في موضوع آخر إلى ترادف الألفاظ والجمل مرّة أخرى: “مـمّا أولع به أصحاب المذهب القديم إلى يومنا هذا تكرار الكلام في غير مواطن التكرار، والإسراف في استعمال المترادفات على غير حاجة إليها ولا فائدة منها. فهم لا يأتون بكلمة إلا أتبعوها بمرادفتها، فإذا قالوا تمادى الرجل في ضلاله قالوا ولّج في غوايته، وعمه في طغيانه، ومضى على غلوائه. وإذا قالوا أحزنني هذا الأمر قالوا وشجعاني وأمضّني وأرمضني وأقلقني وأقضّ مضجعي. وإذا قالوا سرّني أمر كذا قالوا وأفرحني وحبرني وأبـهـجني وأبلجني وأثلج صدري”.
في أيّامنا هذه أيضا، ما زال كثيرون يلهثون بحثا عن الترادف، حتى في الأسلوب العلمي في أحيان كثيرة. فما أكثر ما نقرأ هذه الأزواج المترادفة ومثيلاتـها حتى في المقالات الموضوعية والأساليب الصحافية البسيطة: هاشّا باشّا، الجلبة والضوضاء، الأهوال والأوجال، عناء ومشقّة، على كره ومضض… إذا كانتْ هذه التراكيب ترضي غرور تلميذ يكتب “الإنشاء”، فإنّها من عيوب الأساليب العربية المعاصرة، والعلمية منها بوجه خاصّ. نعيش اليوم عصر علم وسرعة وإيجاز، فما أحرانا بتجنّب هذا اللهو اللفظي، والأخذ بالأسلوب الموضوعي الدقيق، لترتقي بذلك لغتنا الحديثة إلى مستوى اللغات العصرية الراقية. من واجبنا إذ نكتب في هذه الأيام تبسيط اللغة المعاصرة “بتحديد معاني الألفاظ تحديدا منطقيا، فلا نسرف في اصطناع المترادف الذي يجعل الألفاظ غير مفصّلة على قدور المعاني”.
لا يجوز لنا، في الأساليب الموضوعيّة بوجه خاصّ، التلهّي بالجمل المتساوقة والتكرار والترادف، كما كان دأب الكتّاب في “عصر الانحطاط”. هذا “اللهو البديعي” قد يثري الإيقاع، إلا أنّه من ناحية أخرى “ينفخ” النصّ، ويُضفي عليه الابتذال والسطحية. “فاللغة الحسنة تتوقّى المترادفات، لأنـها ثرثرة صبيانية يضيع بها الوقت. والكاتب الذكيّ يحيل المترادفات من التوحيد إلى التنويع. فنحن نميّز الآن بين الذهن والعقل، وبين الروح والنفس، وبين الحكومة والدولة، وبين المثقّف والمتعلّم، وهذا حسن، وكذلك نتّبع الأسلوب التلغرافي ونتخيّر الكلمة التي تحمل العبرة فضلا عن المعنى”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى