سياحة و سفرمجتمعمنوعاتمنوعات

زيارة أرمينيا

منير المجيد

السفر إلى يريڤان من كوبنهاغن ليس بالأمر السهل مُطلقاً، لسبب بسيط هو إنعدام خط مُباشر إليها. لهذا ظللتُ أبحث إلى أن وجدتُ أن «ايروفلوت» الروسية هي الأقصر زمنياً، بمدة تتجاوز قليلاً ثمانية ساعات. هذا يعني أنني سأحطّ في موسكو أولاً، ومن ثمّة أغيّر الطائرة إلى العاصمة الأرمينية.
كان هذا البلد الفتي على جدول الأماكن التي رغبتُ دوماً بزيارتها، جنباً إلى جنب مع نيوزيلندا وكندا. ولهذا، بالتأكيد، علاقة بقربي ومعرفتي لأرمن سوريا، الذين أكنّ لهم كل الإحترام والحب، وأيضاً تلك الأرمنية العذبة التي غرقتُ معها في علاقة امتدت لعام، وتركتها في لحظة طيش وغباء، مازلت أعاتبُ حالي عليها. كانت قد درست في جامعة يريڤان، لمّا كانت أرمينيا جمهورية سوڤياتية.

حينما كنتُ أمرُّ، وأنا طفل، على سوق خضار القامشلي، وعلى الجهة المُقابلة، حيث الجامع الكبير أيضاً، كانت ورشات تصليح السيارات الأرمنية قد حوّلت الرصيف إلى وهج مبقّع لامع من الزيوت المتسرّبة من الحافلات، وَطَلت الباقي بشحم أسود لزج. وما تبادر إلى سمعي من حوارات جعلني أُفكر أن هؤلاء هم أكراد، لأنهم يتحدّثون بلغة عربية غريبة ومُتشقلبة، تماماً مثل والدتي.
في تلك السنوات سمعت آرام يغني.
آرام تيغران (١٩٣٤ – ٢٠٠٩)، آرام ديكران، أو فقط آرام كما كنّا نختصره، كان رمزاً بديعاً لعلاقات شعوب الجزيرة. فالرجل كان يغني بالللغة الكرديّة، ولطالما أحيا حفلات الأعراس مع فرقته جالسين خلف طاولة كانت عائلات العرسان الجدد تحرصُ، حتى أكثرها إيماناً وإلتزاماً دينياً، ببسطها بعرق البطّة والمازات.
رائحة العرق النفّاذة واللحوم المشوية على الطاولة، ودبكات المدعوين المُتعرّقين في الفناء الترابي المرشوش بالماء، ومواليل آرام المليئة بالحنان والشجن والوجع الأرمني السرياني الكردي المشترك، مازالت تطنّ في ذاكرتي.
في الستينات، وبناءً على اتفاقية سوڤياتية-سورية سُمح للأرمن بالهجرة إلى بلاد الأجداد. وبهذا فقدت القامشلي البعض من خيرة أفرادها، ومنهم آرام. لكننا لم نفقد آرام تماماً، لأنه لم يترك العود والغناء، بل تابعه دون كلل وملل من محطة الراديو الأرمنية الناطقة بالكردية.

في حلب، أيام الخدمة الإلزامية، كنتُ أتنقّلُ من مطعم أرمني لآخر، مُتلذّذاً بمطبخهم البديع.
حسناً، هو مطبخ سوري على العموم، لكن لمسة الأرمن كانت تجعله أشهى مذاقاً.

لا وجود، تقريباً، لأخبار من أرمينيا هنا في الدانمارك، سوى تداول وسائل الإعلام نبأ خسارة المنتخب الدانماركي لكرة القدم مع منتخب أرمينيا عام ٢٠١٣، والقليل عن خروج قرابة ١٥٠,٠٠٠ مُتظاهر في ربيع أربع سنوات ماضية إلى الشارع مُطالبين بتغيير الهرم الحكومي بقيادة رئيس الوزراء سركيسيان، والذي رضخ لمطالبهم وأعلن الإستقالة والموافقة على نقل السلطة.
أفضل ربيع (غير) عربي ضرب الشرق الأوسط وأكثره إتّزاناً.
سألني صديقي الدانماركي عن موقع أرمينيا حين عرف خطّتي لزيارتها، فذكّرته بالخسارة المُذلّة لمنتخب كرة القدم. «أربعة صفر أمام أرمينيا، نسيت؟».
«آه، طبعاً، طبعاً، أرمينيا». قال مُتحسّراً.

تاريخ الشعب الأرمني حافل بالعذابات الشرقية، مثله مثل بقيّة الشعوب. ميزته الأبرز أن عذابه تضاعف إثر عمليات التطهير العرقي-الديني، والإبادة التركية التي سبقت جرائم النازية الهتلرية بعقدين.
في العام ١٩٢٠ وبعد هزيمة دول المحور، منها ألمانيا والإمبراطورية العثمانية، أُجبرت الأخيرة على توقيع معاهدة «سيڤر»، والتي جرّدتها من المناطق التي يتكلّم قاطنوها بـ «لغات ليست تركية». وكما هو معروف، فإنّ دول الحلفاء (بريطانيا، فرنسا وروسيا) تقاسمت النفوذ في المنطقة.
يبدو واضحاً، أن سيڤر اعتبرت منطقة «وان» أرمينية (يدعوها الأرمن بأرمينيا الشرقية)، وبهذا، في حال تطبيقها، سيكون أبي وعائلته أرمينياً بالجنسيّة، كونه ينحدر من قريّة تطلّ على بحيرة وان، ولأَحَالَ، أغلب الظنّ، دون هجرته إلى مثلّث الحدود العراقية-التركية-السورية ليتزوّج أمي، وَلَمَا جلستُ هنا، في هذه اللحظة، أكتب هذا النص.
هذا الإسترسال لم يكن مقصوداً، لذا سوف أعود إلى موضوعي الرئيسي.

لم تُنفّذ بنود الإتفاقية بعد الحرب الأهلية التي قادها القوميون الأتراك والتي أسفرت عن إنهيار الإمبراطورية وقيام الجمهورية التركية بقيادة أتاتورك، ولم يتح الأمر للأرمن حلمهم ولا حتى الأكراد بدولة قومية.
وسرعان ما صارت أرمينيا جزءاً من الإمبراطورية السوڤياتية حتى تفكّك الأخيرة عام ١٩٩١.
لكن هذا كان بداية لمعضلة اخرى بسبب اقليم قره باغ (نارغورنو كاراباخ) مع أذربيجان. بدأت، في الواقع، بنزاع مُسّلح منذ ١٩٨٨.
شاء سكّان الإقليم، ذي الأغلبية الأرمنية الإنضمام إلى الدولة الأرمنيّة القوميّة التي كانت على وشك رؤية النور، إلّا أن أذربيجان، وبدعم تركي، قاومت الفكرة. مما أسفر عن سلسلة من النزاعات المُسلّحة، كان آخرها قبل سنة وانتهت بهزيمة قاسية للأرمن.
منذ استقلالها، والجمهورية تُعاني من حالة حصار جغرافي واقتصادي خانقين. فالبلاد لا منافذ بحرية لها. من الشرق أذربيجان التي تُعاديها جهراً، وتركيا من الغرب التي تُحاول إخفاء مُعاداتها. فقط إيران (جنوباً) وجورجيا (شمالاً) هما المنفذان الوحيدان لها نحو العالم.

أثناء الإبادة الجماعية للأرمن عام ١٩١٥، أقنع الأتراك البعض من المُغرّر بهم من الكرد أن يتعاونوا معهم، ضاربين على الوتر الديني الطائفي. إنها وصمة عار وواحدة من أغبى الأخطاء التاريخية التي سقط فيها رهطٌ من الكرد. المنطقة الشرقية من تركيا الحالية (بحيرة وان وما يحيطها) كانت مسرحاً لأبشع الجرائم الإنسانية.
ليس هناك ما يُشير إلى تورّط أفراد من عائلة أبي في الجرائم، لكنني لن أستبعده وسوف أعتبره إحتمالاً. مُجرّد إحتمال وإستنتاج شخصي، إلّا أنني تأكّدتُ، بالمقابل، من أن العديد من أفراد عائلته ساعدوا الأرمن، بسبب علاقات الجيرة والصداقة، وقاموا، مُخاطرين بحياتهم، بتهريبهم إلى إيران القريبة.
قبل بضع سنوات، وسعياً لتلميع صورتها القبيحة، رمّمت تركيا الكنيسة الشهيرة «اختمال» وسط بحيرة وان، وكان واحد من أبواب الكنيسة منصوباً في بيت أحد أبناء عمومتي حينذاك، أنتزعه المرمّمون ونقلوه إلى مكانه الصحيح في الكنيسة، وحسناً فعلوا.

نيابة عن عائلتي في منطقة وان، أو أرمينيا الشرقية حسب تسميتكم، وعن نفسي أتقدّم إليكم بالإعتذار، وأنحني لروح قتلاكم.
ليس بوسعي، مع الأسف، تقديم الإعتذار بشكل آخر.
أنا آتٍ إليكم اليوم، بعد ساعات قليلة في الحقيقة، بحبّ وحسن نيّة وأرغب، متشّوقاً، برؤية معالم بلدكم، ربّما كنائسكم لأنكم أول من اعتمد المسيحية كدين رسمي في سنة ٣٠١ ميلادية، أن أتحدّث معكم بلغة ما، أتذّوق كبابكم، ورق عنبكم، كبّتكم، عرقكم وكونياككم الأراراتي المشهور في أرجاء المعمورة. أنا أيضاً من عشّاق بيرتكم المحليّة وشارل ازنافور، شير، أتوم إيغويان، سيرغيه باراجانوف، وليم سارويان، آرام خاچادوريان، ديكران بيدروسيان، أندريه آغاسي، كولبنكيان، حائكا الأنسجة برصوميان وكردويان في حلب، وفي القامشلي أكلات آرام كيشيشيان وخمّارة كارنيك والمُصوّراتي كارنيك ومطعم جانيك ومقهى كربيس وخمّارة أبو ساكو جرجريان ومطاحن مانوكيان وكربيس مارابيان والممرّضة تاكوهين في عيادة الدكتور رفيق أبو السعود، وعشرات المئات الآخرين (هذا العشق لا يشمل كيم قارداشيان لأن نصفها ليس آدمياً، آسف).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى