مجتمع

جرائم المستقبل

محمد عبد الكريم يوسف
مدرب ومترجم وباحث

يؤكد صانع الفيلم على التحول المرعب في الطبيعة الإنسانية عبر قتل الأم لابنها ومن ثم بكاء الأب بجوار جثة ابنه ثم عرضه لفكرة تشريح الجثة أمام الجمهور، ليبرهن على صحة قضيته.

بعض الأفلام أحلام، وبعضها كوابيس، وينتمي فيلم “جرائم المستقبل” أو الذي يعرض حاليا بكندا والولايات المتحدة إلى النوع الثاني حيث أفلام الرعب البيولوجي والخيال العلمي والجرأة المقززة في أحيان كثيرة على كل ما هو طبيعي وإنساني بهدف تجاوز الإنسان نفسه، واعتباره حلقة من حلقات التطور.

يصنف الفيلم في إطار مشروع كبير بدأه المخرج الذي يقارب الثمانين من العمر “ديفيد كرونينبيرغ” المعروف بـ “بارون الدم” منذ نحو 50 عاما، حيث أطلق الجزء الأول عام 1970 فيما يشبه مشروع تخرج، ورغم تغير الاسم في الأعمال التالية إلا أن كرونينبيرغ لم يتخل عن مشروعه حول كابوسية المستقبل فيما يتعلق باعتداء الإنسان على جسده.

يصنع الفيلم ما يشبه الإحالة إلى ما يحدث في الواقع المعاصر من عبث بالجسد واعتباره مجالا للتجريب والتعديل عبر عمليات التجميل والتي تتضمن تعديلا لشكل وأحيانا وظائف أعضاء حيوية في الإنسان، ويعد بشكل ما صيحة تحذير من الانسياق وراء تلك الغواية ويصور ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك العبث.

تدور أحداث العمل الذي يقوم بأدوار البطولة فيه “فيجو مورتنسن” و”ليا سيدو” في أماكن يعلوها التراب وقد تآكلت جدرانها وتحولت ألوانها بفعل الزمن إلى ألوان باهتة وتساقطت أجزاء كبيرة من دهانات الحوائط والمراكب التي تظهر خلفية للقاءات، أما القصة نفسها فتدور عبر خطين دراميين يتقاطعان قرب النهاية.

يدور الخط الدرامي الأول عن طفل ولد وقد حمل طفرة جينية مرعبة إذ لا يأكل سوى” المنتجات البلاستيكية”. وتقرر أمه قتله وتهدي جثته لأبيه الذي يأكل البلاستيك أيضا، لكنه تحول إلى ذلك النوع من الطعام عبر إجراء عملية جراحية.

يرغب الأب في تشريح جثة ابنه في العلن “ليعرف العالم قيمته ويؤمنون بالتطور البشري الجديد” وهنا يلجأ إلى فنان الأداء “سول” الذي يحمل طفرة موازية حيث تنمو في جسده أعضاء جديدة بشكل منتظم وهي جميلة ” لكنها غير معروفة الوظائف” ويقوم ذلك الفنان بعمل عروض لاستئصال تلك الأعضاء الجديدة بالتعاون مع صديقته التي كانت تعمل “بالطب الجراحي النفسي” ولكنها تركت مهنتها وتفرغت للعروض معه.

إعدام الألم

في هذا العالم الكابوسي يبحث البشر عن الألم الجسدي الذي لم يعد جزءا من الطبيعة الإنسانية، وقد بقي فقط الألم النفسي، واختفت ” العدوى” فيما يشير إلى اختفاء كل أنواع الفيروسات والبكتيريا والجراثيم، كما انتهى كل أنواع التلامس والتفاعل البشري الحميم تقريبا، وقد تحول إجراء العمليات الجراحية إلى هواية لدى العديد من الناس إذ تجري عبر شاشة حاسوب ويكفي تصريح قانوني يسهل الحصول عليه للقيام بتلك الجراحات، والتي أصبحت شغفا بديلا لغريزة الجنس لدى مجموعات “طليعية” في المجتمع.

ينتمي كل من الأب -الذي فقد طفله وطلب تشريحه علنا- وفنان الأداء الذي يجري جراحات دورية داخل جسده إلى هامش الخارجين على القانون في عالم تضعضعت فيه القيم، ويسعى الاثنان ومعهما منظمة تسجيل الأعضاء الجسدية إلى اعتراف قانوني بما يقومون به كأفعال شرعية وقانونية.

كان المشهد الأول هو النهاري الوحيد الذي جاءت إضاءته الطبيعية كافية لرصد التفاصيل حيث يجلس طفل على شاطئ وينقل ماء البحر إلى سطح صخرة عبر “علبة معدنية صدئة”. وفي الخلفية ثمة سفينة غارقة منذ زمن، تبدو كما لو كانت رمزا للإنسانية بشكلها القديم إذ نكتشف أن الطفل في مقدمة الصورة هو الأول من نوعه الذي يولد بجهاز هضمي يهضم المنتجات الصناعية البلاستيكية، وهو ما يبشر بإمكانية توريث الطفرة نفسها والبدء بمرحلة مختلفة من الحضارة.

استمرت باقي مشاهد الفيلم ضعيفة الإضاءة، أما الوجوه التي يفترض أنها تخلصت من الألم -الذي يعد جهاز إنذار ثمين للغاية للجسد الإنساني- فيبدو عليها الألم طوال الوقت، ويعلو تعبير الاحتياج والرجاء كل الوجوه فضلا عن الألم، فيما يشير هنا إلى الألم النفسي بديلا عن الجسدي.

يؤكد الفيلم على التحول المرعب بالطبيعة الإنسانية عبر قتل الأم ابنها، ومن ثم بكاء الأب بجوار جثة إبنه ثم عرضه لفكرة تشريح الجثة أمام الجمهور، ليبرهن على صحة قضيته، وهو إسقاط واضح في سياق ثقافي يؤمن بعقيدة الخلاص والتي ضحى خلالها الأب بالابن لتخليص البشر من ذنوبهم.

كرونينبيرغ والرعب

المخرج الأميركي “ديفيد كرونينبيرغ” من أصل كندي معروف بمشروعه عن الرعب المرتبط بتحولات الجسد والوعي به، وهو مشروع تعرض للرفض طويلا من قبل النقد السينمائي. ولكن تحولا ما حدث ليصبح هذا النوع من الأفلام مقبولا لدى النقاد ، ولعل نجاح أفلام أخرى مشابهة يؤكد على إمكانية كرونينبيرغ في التواصل مع الجمهور وصنع أعمال ناجحة، وفي الوقت نفسه يشير إلى تصميمه الغريب على ذلك الطرح المتعلق بالوعي بالجسد .

بدت تلك القناعة العميقة وحالات اليقين المتجذرة بوجدان المخرج في السيناريو الذي شكل ملامح عالم بكامله من الكائنات الغريبة والتي لا تشبه البشر إلا في بعض التفاصيل الشكلية، ورغم إحكام السيناريو وقدرة المخرج على الانتقال السلس بين المشاهد والأحداث فإن غرابة الأشكال والابتكارات التي اتسع لها خيال المخرج قد تدفع البعض للتساؤل وإعادة المشاهدة، فالسرير الذي كان ينام عليه بطل العمل يشبه زهرة التيوليب، لكنه مزود بـ “برمجة” خاصة تتيح له استنبات الأعضاء الداخلية التي يمارس عمله باستئصالها، حيث يدخل أنبوبا مزودا بكاميرا ليكتشف الجديد فيها، لكنه يجري العمليات نفسها بعد شق البطن واستخدام لوحة مفاتيح خاصة.

يعمل المخرج على ذلك الرعب القادم من أعماق النفس البشرية ومن القرارات العقلية والتي تظهر آثارها على الجسد الإنساني وتختلق منطقا، وتحفر مسارات تبدو مقنعة لمن يريد أن يستمر متجاوزا الإنسان في فكرة البحث عن معنى.

ولعل متابعة بعض أفلام المخرج تلقي الضوء على ذلك القلق الخاص الذي يدفع به لاختلاق رعب يتجاوز ذلك إلى طرح نموذج كامل يقوم على التحول أو “التطور البشري” لإعادة اختراع الإنسان.

المصدر
The Murders of the Future

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى