رأي

عصر الحجر

خليل قانصوه
طبيب متقاعد

لا تشتعل الحرب من عدم ، تسبقها دائما مواقف و منازعات معلقة دون معالجة.هناك حروب ينتصر فيها الطرف الذي يتمكن من الحسم بسرعة ، قبل أن يستجمع خصمه أو خصومه قواهم و حروب تتواجه فيها جيوش ذات قدرات غير متكافئة . لاشك في هذا السياق أن بعض العداوات لا تحل بواسطة العسكر ، و أن الدول التي تعتدي و ترتكب الجرائم ضد الإنسانية و تدمر العمران تحت مظلة سلاح نووي هي دول بربرية .

أعتقد أن وزير الخارجية الأميركية توعّد العراقيين ، أثناء حرب الخليج “باعادتهم إلى عصر الحجر ” ، كرجع صدى لما تضمنه الإنذار الذي تلقته اليابان ، بعد نجاح التجرب الأميركية الأولى للقنبلة الذرية ، و قبل شهر من إلقاء إحداها على هيروشيما و ثانية على نغازاكي بعد أيام من الأولى ” لا ننوي أن نستعبد العنصر الياباني أو أن نمحوه من الوجود ” .

من الطبيعي أن نرتجع في هذه الظروف بعض الأحداث التي طبعت بطابعها المأساة العراقية و في مقدمها ، حملة القصف الجوي التي استمرت أياما عديدة ، ضد أهداف مدنية بشكل خاص مثل محطات تكرير مياه الشفة و مستودعات المواد الغذائية و ملجأ العامرية في بغداد ، اما في ما يتعلق بالأهداف العسكرية فلقد كان لافتا للإنتباه عملية الإبادة التي تعرضت لها القوات المنسحبة من الكويت ، التي لم نسمع بعد عن شهادة جندي نجا منها و لم يُكشف عن عدد الجنود الذين سقطوا و نوعية السلاح الذي استخدم ضدهم . ( لو كانت سلطات الحكم في بعض بلدان العرب و طنية لأجرت تحقيقات حول ما جرى و يجري منذ سنوات 1970 إلى الآن)

جاء في شهادة أدلى بها جنرال أميركي Wesley Clark في 2001 أنه علم بوجود خطة أميركية من أجل إسقاط الدول في سيع دول هي : العراق ، سورية ، لبنان ، ليبيا ، الصومال ، السودان و إيران Michel Collon ) ) . أظن أننا لا نبالغ في القول أن أسقاط الدولة في هذه معظم هذه البلدان هو مرادف للفوضى ، و لسيادة شريعة الغاب . فهذا معطى بات ملموسا على ارض الواقع و لا يحتاج بالتالي إلى شرح و توسع .

تحسن الإشارة أيضا باقتضاب إلى أن الحرب في أوكرانيا أماطت اللثام عن أمور كانت معروفة ، فسهل إدراكها ، و عما كان غير معروف منها ، فلا بد من أخذ هذا كله بعين الإعتبار :

ـ على الأرجح أننا حيال مسألة ملحة يجد المراقب نفسه مضطرا أمامها ، إلى البحث بجدية و موضوعية عن مدى رسوخ الثقافة العنصرية في البلدان المتقدمة ، و تحديدا الغربية حيث الدول الأقوى . يقول إدوارد سعيد ، في ” الإستشراق ” : ” تنامت الثقافة الأوروبية و اتخذت هوية متمايزة عن الشرق ، كونه في نظرها صورة دونية ومكبوتة عن ذاتها ” . يجري التعبير عن ذلك في المنعطفات و المفترقات التاريخية بمحاولات التخلص أو إبعاد هذا الشرق أو محاصرته في أضيق مساحة ممكنة و بناء جدار عال من حوله . تختلف التسميات التي تطلق على مثل هذه العملية المنظمة ، فهي تارة تطهير عرقي ، و تارة أخرى معاداة للسامية ، و لكنها تندرج في الغرب ، مهما تعددت اشكالها و ظروف معاودتها تحت عناوين العنصرية و التمييز العنصري ، والنازية الجديدة .
لقد ظهر مرة أخرى أمام الملأ، أن اللاجئ في الغرب ، يختلف عندما يكون أوكرانيا عن اللاجئ السوري أو العراقي أو الآتي من الكونغو أو من الصومال .و أن المأساة التي تحل في أوكرانيا غير تلك التي وقعت في صربيا ، و أن يوغوسلافيا ليست أوكرانيا ، و أنه لا يحق لدولة مثل روسيا ، ذات الثقافة الآسيوية ـ الشرقية ، أن تهاجم دولة جارة أو بعيدة ، على عكس ما يحق للولايات المتحدة الأميركية و دول الحلف الأطلسي .

ـ السلاح النووي كاداة لإعادة المجتمعات إلى عصر الحجر : جرى البرهان على ذلك كما هو معروف في سنة 1945 في اليابان حيث ألقيت قنبلتان على مدينتين خلال ثلاثة أيام . حيث تبين أنه إلى جانب الخسائر البشرية الهائلة و الدمار الواسع اللذين يترتبان مباشرة عن الحريق النووي ، أن للاخير آثارا سلبية بعد وقوعه على المدى الطويل ، هذا من ناحية أما من ناحية ثانية فمن نافلة القول أن هذا السلاح النووي يفصل في العلاقات الدولية ” بين الجد و اللّعب “.

يحس التذكير في هذا الصدد أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن تمتلك هذا السلاح . ما يعني ضمنيا ، أن وجوده يمثل ضمانة ضد الإنكسار في الحرب ، و أن الوسيلة الوحيدة المتبقية للتأثير على سلوك و سياسة الدولة النووية هي تحريض الناس ضدها في البلاد التي تديرها . يتحقق ذلك عادة باستخدام متزامن لثلاث وسائط هي الحصار التمويني بقصد التجويع و المنظمات ” الإنسانية غير الحكومية ” لشق صفوف الجوعي بإطعام بعضهم ، و أخيرا بواسطة الإعلام الكاذب و المخادع ، الذي أستطاع طيلة ثمان سنوات أحفاء الحرب الدائرة في شرق أوكرانيا عن الرأي العام .

خلاصة القول و قصاراه ، أن الدول التي توصلت إلى إقتناء السلاح النووي ، هي في منأى عن خطر الحرب ضدها ، و لكن بعضها يا للأسف ، يستخدم الدرع النووي لخوض حروب في جميع القارات لإعادة الناس إلى ” عصر الحجر ” في سياق خطة تصفوية معولمة من أجل امتلاك الكرة الأرضية بكليتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى