أخبارإسلامثقافة

من وحي سورة سيّدنا يوسف عليه السّلام

من وحي سورة سيّدنا يوسف عليه السّلام – معمر حبار

·       قال الله تعالى: “نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ”. سورة سيّدنا يوسف عليه السّلام، الآية 3

أقول: تضم سورة سيّدنا يوسف عليه السّلام: محاولة قتل سيّدنا يوسف عليه السّلام، ورميه في البئر، واتّهامه بما ليس فيه، وسجنه، وبعده عن أبيه سيّدنا يعقوب عليه ىالسّلام لسنوات طوال، والألم الشّديد الذي لحق بالأب جرّاء فعل إخوته. بالإضافة إلى توليته خزائن مصر، وتسييره الحكيم لسبع سنوات عجاف، والتقائه في الأخير بأبيه سيّدنا يعقوب عليه السّلام، وإخوته.

ويتطلّب الصّدق ذكر أحسن ماتعرّض له المرء، وأسوء. وهذا هو “أَحْسَنَ الْقَصَصِ”.

·       “قال الله تعالى: “قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا”. 5

لم يقل سيّدنا يعقوب عليه السّلام لابنه سيّدنا يوسف عليه السّلام “لاتقصص رؤياك على النّاس”. إنّما قال له: “لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ”. وحذّره من القريب، والأخ الفاسد.

·       “وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ” 6.

من تمام شكر النعم أن يعلم صاحبها أنّه حلقة من حلقات النّعم التي مرّت، والنّعم القادمة. وأساس النعم هي “وَيُتِمُّ”، ولم تخلق لك لوحدك.

“إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِين” 8. إنّ الذي يتّهم الوالد بالضلال المبين لاعجب إن اقترف الكذب، والقتل، وقذف البرئ، وارتكب كلّ الموبقات.

·       “قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُون”. 11

سيّدنا يعقوب عليه السّلام صدّق الصّدّيق في “أحد عشر كوكبا”، ودون أن يطلب منه ذلك. ولم يصدّق أبناء الإحدى عشر وقد ترجوه أن يصدّقهم، وأقسموا إنّهم لصادقين. والصّادق لايطلب منك أن تصدّقه

·       “قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ” 14.

شهدوا على أنفسهم أنّهم الخاسرون حين همّوا بقتل أخيهم، واتّهموا الأب بالضلال المبين، وكذبوا عليه حين جاؤوا بدم كذب. فهم من خسران إلى خسران.

·       “وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ” 18.

إنّ الذي يكذب على الوالدين، وأخيه، ونفسه. لاعجب إن كذب بعد ذلك على الحيوان.

·       “كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ” (24).

أعلى مراتب الطّاعة أن يصرف الله عن عبده السّوء، والفحشاء وهو بين يدي من يريد به السّوء، والفحشاء، ولا قبل له به. وتلك من تمام النعم، وكمال الحفظ، وجميل اللّطف.

·       “قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ ”  (32).

سيّدنا يوسف عليه السّلام وهو بين يدي زوجة العزيز، والعزيز ولا قبل له بهما، استعصم بالله تعالى دون غيره، وظلّ النّقي الطّاهر. ومن استعصم بالله، فقد نجا ولو كان بين فكي الأسد.

·       “وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ (54) قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ (55) وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ” (56) .

تمكين العبد للعبد غير مضمون. لأنّ المرء عاجز عن أن يمكّن لنفسه كيف لغيره ولو كان صادقا. ولذلك جاء التمكين من الله تعالى. لأنّه الوحيد الذي يضمن التّمكين، وبالكيفية التي يريد.

·       “قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ (66).

حين تكون العلاقة بين الوالدين والأبناء، وبين الأقارب بالميثاق أي بالمدوّن، والمكتوب. فقد ضاعت الثّقة. والميثاق لايعيدها مهما حاول أصحابها.

·       “وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ”. 66

رغم غضب سيّدنا يعقوب عليه السّلام على أبنائه، واشتراطه الموثق ليسلّمهم ابنه الثّاني من فرط عدم الثقة بهم. إلاّ أنّ الأبوّة التي لايتحكّم فيها تحرّكت فيه، وجعلته يطلب منهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرّقة وليس من باب واحد خوفا عليهم من العين، والحسد، والسّوء الذي ربّما سيقع عليهم دفعة واحدة وهم ببلاد الغربة، والوحشة.

·       “وَاسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ” (82).

حين صدقوا قالوا: “وإنّا لصادقون”. وحين كذبوا في البداية قالوا: “وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ” (17). ومن هنا يعرف الصّادق، والكاذب. والصّادق لايهمه أن تصدّقه، أو تكذّبه.

·       “ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ (93).

كان سيّدنا يوسف عليه السّلام يملك خزائن مصر، ويملك من القوّة مالايملكها غيره، وله تصريح من الملك أن افعل ماشئت. ورغم ذلك أعطى إخوته قميصه ليسلّموه أباهم ولم يعطهم ماوقفت عليه الحضارة المصرية من مادة، ودواء، وزخرفة، ومظاهر قوّة، وتباهي.

·       “وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ”  (100).

لم يذكر سيّدنا يوسف عليه السّلام تسييره لخزائن مصر وهي عظيمة، ولا القوّة، ولا المنعة، ولا المكانة، ولا السّلطان الذي فيه وبأنّه هذا هو تفسير الرؤيا وقد تحقّقت. إنّما ذكر اجتماع الوالدين، والإخوة معه. وهذا عند سيّدنا يوسف عليه السّلام لأهو أفضل من خزائن مصر التي بين يديه، وبأمره، وتحت تصرّفه.

الجمعة 26 رمضان 1445هـ، الموافق لـ  5 أفريل 2024

الشرفة- شلف- الجزائر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى