ثقافةقانون وعلوم سياسية

كل شيء عن الاختصاص الاقليمي في القضاء الجزائري

أ/مُحَمّـد بكرارشوش
القطب أو الاستقطاب في اللّغة، هو الجذب أو التجميع نحو نقطة أو مكان واحد، وفي الاصطلاح القانوني، بالخصوص في مجال التنظيم القضائي الحديث، هو تركيز اختصاصات اقليمية لجهات قضائية متفرقة على عديد المناطق في يد جهة قضائية واحدة، شريطة أن يتعلق الأمر بتشكيلة من الاختصاصات النوعية المحددة على سبيل الحصر، وبعبارة أخرى، أضحى يعرف ذلك بالتخصص القضائي، وتزود هذه الجهات بالوسائل المادية والبشرية والقانونية اللازمة بغية إعطاء للعملية القضائية المستوى المطلوب من المعالجة، لبلوغ حد من النجاعة وتحقيق العدالة.
نظم القانون الجزائري موضوع الاختصاص الإقليمي للجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع، سواء في المادة الجزائية أو المدنية بنصوص متعددة، لا سيما القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10 نوفمبر سنة 2004 المعدل والمتمم لقانون الإجراءات الجزائية وقانون الإجراءات المدنية والإدارية الصادر بموجب القانون رقم 08-09، بالإضافة إلى بعض النصوص الخاصة على غرار قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الصادر سنة 2006.
وفي خطوة اعتبرت سابقة من نوعها في القانون الجزائري، خطى بموجبها القضاء نحو التخصص في المعالجة القضائية لطائفة من الجرائم وذلك لعدة عوامل تمثلت أساسا في تعقيد ملابسات وأساليب ارتكابها وخروجها عن طابع الجريمة الكلاسيكية.
من هنا، بات لزاما مسايرة هذه التطورات التي عرفتها الجريمة؛ الأمر الذي يقتضي الرّفع من كفاءة القاضي وتوسيع صلاحياته مثل الإنابة القضائية الداخلية والخارجية وما يستتبع ذلك من تكييف وتطوير أيضا لمهام الشرطة القضائية مسايرة لهذا الوضع المستجد (المبحث الثاني)، وقبل ذلك ارتأينا التطرق إلى الظهور والطبيعة القانونية للأقطاب القضائية المتخصصة كدراسة تأصيلية (المبحث الأول)،
المبحث الأول: ظهور الأقطاب المتخصصة وطبيعتها القانونية
إنّ لفظ “قطب” أو “أقطاب متخصصة” ظهر رسميا لأول مرّة ضمن نصوص قانون الإجراءات المدنية والإدارية الصادر سنة 2008، كما سنرى لاحقا، بالرّغم من أنّ المحاولة الأولى كانت في سنة 2005 عند تقديم مشروع القانون العضوي المتعلق بالتنظيم القضائي، حيث لم يحض بقبول المجلس الدستوري1.
المطلب الأول: ظهور الأقطاب القضائية في القضاء الجزائري والمقارن
إن كانت فكرة الأقطاب القضائية المتخصصة، في الجزائر -كتخصص وليس كجهة قضائية قائمة بذاتها- تبدو حديثة نسبيا (الفرع الأول)، فإنّها قديمة نوعا ما في بعض الأنظمة القضائية المقارنة (الفرع الثاني).
الفرع الأول: الأقطاب المتخصصة في الجزائر
نتناول بالدراسة ظهور فكرة الأقطاب القضائية المتخصصة في المواد الجزائية (أولا)، من ثم نتناول الفكرة في المواد المدنية والتجارية (ثانيا).
أولا: في المواد الجزائية
إنّ البداية الحقيقية لظهور الأقطاب القضائية المتخصصة، كانت في صورة اختصاص إقليمي موسع في المادة الجزائية، ظهرت رسميا في سنة 2004، مع صدور القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10 نوفمبر سنة 2004 المعدل والمتمم للأمر رقم 66-155 المؤرخ في 8 يونيو سنة 1966، الذي يتضمن قانون الإجراءات الجزائية، عندما تناول في المواد 37 ، 40 و 329 إمكانية تمديد الاختصاص الإقليمي لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة عندما يتعلق الأمر بالبحث والتحرّي في جرائم معينة على سبيل الحصر، وهذا يخص بعض المحاكم تتحدد عن طريق التنظيم.
وقد صدرت النصوص التنظيمية تجسيدا لهذا التوجه في سنة 2006 بموجب المرسوم التنفيذي رقم 06-348 المؤرخ في 05 أكتوبر سنة 2006، المتضمن تمديد الاختصاص المحلي لبعض المحاكم ووكلاء الجمهورية وقضاة التحقيق2.
وقد بدأت الأقطاب القضائية المتخصصة في المادة الجزائية العمل بالفعل في سنة 2008، حيث تم فعلا إعطاء إشارة الانطلاق الرسمي للأقطاب الجزائية المتخصصة في كل من الجزائر العاصمة يوم 26 فيفري 2008، وقسنطينة يوم 3 مارس 2008، ووهران يوم 5 مارس 2008، أمّا تدشين مقر القطب الجزائي المتخصص لمحكمة ورقلة وإعطاء إشارة الانطلاق الرسمي لنشاط هذا القطب فقد كانت يوم 19 مارس 2008، بإشراف من وزير العدل حافظ الأختام، السيد الطيب بلعيز. هذا في المادة الجزائية.
ثانيا: في المواد المدنية
في المواد المدنية والتجارية، فإنّ القانون المتعلق بالإجراءات المدنية والإدارية الصادر بموجب القانون رقم 08-09 المؤرخ في 25/02/2008 تناول مسألة الأقطاب القضائية المتخصصة في شقها المدني، حيث تناولت المادة 32 في فقرتيها الأولى والسادسة منه المسألة حين تحدثت عن الأقطاب المتخصصة3 حيث جاء فيها حين تحدثت عن التنظيم الداخلي للمحكمة الذي يكون على شكل أقسام وأقطاب متخصصة عندما ذكرت أنّه ﴿يمكن أيضا أن تتشكل من أقطاب متخصصة﴾. أمّا الفقرة السادسة، فلقد نصت على: ﴿تختص الأقطاب المتخصصة… ﴾. كما جاء فيها أيضا: ﴿تحدد مقرات الأقطاب المتخصصة، والجهات القضائية التابعة لها عن طريق التنظيم﴾، وفي الأخير: ﴿تفصل الأقطاب المتخصصة بتشكيلة جماعية من ثلاثة قضاة﴾. والواقع أنّ هذه الأقطاب المدنية المتخصصة لم ترى النور بعد.
يظهر جليا من خلال نص المادة 32 أعلاه أنّ هذه الأقطاب تحوز على اختصاص حصري يستشف من عبارة “دون سواها” بالنظر في قضايا تدور حول موضوع غاية في الحساسية في الحياة المدنية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع حيث تدور حول محور التجارة، ولا يخفى على أحد من الذين درسوا المادة التجارية كم هي معقدة لاسيما في ظل اقتصاد السوق مع كثرة المتغيرات الداخلية والدولية. يمكن تقسيم هذه المجالات حسب النصّ إلى سبعة فروع وهي: التجارة الدولية، الإفلاس والتسوية القضائية، المنازعات المتعلقة بالبنوك، منازعات الملكية الفكرية، المنازعات البحرية، النقل الجوي ومنازعات التأمينات.
وهي سبعة مجالات كما أشرنا آنفا، تتداخل فيها عناصر قانونية عديدة، مثل القانون الدولي العام والقانون الدولي الخاص، وأخرى حسابية أو محاسبتية دقيقة، الأمر الذي يتطلب من هيئة المحكمة أو التشكيلة القضائية أن تكون في مستوى الملفات المطروحة أمامها للفصل، التي تتطلب الإلمام باللّغات الأجنبية والترجمة القانونية، والقانون والقضاء المقارن والتحكّم في قواعد القانون الدولي العام وقواعد القانون الدولي الخاص والقانون البحري والجوّي والتأمين وحقوق الملكية الفكرية التي أصبحت في حدّ ذاتها مجالا حيويا ما فتئ يزداد تعقيدا مع بروز أنماط جديدة من الابتكارات على غرار برامج الكمبيوتر والإعلاميات عامة.
الاختصاص الاقليمي للأقطاب المدنية المتخصصة، يتحدد بموجب التنظيم الذي لم يصدر بعد، إلاّ أنّه على العموم يأخذ شكل توسيع الاختصاص المحلي لمحكمة معينة، لتكون في الغالب محكمة مقر المجلس ليشمل الاختصاص المحلي لجميع المحاكم الواقعة في دائرة اختصاص المجلس القضائي الذي تقع فيه المحكمة الموسع اختصاصها، هذا احتمال أول، كما يمكن أن يشمل اختصاص المحكمة المعنية بتوسيع اختصاصها اختصاص محاكم أخرى تقع في دائرة اختصاص مجلس آخر أو عدة مجالس بالإضافة إلى المجلس الذي تقع في دائرة اختصاصه.
الفرع الثاني: الأقطاب المتخصصة في القضاء المقارن
نتناول بالدراسة لبعض الأنظمة القضائية القريبة من النظام القانوني والقضائي الجزائري وهي الأقطاب القضائية المتخصصة في كل من فرنسا وتونس.
أولا: في فرنسانتناول في هذا العنصر لمحة تاريخية ومن ثم تطور نظام التخصص في المواد الجزائية في فرنسا.
$11- نبذة تاريخية:
لقد عرفت بعض الأنظمة القضائية المقارنة نظام الأقطاب المتخصصة، من ذلك القضاء الفرنسي، حيث ظهرت إلى الوجود ابتداء من سنة 1975 ما سميت آنذاك “المحاكم الجهوية المتخصصة في المادّة الاقتصادية والمالية” Juridictions Régionales Spécialiséesوالمعروفة اختصارا بـ JRS وأطلق عليها أيضا “الأقطاب الاقتصادية والمالية” وذلك بموجب القانون رقم 75-701 المؤرخ في 06 أوت 1975، ثُمّ تلى ذلك، ظهور المحاكم ما بين الجهوية المتخصصة Juridictions Interrégionales Spécialisées والتي تعرف اختصارا بـ JIRS، أنشئت بالقانون المعروف loi de Perben IIفي سنة 2004. أنيطت بهذه المحاكم مهمة مكافحة الجريمة المنظمة والجنح المالية4.
أمّا بخصوص الجرائم المتعلقة برشوة الموظف العمومي الأجنبي وجنح البورصة، فإنّ الاختصاص المحلي تطور ليشمل الإقليم الوطني.
إنّ قضية Cahuzac5، كانت لربما الحافز الكبير للحكومة الفرنسية لإعداد مشاريع قوانين موضوعها الشفافية في الحياة العمومية، الجنح الاقتصادية والمالية وكذلك حول استقلالية النيابة العامّة.
إنّ القانون رقم: 2013-1117 المؤرخ في 06 ديسمبر 2013 المتعلق بمكافحة الغش الضريبي والجنح الكبرى الاقتصادية والمالية، أسس لاختصاص إقليمي وطني بمناسبة معالجة انتهاكات أو مخالفات قد تشكل درجة عالية من التعقيد، بالتحديد إذا تعلق الأمر بمكافحة الرّشوة والغش الجبائي، كما أسس هذا القانون لوجود نيابة مستقلة، تدار بـ “وكيل الجمهورية المالي”6.
وبناء على هذه التطورات، قد ألغيت المحاكم الجهوية المتخصصة (JRS) لعدم فعاليتها الناتج بدوره عن عدم كفاية تخصصها، ثُمّ حوّلت اختصاصاتها إلى المحاكم ما بين الجهوية (JIRS).
$12- المحكمة أو -الجهات القضائية- الوطنية:
تعالج هذه الجهات القضائية أو المحاكم ذات الاختصاص الاقليمي الوطني القضايا التي تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد فيما يخص جرائم: الرّشوة، النصب، الغش في الصّفَقات العمومية، الغش الجبائي وتبييض الأموال.
وعليه، فإنّ مناط عقد الولاية القضائية لهذه المحاكم، هو عنصر “التعقيد”، إذ كُلّما كانت هناك قضية من ذلك القبيل -من قبيل الجرائم المذكورة أعلاه على سبيل الحصر- بسيطة وواضحة المعالم فإنّ الاختصاص لا ينعقد على هذه المحاكم الوطنية المتخصصة.
توجد المحكمة أو الجهة القضائية ذات الاختصاص الوطني أو كما يطلق عليها “القطب الاقتصادي والمالي” بمقر المحكمة الكبرىبباريس (Tribunal de grand instance de paris)، حيث يقوم بمهام النيابة وكيل الجمهورية المالي تحت سلطة النائب العام لباريس7.
بالإضافة إلى القضايا الاقتصادية والمالية المشار إليها أعلاه، هناك نوع آخر من القضايا التي تتسم بطابع الاختصاص الوطني، مثال القضاة المتخصصين في القضايا الإرهابية، بالرّغم من عدم وجود نيابة عامة متخصصة على غرار وكلي الجمهورية المالي8.
$13- المحاكم أو -الجهات القضائية- الما بين جهوية:
في القضايا التي تنطوي على درجة كبيرة من التعقيد، يمكن للمحكمة الكبرىTribunal de grand instance (TGI)9 أن تُمدّد الاختصاص الإقليمي إلى دائرة اختصاص العديد من محاكم الاستئناف من أجل التحرّي، المتابعة، التحقيق القضائي ومحاكمة الجرائم الاقتصادية والمالية مشكّلة محاكم ما بين جهوية متخصصة، وعددها ثمانية (8)، وهي المحاكم الكبرى لبوردو، ليل، ليون، مارساي، نانسي، باريس، ران وفوردوفرانس، بالإضافة إلى أنّ هناك محكمة جهوية متخصصة تنعقد على مستوى باستيا10.
ثانيا: في تونس
نتناول في هذا الشأن ظروف نشأة الأقطاب القضائية المتخصصة في تونس (1) وأهم الملامح التي اتسمت بها هذه الأقطاب (2).
$11- ظهور الأقطاب القضائية المتخصصة
في تونس11، ظهرت رسميا أولى بوادر التوجه نحو التخصص القضائي في مطلع سنة 2013، كردة فعل بعد الثورة عن نعت القضاء بالبطء في معالجة قضايا الفساد المالي التي اتُهِمَ فيها رموزُ النّظام الذي سبق ثورة 2010، فعمدت وزارة العدل التونسية إلى المبادرة بإنشاء قطب قضاء متخصص في القضايا المتعلقة بالفساد المالي، وكان ذلك في 10 يناير سنة 2013، حيث ألحقت هذا القطب بالمحكمة الابتدائية لتونس العاصمة، كبديل عن إنشاء محكمة قائمة بذاتها، الأمر الذي يتطلب صدور تشريع وفق المقتضيات التشريعية الجاري بها العمل وما تستغرقه العملية من وقت، وقد ضم هذا القطب عددا من قضاة التحقيق ومن ممثلي الادعاء العام.
وللدلالة على تخصصه، أشارت وزارة العدل التونسية إلى أنّ القضاة العاملين في ذلك القطب، قد تلقوا تكوينا نوعيا، بقولها: “انهم تلقوا تكوينا متخصّصا يضمن لهم البحث في الجرائم المالية التي تتميز بتشعبها وبطابعها العابر للحدود”. هذا في خطوة أولى.
أمّا الخطوة التي تلتها في السنة الموالية لإنشاء قطب الفساد المالي، إذ في 16 ديسمبر سنة 2014، قامت السلطات التونسية بنفس الخطوة الأولى، ولكن هذه المرة بإنشاء قطبين آخرين متخصصين في مكافحة الجرائم الإرهابية، حيث كان القطب الأول قضائي والثاني أمني، مع التأكيد من طرف الحكومة على أنّ هذين القطبين يعملان بشكل استقلالي عن بعضهما البعض، سواء من الناحية الوظيفية أو الهيكلية، وفي هذا الصدد، ذكر وزير الداخلية أنّ القطب الأمني المتخصص لا علاقة له بالأبحاث العدلية، وإنّما ينحصر دوره في تطوير العمل الاستعلامي دون أن يشمل الجوانب العملياتية، وفي الاتجاه ذاته، شدّد وزير العدل على كون القطب القضائي المختص يضم قضاة تحقيق وأعضاء دائرة اتهام وممثلين للنيابة العمومية بدرجتيها يشتغلون على مستوى المحكمة الابتدائية ومحكمة الاستئناف بتونس، وتم إفرادهم بمقر خاص وبتخصّص في العمل في القضايا الإرهابية لتحقيق النجاعة.
$12- أهم الملامح التي ميزت الأقطاب القضائية المتخصصة في تونس
من الملامح الأولية التي يمكن أن نبرزها حول الأقطاب القضائية المتخصصة، هي كالآتي:
خاصية تعدد الأقطاب:
أيّ تعدد الأقطاب المتمركزة على مستوى المحكمة الابتدائية بتونس بدلا من القطب الواحد المتعدد الاختصاصات، فضلت الحكومة التونسية إنشاء قطبين قضائيين متخصصين منفصلين أو متجزئين، الأول منوط بمعالجة الجرائم المتعلقة بالفساد المالي، أمّا الثاني، فهو ينفرد بمعالجة القضايا المرتبطة بالجرائم الإرهابية، بالإضافة إلى قطب آخر أمني منوط به الاستعلام حول الجرائم الإرهابية وهو غير عملياتي، بمعنى ليس له علاقة بالقضاء العدلي أو كما يعرف بالشرطة القضائية في التشريع الجزائري.
خاصية الاختصاص الإقليمي الوطني:
أيّ أنّ اختصاص القطبين أو بالأحرى الأقطاب الثلاثة، القضائيين بالإضافة إلى الأمني، لهما اختصاص إقليمي يمتد إلى إقليم الدولة كوحدة إقليمية واحدة.
خاصية الجزئية:
وهي تتمثل في كون الأقطاب القضائية المتخصصة في تونس لم يشمل جميع مراحل الدعوى الجنائية، وإنّما اقتصر على مرحلتي الادعاء والتحقيق، دون أن تغطي مرحلة هامة وهي مرحلة التحقيق النهائي، أو ما يعرف بالمحاكمة النهائية ومواكبة صدور حكم جنائي بات، فكلا القطبين يضم قضاة تحقيق وأعضاء دائرة اتهام وممثلين للنيابة العمومية بدرجتيها يشتغلون بالمحكمة الابتدائية وبمحكمة الاستئناف بتونس، وما يميز بين القطبين الأول والثاني، فإن القطب الثاني ضمّ في مقره دائرة اتهام تمثل قضاء التحقيق في رتبته الثانية –غرفة اتهام- وهو أمر لم يحصل مع قطب قضايا الفساد المالي.
قرار إنشاء هذه الأقطاب من اختصاص السلطة التنفيذية:
كما رأينا أعلاه بخصوص تأسيس الأقطاب القضائية ذات الاختصاص الموسع في الجزائر قد مرّ على مراحل تشريعية وتنظيمية، أمّا في تونس لقد اختزلت الإجراءات القانونية في قرارات تنظيمية للسلطة التنفيذية، الأمر الذي يمكن أن يوسم بالمساس باستقلالية القضاء12.
المطلب الثاني: موقع الأقطاب المتخصصة في التنظيم القضائي وأهميتها
يثور التساؤل بخصوص الوضعية القانونية للأقطاب القضائية المتخصصة وموقعها من مختلف الجهات القضائية التي يتشكل منها التنظيم القضائي الجزائري المنظم بموجب القانون العضوي رقم 11-05 أعلاه، لذا يبدوا أنّه من الأهمية بمكان دراسة الطبيعة القانونية للأقطاب القضائية المتخصصة (فرع أول) ومن ثم التطرق إلى الأسباب والدوافع التي دفعت المشرّع إلى تأسيس هذا التخصص، أو بعبارة أخرى الأهمية التي يكتسيها تأسيس مثل هذه الأقطاب المتخصصة (الفرع الثاني).
الفرع الأول: الطبيعة القانونية للأقطاب القضائية المتخصصة
تجدر الإشارة إلـى أنّ هذه الأقطاب لا تمثل جهات قضائية قائمة بذاتها داخلة في هيكل التنظيم القضائي الجزائري، للعلم عند إحالة نص القانون العضوي رقم 05-11 على المجلس الدستوري بعد مصادقة البرلمان بغرفتين عليه، حيث أدرجت الأقطاب القضائية المتخصصة ضمن المادة 24 من القانون العضوي، محل الإخطار، ضمن الفصل الخامس من الباب الثاني المتعلق بالجهات القضائية الخاضعة للنظام القضائي العادي، إلى جانب المحكمة العليا والمجالس القضائية والمحاكم والجهات القضائية الجزائية المتخصصة –محكمة الجنايات والمحكمة العسكرية-، ولقد أصدر المجلس الدستوري -بعد إحالة مشروع القانون العضوي عليه قبل إصداره طبقا لأحكام الدستور13-، رأيا بعدم مطابقة هذا النص لأحكام الدستور14.
حيث اعتبر: ﴿أنّ المشرّع حين أقرّ بدوره إمكانية إنشاء هيئات قضائية مسماة “أقطاب قضائية متخصصة”، في المادة 24 من القانون العضوي، موضوع الإخطار، يكون قد أخل بالمبدأ الدستوري القاضي بتوزيع مجالات الاختصاصات المستمد من المادتين 122 و 123 من الدستور﴾، هذا من جهة.
أمّا من جهة أخرى، فلقد اعتبر المجلس الدستوري: ﴿أنّ المشرّع لمّا وضع حكما تشريعيا في المادة 24 من القانون العضوي، موضوع الإخطار، يترتب على تطبيقه تحويل صلاحيات إنشاء الهيئات القضائية إلى المجال التنظيمي الذي يعود لرئيس الحكومة طبقا للمادة 125 (الفقرة الثانية) من الدستور –هذا قبل التعديل الدستوري لسنة 2008-، ويعد ذلك مساسا بالمادة 122-6 من الدستور﴾، ﴿واعتبارا بالنتيجة، فإنّ المشرّع عند إقراره إمكانية إنشاء أقطاب قضائية متخصصة وتنازله عن صلاحيات إنشائها للتنظيم، يكون قد تجاوز مجال اختصاصه من جهة، ومس بالمادة 122-6 من الدستور، من جهة أخرى﴾15.
علما أنّ نص المادتين 24 و 25 كما وردتا إلى المجلس الدستوري هي كالتالي:
﴿المادة 24: يمكن إنشاء أقطاب قضائية متخصصة ذات اختصاص إقليمي موسع لدى المحاكم.
يتحدد الاختصاص النوعي لهذه الأقطاب حسب الحالة، في قانون الإجراءات المدنية أو قانون الإجراءات الجزائية﴾.﴿المادة 25: تتشكل الأقطاب القضائية المتخصصة من قضاة متخصصين.يمكن الاستعانة، عند الاقتضاء، بمساعدين.تحدد شروط وكيفيات تعيينهم عن طريق التنظيم﴾16.
وعليه، فالقارئ لنص المادة 24 أعلاه يلاحظ أنّ المشرّع وفر إمكانية إنشاء أقطاب قضائية متخصصة لدى المحاكم، وليس محاكم قائمة بذاتها، وهو ما يظهر جليا من خلال الفقرة الأولى من نص المادة 24 إذ يقول ﴿ يمكن إنشاء أقطاب قضائية متخصصة ذات اختصاص إقليمي موسع لدى المحاكم﴾. وعلى هذا الأساس، فإنّ موقف المجلس الدستوري جاء دفاعا على أحكام الدستور لا سيما المادة 122-6 التي تخول السلطة التشريعية بموجب قانون عادي إنشاء هيئات قضائية، وليس بموجب قانون عضوي17، حيث جاء فيها: ﴿المادة 122: يشرع البرلمان في الميادين التي يخصصها له الدستور، وكذلك في المجالات الآتية:
$1- 6 القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي، وإنشاء الهيئات القضائية،…﴾18.
وبعد رأي المجلس الدستوري المشار إليه أعلاه، صدر النص خاليا من أيّ عبارة تشير إلى الأقطاب القضائية المتخصصة لا في المادة المدنية ولا في المادة الجزائية. لا سيما نص المادة 13 من القانون العضوي رقم 05-11 المؤرخ في 17 يوليو سنة 2005 المتعلق بالتنظيم القضائي الذي تضمن أحكام تنظيم المحكمة في شكل أقسام ولم يشر إلى القطب، بالرّغم من أنّ هذا الأخير –القطب- في قانون الإجراءات المدنية بموجب المادة 32 وضع إلى جانب الأقسام لدى المحكمة، وحسب رأينا، فإنّ المشرّع عند وضعه لنصوص القانون العضوي أعلاه، كان بإمكانه إدخال الأقطاب الجزائية المتخصصة ضمن الفصل الرابع المعنون بــ: “الجهات القضائية الجزائية المتخصصة” حيث خص في هذا الإطار نص المادة 18 لمحكمة الجنايات، ونص المادة 19 للمحكمة العسكرية وكلاهما لا تمثلان جهات قضائية قائمة بذاتها وإنّما هما عبارة عن تشكيلات قضائية متخصصة في إطار المجلس القضائي، تنظر في قضايا حدّد المشرّع اختصاصها النوعي بموجب التشريع المعمول به، لا سيما قانون العقوبات، قانون الإجراءات الجزائية، قانون القضاء العسكري ونصوص أخرى19، على الرّغم من إعطائها صفة الجهة القضائية كما هو واضح من عنوان الفصل.
هذا بالنسبة للأقطاب الجزائية، نفس الأمر كان يمكن أن يكون بالنسبة للمادة المدنية، بحيث يدرج عنوان خاص بالجهات القضائية المدنية المتخصصة ضمن الفصل الثالث المتعلق بالمحاكم.
في الواقع، اتخذت السلطات المختصة إجراءً مغايرا، وهو جعل الأقطاب عبارة عن اختصاص إقليمي موسع لبعض المحاكم وذلك بتمديد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية وقاضي التحقيق والمحكمة فيها، أيّ القضاء الجالس، بمناسبة التصدي لبعض الجرائم المحدّدة على سبيل الحصر، وهذا إعمالا لصلاحيات السلطة التنفيذية في تعيين الاختصاص المحلي –الإقليمي- للمحاكم والمجالس القضائية، على عكس الاختصاص النوعي، إذ هو حكر على السلطة التشريعية بموجب نصوص الدستور ولأنه من النظام العام، وفي هذا الصدد سنّ المشرّع الجزائري في نص المادة 11 من القانون العضوي رقم 05-11 المؤرخ في 17 يوليو سنة 2005 المتعلق بالتنظيم القضائي أنّ اختصاص المحكمة يتحدد في قانون الإجراءات المدنية وقانون الإجراءات الجزائية والقوانين الخاصة المعمول بها20.
الفرع الثاني: أهمية الأقطاب الجزائية المتخصصة
إنّ توجه الدولة نحو التخصص القضائي21، يهدف إلى إنشاء تشكيلات قضائية من قضاة متخصّصين على مستوى النيابة، التحقيق والمحاكمة، تستقطب أو تستأثر بالاختصاص في القضايا ذات الصلة بالجرائم الخطيرة على غرار الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، المخدرات…الخ، في شكل أقطاب متخصصة توضع لدى بعض المحاكم التي يتم توسيع اختصاصها المحلي ليشمل اختصاص إقليمي لمحاكم أخرى على امتداد مناطق ذات بعد جهوي22.
بالإضافة إلى ذلك، هناك أمر غاية في الأهمية يعتبر لربما الدافع الرئيسي إلى انتهاج هذا الطريق وهو أنّ الجرائم المعنية تمتاز بالخطورة الشديدة والتعقيد وسرعة تحركها في داخل الإقليم وخارجه بالنظر إلى عدة اعتبارات لعلّ أهمها خطورة العناصر الإجرامية والوسائل المستخدمة في التخطيط وارتكاب الجريمة والآثار التي تخلفها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
هذه الجرائم تتطلب من أجل تعقب مرتكبيها وإثبات الأفعال المجرمة وإسنادها إليهم، الكثير من الوسائل البشرية واللوجستية والتحكم في التكنولوجيا الحديثة من أجل إدارة بحث وتحريات فعالة، هذا من جهة، وتنطوي على مخاطر كبيرة وآثار بالغة على الحقوق والحريات، من جهة أخرى، الأمر الذي لا يمكن توفير هذه الوسائل في كل المحاكم، مما حذا بالسلطات الاهتداء إلى فكرة تجميع هذه الامكانيات في محاكم محددة على شاكلة الأقطاب المتخصصة. وفي هذا الصدد، قال الأستاذ عبد السلام ذيب: “وإنّ إنشاء هذه الأقطاب، يفرضه منطق تجميع الوسائل البشرية والمادية والمالية في عدد محدد من الجهات القضائية بسبب حجم وتعقيد المنازعات الذي يتطلب تخصصا دقيقا ومتزايدا باستمرار”23، هذا من حيث الأهمية أو الدوافع المنطقية والموضوعية لسلوك المشرّع هذا المنحى المتمثل في التخصص القضائي.
تجدر الإشارة إلى أنه، فيما يتعلق بالضمانات التي يوفرها المشرّع من أجل أن لا تتحول هذه المحاكم إلى ما يشبه المحاكم الخاصة أو الاستثنائية، لا سيما في المادة الجزائية، الأمر الذي يمكن معه أن يمس بمبدأ الحقّ في محاكمة عادلة –وهو معيار دستوري- حصر المشرّع الجزائري مسألة تحديد تشكيلة هذه الأقطاب المتخصصة وإحالة الاختصاص النوعي لها وإجراءات التقاضي أمامها مع كل ما توفره من ضمانات، في نصوص قانون الإجراءات المدنية والإدارية في المسائل المدنية والتجارية، وقانون الإجراءات الجزائية فيما يخص المسائل الجزائية24.
ثمة أمر غاية في الأهمية يجب الإشارة إليه، وهو أنّ الاختصاص الإقليمي الموسع لا يقتصر على مرحلة معينة من عمر الدعوى، وإنّما يشمل جميع مراحلها، فمثلا في المادة الجزائية، يبدأ من التحقيق الأولي أو -مرحلة الاستدلال- والاتهام، التحقيق الابتدائي، إلى التحقيق النهائي والحكم حسب الأحوال، بحيث إذا كانت القضية مكيفة جنحة تنظر أمام المحكمة، أمّا إذا كيفت جناية فإنها تحال على محكمة الجنايات المختصة.
تطرقنا في المبحث أعلاه، بالتفصيل إلى نشأة الاختصاص القضائي الموسع وظروفه ودوافعه، في المادة المدنية كما في المادة الجزائية وسواء كان ذلك في النظام القضائي الجزائري أو بعض الأنظمة المقارنة.
وبما أنّ الاختصاص القضائي الموسع قد تجسد بالفعل في المادة الجزائية في شكل أقطاب جزائية متخصصة منذ سنة 2006، فإنّه من الأهمية بمكان دراسة تنظيم هذه الأقطاب والآلية التي اعتمدها المشرّع في إسناد الاختصاص النوعي والإقليمي للأقطاب الجزائية المتخصصة، الموضوع الذي سيكون محل الدراسة في المبحث الموالي.
المبحث الثاني: تنظيم الجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع
إنّ التنظيم كمفهوم شامل، يقتضي تحديد المهام وتوزيع الأدوار على العناصر الفاعلة التي تتشكل منها المنظمة أو المؤسسة أو جهاز ما، بحيث تصنف المهام على أساس التجانس مثلا، ومن ثمّ تناط بالأفراد أو الجهات ذات الكفاءة في حدود نطاق جغرافي معين، سواء كان هذا التوزيع على شكل عمودي أو أفقي.
وعليه، فإنّ الجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع، هي محاكم قد أناط بها القانون اختصاصا اقليميا آخر بالإضافة إلى دائرتها الإقليمية الأصلية (المطلب الأول) وذلك مقصورا على جرائم محدّدة تقتضي طبيعتها ذلك (المطلب الثاني).
المطلب الأول: الاختصاص الاقليمي للجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع والضبطية القضائية
إنّ فكرة إنشاء محاكم ذات اختصاص موسع ظهرت كأحد مخرجات برنامج إلى إصلاح العدالة وتطوير أداءها، هذا من جهة، واتجاه المشرّع الجزائري نحو سياسة تجريمية قصد تطويق أفعال أصبحت تضر بالمصالح الحيوية للمجتمع وتصب في اتجاه التزامات الدولة الجزائرية كمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية والجريمة الالكترونية وغيرها من الجرائم التي تتطلب كفاءة مهنية عالية، وتقنيات تحرّي خاصة تتطلب وسائل مادية وبشرية ذات نوعية، هذا من جهة أخرى.
وعلى هذا الأساس جاء القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10/11/2004 المتضمن تعديل الأمر رقم 66-155 المتعلق بقانون الإجراءات الجزائية، حيث عدل المواد 37 ، 40 و 329 منه، مؤسسا لامكانية توسيع الاختصاص المحلي لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى تحدد عن طريق التنظيم، هذا بمناسبة متابعة جرائم معينة بالتحديد.
ولقد جسدت السلطة التنفيذية هذا الاتجاه نحو فكرة التخصص القضائي بصدور المرسوم التنفيذي رقم 06-348 المؤرخ في 05/10/2006، حيث تم بموجبه تحديد أربعة محاكم على المستوى الوطني وتوسيع اختصاصها الاقليمي ليشمل دوائر اختصاص محاكم أخرى موزعة على جهات الوطن الأربع، شرقا، وسطا، غربا وجنوبا25.
إنّه وبمناسبة الحديث عن الاختصاص الإقليمي للأقطاب القضائية الجزائية المتخصصة، من الطبيعي التطرق إلى الاختصاص الإقليمي لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة، فإنّه وفي كل الأحوال، لا يعقل تجاوز الحديث عن الاختصاص الإقليمي لأداة قضائية محورية لا يستغنى عنها في مرحلتي الاستدلال والتحقيق، وهي الضبطية القضائية، وعليه، فسنتناول بالدراسة قواعد إسناد الاختصاص المحلي لكل من المحكمة ذات الاختصاص الجزائي الموسع -المجسدة في القطب الجزائي- والضبطية القضائية.
الفرع الأول: الاختصاص الإقليمي للأقطاب الجزائية
صدر المرسوم التنفيذي رقم 06-348 أعلاه متضمنا تحديد الجهات القضائية التي سيوسع اختصاصها المحلي ونطاق ذلك، حيث حدّد أربعة (4) محاكم على المستوى الوطني وهي محكمة سيدي امحمد بالجزائر العاصمة، محكمة قسنطينة، محكمة وهران ومحكمة ورقلة.
أولا: محكمة سيدي امحمد
تقع محكمة سيدي امحمد بالجزائر العاصمة ويمتد اختصاصها الاقليمي ليشمل اختصاص محاكم تقع في دائرة اختصاص مجالس قضائية لكل من الجزائر، الشلف، الأغواط، البويرة، تيزي وزو، الجلفة، المدية، المسيلة، بومرداس. وهي عشر (10) مجالس قضائية، تشمل إداريا ولايات تقع جغرافيا في وسط شمال القطر الجزائري27.
ثانيا: محكمة قسنطينة
وتقع في مدينة قسنطينة ويمتد اختصاصها الاقليمي إلى اختصاص محاكم التابعة للمجالس القضائية لكل من: قسنطينة، أم البواقي، بجاية، بسكرة، تبسة، جيجل، سطيف، سكيكدة، عنابة، قالمة وبرج بوعريريج. بما مجموعه اثني عشر (12) مجلس قضائي يشمل إداريا ولايات تقع جغرافيا في شرق وجنوب شرق القطر الجزائري27.
ثالثا: محكمة وهران
تقع في مدينة وهران ويمتد اختصاصها الإقليمي إلى نطاق اختصاص المحاكم التابعة للمجالس القضائية لكل من وهران، بشار، تلمسان، تيارت، سعيدة، سيدي بلعباس، مستغانم، معسكر، البيض، تيسمسيلت، النعامة، عين تموشنت وغليـزان. أيّ يشمل نطاق اختصاصها الإقليمي إداريا أربعة عشر (14) ولاية، تقع جغرافيا في غرب وجنوب غرب القطر28.
رابعا: محكمة ورقلة
وتقع في مدينة ورقلة، ويمتد اختصاصها الإقليمي إلى نطاق اختصاص المحاكم التابعة للمجالس القضائية لكل من ورقلة، أدرار، تامنغاست، إليزي، تندوف وغرداية. أيّ أنّ نطاق اختصاص هذه المحكمة، يمتد جغرافيا إلى ستة (6) ولايات تغطي مناطق الجنوب الكبير، تمتد من الحدود الشرقية الجنوبية إلى غاية الحدود الغربية الجنوبية29.
تجدر الإشارة إلى أنّه وبالإضافة إلى ما سبق، فإنّ المحاكم الجزائرية يمتد اختصاصها المحلي إلى خارج حدود الإقليم الوطني إذا تعلق الأمر بالجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال الصادر بموجب القانون رقم 09-04 المؤرخ في 05 غشت 2009، في حال ارتكابها خارج الإقليم الوطني، عندما يكون مرتكبها أجنبيا وتستهدف مؤسسات الدولة الجزائرية أو الدفاع الوطني أو المصالح الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، مع ما يلزم هذا الأمر من وجود إطار التعاون والمساعدة القضائية الدولية وفي حدود الاتفاقيات الدولية ومبدأ المعاملة بالمثل30.
الفرع الثاني: الاختصاص الإقليمي لضباط الشرطة القضائية
يتحدد في الأصل، الاختصاص المكاني أو الاقليمي لضباط الشرطة القضائية تحت سلطة وكيل الجمهورية الذي يدير عملهم في مرحلة جمع الاستدلالات، وبانتداب قاضي التحقيق، في حالة فتح تحقيق قضائي، بمكان ارتكاب الجريمة أو مكان توقيف المشتبه فيهم أو مكان إقامتهم، غير أنّه وبناء على المواد 16 و 16 مكرر و 40 مكرر1 و 40 مكرر2 و 40 مكرر3 من قانون الإجراءات الجزائية، فإنّ الاختصاص الإقليمي لضباط الشرطة القضائية، يتسع ليشمل اختصاص إقليمي لمحاكم أخرى غير المحكمة التي يباشرون مهمتهم في دائرة اختصاصها ليشمل دائرة اختصاص المحكمة المختصة أو بعبارة أخرى الموسع اختصاصها الإقليمي وفقا لأحكام المرسوم التنفيذي رقم 06-348 أعلاه.
كما قد يمتد أيضا اختصاصهم إلى كامل الإقليم الوطني، وهذا في حالة ما إذا تعلق الأمر بالتحريات في جرائم بعينها، حصرتها المادة 16/7 في: ﴿جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف﴾، في حالة بحث ومعاينة احدى هذه الجرائم، فإنّ اختصاص ضباط الشرطة القضائية يمتد إلى كامل التراب الوطني31.
ولقد أحال نص المادة 16 مكرر إلى المادة 16 أعلاه عند إشارته إلى هذا النوع من الجرائم23، بالإضافة إلى ذلك، فإنّ نص المادة 16 أعلاه، أشار إلى الاختصاص المحلي لضباط الشرطة القضائية التابعين لمصالح الأمن العسكري، إذ يمتد اختصاصهم المحلي أصلا إلى كافة الإقليم الوطني في جميع الأحوال34.
دائما في هذا السياق، لقد أنشئت مصلحة مركزية للشرطة القضائية للمصالح العسكرية للأمن العسكري التابعة لوزارة الدفاع الوطني بموجب المرسوم الرئاسي رقم 08-52 مؤرخ في 9 فبراير سنة 2008، ولقد حُدّدت مهام هذه المصلحة بمعاينة الجرائم المقررة في قانون العقوبات وقانون القضاء العسكري35، وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها ما لم يفتح تحقيق قضائي بشأنها. وفي حال فتح تحقيق قضائي فإنّ المصلحة تنفذ تفويضات جهات التحقيق وتلبي طلباتها36.
يتضح من مهام هذه المصلحة أنّ تدخلها كان عاما، ما دام المشرّع حدد نطاق تدخلها باستعمال معيارا عاما، وهو نطاق تدخل قانون العقوبات والنصوص المكملة له، وقانون القضاء العسكري، وبالتالي، فمن الطبيعي أن يشمل الجرائم السبعة والتي: هي جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف، بالإضافة إلى جرائم الفساد. علما أنّ اختصاصها المحلي يشمل الإقليم الوطني.
إلاّ أنّ هذه المصلحة تم حلها بموجب المرسوم الرئاسي رقم 13-309 مؤرخ في 8 سبتمبر سنة 2013 الذي تضمن مادة واحدة حلت بموجبها المصلحة المركزية للشرطة القضائية للمصالح العسكرية للأمن التابعة لوزارة الدفاع الوطني37.
وفي سنة 2014، وبموجب المرسوم الرئاسي رقم 14-183 المؤرخ في 11/6/2014، تم إنشاء مصلحة أخرى سميت مصلحة التحقيق القضائي لمديرية الأمن الداخلي بدائرة الاستعلام والأمن38، حيث حددت مهامها بصفة دقيقة وعلى سبيل الحصر39 وفق المواد 4 و 5 و 6 و 8 من المرسوم أعلاه، حيث تقوم في إطار مهامها وطبقا للقوانين المعمول بها، بضبط الإجراءات القضائية اللازمة لجمع الأدلة المعنوية والمادية المرتبطة بالجرائم والجنح التابعة لاختصاصاتها المنصوص عليها في المادتين الخامسة (5) والسادسة (6) من هذا المرسوم.
وبناء عليه، فإن المصلحة تقوم بمعالجة الآثار القضائية للقضايا المتصلة بأمن الإقليم، الإرهاب، التخريب والجريمة المنظمة، كما تقوم المصلحة بالمساهمة في الوقاية من أيّ من أشكال التدخل الأجنبي، وفي قمعه، كما تساهم في الوقاية من أعمال الإرهاب أو الأعمال التي تمس بأمن الدولة أو سلامة التراب الوطني أو الحفاظ على مؤسسات الدولة، وتساهم في قمع ذلك، تشارك في الوقاية من أيّ نشاط تخريبي وعدواني يستهدف مؤسسات الدولة وفي إبطاله، تساهم في قمع الأنشطة التي تقوم بها التنظيمات الإجرامية الدولية بهدف المساس بالأمن الوطني، كما تساهم في الوقاية من الإجرام المتصل بالتكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، وفي قمعه40.
بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصلحة تضطلع أيضا بتنفيذ إنابات وطلبات الجهات القضائية، طبقا للقانون، وفي إطار المهام والصلاحيات المنوطة بها قانونا، وفي هذا الإطار تباشر التحقيقات قصد جمع المعطيات الضرورية لدراسة الملف القضائي، تسهر على احترام الإجراءات والتنظيمات المعمول بها والمتعلقة بتسيير الملفات القضائية وإدارتها، كما تُؤهل لمعالجة ملفات التعاون القضائي المتبادل.
هذا، فيما يخص تعيين اختصاص ضباط الشرطة القضائية وفق القواعد العامة للإجراءات الجزائية، فهل هناك من قواعد خاصة أيضا تعنى بتحديد اختصاص هذه الجهة؟
بالفعل، هناك نصوص خاصة وردت في بعض القوانين العقابية التكميلية أو القوانين التي تضمنت آليات الوقاية والمكافحة لبعض الجرائم، منها قانون الوقاية من الفساد ومكافحته، وكذلك نصوص أخرى.
لقد ورد في نص المادة 24 مكرر1 فقرة 2 من القانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم، أنّ ضبّاط الشرطة القضائية التابعين للديوان المركزي لقمع الفساد، يمتد اختصاصهم المحلي في جرائم الفساد والجرائم المرتبطة بها إلى كامل التراب الوطني.
أمّا بخصوص الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال المنصوص عليها في قانون العقوبات41، المواد من 394 مكرر إلى 394 مكرر7، بالإضافة إلى النصوص الأخرى، والنصوص المتعلقة بالوقاية منها ومكافحتها، لا سيما القانون رقم 09-04 أعلاه، والنصوص التنظيمية الصادرة قصد تطبيق أحكامه، لا سيما المرسوم الرئاسي رقم 15-261 المؤرخ في 8 أكتوبر سنة 2015، فإنّ ضباط الشرطة القضائية التابعين للهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها، يمارسون مهامهم في كامل التراب الوطني.
رأينا في المطلب الأول أعلاه كيف أنّ السلطة التنفيذية وزعت الاختصاص الإقليمي للأقطاب الجزائية المتخصصة على جهات قضائية بعينها عبر التراب الوطني دون الأخرى، بناء على معطيات دقيقة وموضوعية، بالإضافة إلى الاختصاص المحلي لضباط الشرطة القضائية، أمّا الاختصاص النوعي، فليس للسطلة التنفيذية صلاحية تعيينه، وإنّما يرجع هذا الدور إلى السلطة التشريعية المناط بها تنظيم المسائل المتعلقة بقواعد التنظيم القضائي، إنشاء الهيئات القضائية وتحديد الاختصاص النوعي لها، وذلك وفقا لأحكام الدستور، المادة 122 فقرة 6 و7 منه. هذا ما ستناوله بالدراسة في المطلب الثاني أدناه.
المطلب الثاني: الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة
يقصد بالاختصاص النوعي بصفة عامة الولاية القضائية لجهة بعينها للنظر في قضايا محدّدة أو جرائم معينة بنص القانون42.
وفيما يتعلق بالاختصاص النوعي للمحاكم ذات الاختصاص الموسع، فلقد خصّها القانون بهذه المناسبة –أيّ توسيع اختصاصها الاقليمي- بالنظر في جرائم محدّدة، حيث وبداية من سنة 2004 وفي إطار إصلاح العدالة وتطويرها تماشيا مع التطورات التي عرفتها الجريمة وسرعة انتشارها في العالم ومنه الجزائر بحكم الفضاء الدولي الذي ما فتئ ينفتح، ونتيجة لعولمة التعاملات الاقتصادية، والتفاعلات الثقافية والاجتماعية والسياسية.
وبعد مصادقة الجزائر على جملة من الاتفاقيات الدولية، كان من الضروري أن يستتبع ذلك عملية تكييف القوانين الداخلية مع محتوى هذه الاتفاقيات، بأن عرفت المنظومة القانونية الجزائرية عدّة تعديلات وتتمات وخاصة في القواعد الجنائية، الموضوعية منها والإجرائية، لاسيما قانون العقوبات، قانون الإجراءات الجزائية والنصوص الخاصة المتعلقة بمكافحة جرائم معينة.
إنّه وبمناسبة الحديث عن الاختصاص النوعي للأقطاب القضائية الجزائية المتخصصة، من الطبيعي التطرق إلى الاختصاص النوعي لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة، وعليه، فسنتناول بالدراسة لقواعد إسناد الاختصاص النوعي للمحاكم ذات الاختصاص الجزائي الموسع، علما أنّ هناك قواعد عامة، يتم تناولها ضمن قانون الإجراءات الجزائية، وقواعد خاصة، يتم إدراجها ضمن نصوص تجريمية مكملة تتناول جريمة بعينها أو مجموعة جرائم على غرار قانون الوقاية من الفساد ومكافحته والقانون المتعلق بالقواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والاتصال ومكافحتها43.
الفرع الأول: القواعد العامة للاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصةعالج المشرع الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة، بالمواد 37 و 40 و 329 من قانون الإجراءات الجزائية، وهي النصوص –بالمناسبة- التي تحدد قواعد الاختصاص الإقليمي –المحلي- لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة، في الظروف العادية، لكن يتم توسيع هذا الاختصاص ليشمل اختصاص إقليمي لجهات قضائية أخرى عندما يتعلق الأمر بجرائم مذكورة على سبيل الحصر، حيث جاءت كالتالي:
أولا: وكيل الجمهورية
نصت المادة 37/2، على: ﴿يجوز تمديد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى، عن طريق التنظيم، في جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف﴾.
ثانيا: قاضي التحقيق
حيث جاء فيها المادة 40/2 أيضا: ﴿يجوز تمديد الاختصاص المحلي لقاض التحقيق إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى، عن طريق التنظيم، في جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف﴾.
ثالثا: المحكمة كقطب جزائي متخصص
تناولت المادة 329/5 مسألة تحديد الاختصاص النوعي لها حيث جاء فيها: ﴿يجوز تمديد الاختصاص المحلي للمحكمة إلى دائرة اختصاص محاكم أخرى عن طريق التنظيم، في جرائم المخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة الآلية للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف﴾.
تجدر الإشارة إلى أنّ هذه النصوص كلها عُدلت بموجب القانون رقم 04-14 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004، المذكور أعلاه، أي في تاريخ وضع القواعد القانونية المتعلقة بتأسيس الاختصاص الجزائي الموسع التي أصبحت فيما بعد تسمى “الأقطاب القضائية المتخصصة”.
كما أشارت هذه النصوص إلى أنّ مسألة تمديد الاختصاص لكل من وكيل الجمهورية، قاضي التحقيق والمحكمة المختصة، تعود إلى التنظيم، وهو ما تجسد بالفعل في سنة 2006 بموجب المرسوم التنفيذي رقم 06-348 المذكور أعلاه، والذي نص في المادة الأولى منه على أنّ هذا المرسوم جاء تطبيقا لأحكام المواد 37 و 40 و 329 من قانون الإجراءات الجزائية، والتي خولته تمديد الاختصاص المحلي لبعض المحاكم ووكلاء الجمهورية وقضاة التحقيق إلى دوائر اختصاص محاكم أخرى موضحة على سبيل التدقيق في المواد اللاحقة منه، إذا تعلق الأمر بجرائم متعلقة بـ: ﴿المتاجرة بالمخدرات والجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية والجرائم الماسة بأنظمة المعالجة للمعطيات وجرائم تبييض الأموال والإرهاب والجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف﴾44.
كما نشير إلى ملاحظة هامة، وهي أنّ المرسوم التنفيذي جاء بعبارة “المتاجرة بالمخدرات” بينما العبارة الواردة في نصوص المواد 37 و 40 و 329 أعلاه، هي “جرائم المخدرات”، ولا شك أنّ هذا الأمر يُعدُّ عدم تقيد بالنصّ التشريعي الذي أحال عليه مسألة توسيع الاختصاص، لا توسيع التجريم، وشتان بين العبارتين، إذ أنّ لكل لفظ دلالة قانونية تنصرف إليه.
ذكرت هذه النصوص بالتحديد نوع الجرائم التي تدخل ضمن الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة، وهي ستة (6) أنواع من الجرائم، ذكرتها بنفس الترتيب كل من نص المادة 37 ، 40 و 329 أعلاه. هذا ما جاءت به القواعد العامة في الإجراءات الجزائية، فهل من جرائم أخرى ذكرت في نصوص تجريمية خاصة؟ هذا ما سنتناوله في الفرع التالي من هذه الدراسة.
الفرع الثاني: القواعد الخاصة للاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة
في الواقع، هناك نوع آخر من الجرائم، وهي جرائم الفساد، وهي طائفة كبيرة من الجرائم نص عليها القانون رقم 06-01 المؤرخ في 20 فبراير سنة 2006، المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته، المعدل والمتمم45، فلقد جاء في نص المادة 24 مكرر1 منه المضافة بموجب الأمر رقم 10-05، أنّه: ﴿تخضع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون لاختصاص الجهات القضائية ذات الاختصاص الموسع وفقا لأحكام قانون الإجراءات الجزائية﴾.
بهذا النص أصبحت جرائم الفساد ضمن الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة، وهي جرائم عديدة، بلغ عددها سبعا وعشرين (27) جريمة، وبالرّجوع إلى المنهجية التي اتبعها المشرّع في تقسيم بعض الجرائم إلى جرائم فرعية عديدة، ليصبح عددها في الأخير ثلاثين (30) جريمة46.
تجدر الإشارة أيضا، إلى حقيقة أنّه ليس بالضرورة كل جريمة من جرائم الفساد أو حتى من الجرائم الستة المذكورة آنفا والتي تدخل ضمن الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة، تؤول مباشرة وتلقائيا إلى نظر هذه الأخيرة، إذ أنّ هناك سلطة تقديرية للنيابة العامة في تفعيل اختصاصها الموسع، وهذا ما يستشف من نص المادة 40 مكرر2 حيث جاء فيها: ﴿يطالب النائب العام بالإجراءات فورا إذا اعتبر أنّ الجريمة تدخل ضمن اختصاص المحكمة المذكورة في المادة 40 مكرر من القانون… ﴾، أيّ، المحكمة التي تم توسيع اختصاصها الإقليمي، وهي إشارة إلى السلطة التقديرية للنيابة العامة في أن تترك القضية تسير حسب الإجراءات القانونية في الظروف العادية، أو أن تطالب بالقضية وكل ما يتعلق بها في أيّ مرحلة كانت عليها الدعوى.
وجاء أيضا في نص المادة 40 مكرر3: ﴿يجوز للنائب العام لدى المجلس القضائي التابعة له الجهة القضائية المختصة، أن يطالب بالإجراءات في جميع مراحل الدعوى… ﴾. إذن، هي إشارة إلى السلطة التقديرية للنيابة العامة في اعتبار ما إذا كانت الجريمة ضمن اختصاصه أم لا وبالتالي التمسك وممارسة صلاحياته وذلك لاعتبارات كثيرة، منها أهمية الجريمة والأشخاص المتورطين فيها وإذا ما كانت تربطهم علاقة بجريمة أخرى محل بحث وتحقيق، إلى غير ذلك من الاعتبارات الموضوعية.
درسنا ضمن هذا المبحث عنصرين هامين في شكل مطلبين، تناولنا في الأول قواعد توزيع الاختصاص الإقليمي للمحاكم ذات الاختصاص الإقليمي الموسع وكذلك الحال بالنسبة للضبطية القضائية كنتيجة حتمية للارتباط الوظيفي بين الجانبين وهما المحكمة والضبطية القضائية بمختلف أنواعها من مصالح أمن ودرك وطني ومصالح عسكرية للأمن التابعة للجيش الوطني الشعبي. أمّا المطلب الثاني، فلقد خصصناه لدراسة الاختصاص النوعي للأقطاب الجزائية المتخصصة وذلك في ضوء القواعد العامة والخاصة للإجراءات الجزائية.
الخاتمة
في ختام هذه الدراسة لا يسعنا إلاّ التذكير بالنتائج التي أمكننا التوصل إليها، وهي أنّ السلطات المختصة في إطار برنامج إصلاح العدالة وتطويرها، توصلت إلى أنّ معالجة القضايا المتعلقة بالتجارة الدولية، الإفلاس والتسوية القضائية، المنازعات المتعلقة بالبنوك، منازعات الملكية الفكرية، المنازعات البحرية، النقل الجوي ومنازعات التأمينات تختص بها أقطاب مدنية متخصصة، هذا في المجالات المدنية والتجارية في الوقت الذي تستعد الجزائر فيه إلى الدخول إلى فضاءات اقتصادية وتجارية دولية وإقليمية، الأمر الذي لا شك فيه أنّه يزيد من حجم القضايا والمنازعات التي تتطلب قدرة عالية من أجل التحكم في معالجتها، إلاّ أنّ الملاحظ، في الواقع، أنّ السلطة التنفيذية لم تستتبع صدور قانون الإجراءات المدنية والإدارية بنصوص تطبيقية من أجل تفعيل الأقطاب المدنية المتخصصة بالرغم من أهميتها كما أشرنا، الأمر الذي يبقي العبء ثقيلا على كاهل المحاكم الحالية، عدا المنازعات المتعلقة بالملكية الفكرية التي ألحقها المشرّع باختصاص محاكم مقر المجلس بموجب نص المادة 40 فقرة 3، ريثما يتم تنصيب الأقطاب المتخصصة وهذا تطبيقا لأحكام نص المادة 1063 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية الواردة ضمن الأحكام الانتقالية والختامية.
أمّا فيما يتعلق بالقضايا الجنائية التي عرفت تطورا رهيبا إن على الصعيد الدولي أو الوطني، فالجريمة المنظمة بكل صورها لا تستثني أيّ بلد مهما كان، ناهيك عن الجزائر بموقعها الجغرافي والاستراتيجي، الأمر الذي جعلها ساحة أو مرورا لكل أنواع الجرائم التي لا يخفى خطرها على المجتمع دولة وأفرادا عن كل ذي بصيرة، الأمر الذي تفطنت له السلطات القضائية وكانت السباقة في المنطقة إلى انتهاج أسلوب التخصص القضائي في محاربة الجريمة المنظمة وآثارها.
وعليه، فلقد تم تنصيب الأقطاب الجزائية المتخصصة الأربعة على النحو الذي رأيناه في الدراسة وبدأت العمل في الميدان منذ سنة 2008 تطبيقا لقواعد قانون الإجراءات الجزائية وبعض القواعد الخاصة، الأمر الذي سوف يثري رصيد القضاة وضباط الشرطة القضائية العاملين في هذا الإطار، بالإضافة إلى سير العمل القضائي ككل وذلك عن طريق ممارسة مختلف الرقابة، لا سيما القضائية منها بواسطة جهات الاستئناف والنقض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى