أخبار هبنقةثقافة

رجل فقير ..قصة

اصدقاء يوسف المحسن كاتب، روائي

كان يجب أن يتفادى المرور بدائنيه الذين توزعوا في أرجاء المدينة الصغيرة كيما يصل إلى البار حيث يجلس أصدقاؤه , لهذا فهو يرسم خرائط متشابكة من الأزقة والأبواب الخلفية والاسيجة التي يتوجب السير من خلالها وهو ما اعتاد عليه كل يوم منذ أن سُجل في قائمة المشردين التي تصدرها اكبر مقاهي المدينة كل ثلاثة اشهر .
لم يخرج إلى الصحراء منذ الشتاء الماضي فيما تعبأ ذاكرته بصور تتقافز لكلاب تلهو وطيور حبارى تحلق في فضاء شاسع ،حيث الهواء الذي يستنشق من مسامات الجلد قبل الأنف.
لقد لاكت الألسن بلحمه وعضامه وأصبح أضحوكة يتندر بها باعة الصحف والباقلاء والحلاوة الدبسية ” أحسوني أفلس, أفلس , أفلس وصار فقيرا ومدينا “…….

  • “دوخته النسوان أخ يا نسوان هالوكت “” لا داده شرب منكر والمنكر هذا شانه ، شعًبالج الله يضرب بعصا ” .” تاه بالصحراء ، يأخذ نساءه ويذهب “”الهم لا شماتة شوفيه شوفيه عبالك جريذي ” ….. ” يتختل بالدرابين ” .
    لم يكن رسم الخريطة بالعمل السهل وهو الذي لم يحقق علامة مهمة يوما في درس الجغرافية ” الجغرافية درس يصر الحكام على تعليمه كي يقولوا انظروا إلى ممتلكاتنا ، والدائنون يلقنوننا الدرس ذاته في الجغرافية ” .
    احكم لبس يشماغ كان أبوه قد تركه بالخطأ قبل أن يرحل إلى أخرته مودعا بشتائم المشيعين له على هذا الخلَف الذي لم يحضر التشييع ولا الدفن ولم يقم مجلس عزاء .” معرفت أحسوني ليش مابين ” .” مشغول بالفلوس ليل ونهار ” .”هيجي الفلوس تخلي الابن ينسه ابوه همزين اكو ناس أهل خير ودفنوه ” .” وداعتك تاليهه يرجع بذل وعار هذا الأب ماله حوبه ،يحتاج يحتاج ،رحم الله من أعاد الفاتحة ” .
    مازال اليشماغ يحتفظ برائحة أبيه المعبأة بدخان السكائر الرخيصة وهو آخر ما تبقى لديه بعد أن باع أحلامه وضاعت الثروة التي ورثها عن أبيه عن جده .
    المرور على بعد مئة متر من دكان البقال مزعل في زحام السوق عمل لا يخلو من المخاطرة واللذة أيضا , انه يترصد المارين واحدا واحدا قيطانا قيطانا كما يتمتم ,وهو يمتلك رادار يكشف الهاربين من سداد ديونهم وفوائدها , يترصد المارين ويحفظ عن ظهر قلب أسماء أمهاتهم وأرقام بطاقاتهم التموينية ” أهلا حياوي خمسة آلاف هله , عيني حجي أربعه وعشرين ألف هله , بويه أم فايز ستين ألف مرحبا ” .
    كانت أصوات تحيات البقال ترج أجواء المدينة والسوق وقلوب المدانين لكنها تنزل كالثلج على كؤوس أصدقائه الذين ينتظرون وصوله بسلام بعد أن يجتاز مخاطر الطريق والدائنين لتكتمل الجلسة .
    أحس بنظرات المارة المحدقين تخترق ملابسه , سارع في خطواته قبل أن يشي به احد ” الدائن كالكلب إن أقدمت عليه هرب منك وان هربت منه هاجمك ” ….
    ضج أصدقاؤه بالضحك .
    ” الدائنون لا يعجبهم سداد الديون فمن يقرض مالا ليس بحاجة اليه انما هو بحاجة للشعور بالتفوق ، انهم يريدون ما وراء المال ” .

مع مرور الأشهر أصبح خبيرا في رسم الخرائط .. خرائط الأزقة الخلفية .. ها ها ها ها .. ضحك صديقه وهو يجتر دفعة من الخيار المنقوع في اللبن ..
” مرزوك الصايغ عندما أعلن إفلاسه هو وراشد أبو الدهن جاءوا إليه ليأخذوا دروسا خصوصية ها ها كيف يفلتون من الديانين في السوق” …
قهقه أصدقاؤه في جلستهم وهم يرفعون الكؤوس .

  • “اشكر ربك لان مزعل البقال يصلي ولا يدخل البارات هاهاهاها “” أتبرع لك ببطل عرق لترشه حول بيتك ليحميك من عين الديانين
    ها ها ” .
    وضع احدهم نصف كأسه وأعطاه الآخر ربعا من كأسه فيما بقيت رشفة في كأس الثالث سكبها في فم أحسوني .
    ـ ” أربعتكم لا تمثلون لي سوى كأس أو أكثر من العرق ” ،
    يكررها أحسوني في سره دائما .
    كان يمثل لهم أرضا شاسعة لممارسة التسلط والاستبداد والضحك في احايين كثيرة , وهو لا يكلفهم شيئا ، بقايا طعام وعرق مغشوش , كان وجوده يشعرهم بالتفوق وبلذة النصر والتملك حتى إنهم لم يحتسوا العرق إلا بعد أن اكتشفوا انه يشربه يوميا كي يستطيعوا التحكم فيه . ودخنوا السكائر بعد أن شاهدوه يجمع أعقاب السجائر من باب إحدى المحال .
    انشغل بتذوق بقايا المازه في الصحون وامتصاص ملوحة قشور اللبلبي التي يضعونها أمامه وعلى يشماغ أبيه الذي فرشه على الأرض وجلس عليه ثم تمدد بعد أن تمايل رأسه لأكثر من مرة وأحس بأنه يجلس في مسرح خافت الإضاءة ومليء بمئات الوجوه المبتسمة . وضع رأسه على قشر بطيخ وبدأ يعد النجوم كي يغمض .كان أكثرنا تفوقا في المدرسة ألا في الجغرافية , ترك المدرسة لأنه
    لا يحب الحدود هاهاها يقول الحدود اسيجة يضعها الرعاة كي لا تهرب الخراف الصغيرة وكي تكون فخا دائما لخراف الليل .
    ـ لقد قرر في يوم ما أن يصبح غنياغنيا بالديون هاهاهاها
    ـ لا تضحكوا عاليا فربما يستيقظ في أي لحظة ليبدأ بالبكاء وأنا لا أطيق بكاءه هذه الليلة بالذات لأني أتخيل بأن لبساطيل الجنود أجنحة مثل أجنحة الملائكة ، دعوه فقد أسكرناه سكرة رجل واحد وبضربة واحدة
    ـ كان يستمع بإنصات لحمد الذي عاد إلى الكلية ليدرس الجغرافية كي يكون عونا له في رسم خارطة جديدة لخطواته في السوق بعيدا عن مليشيا مزعل البقال وكي يجد فرصة يتفوق فيها عليه ، فرصة طالما سعى إليها كي يروض الأسد الذي يسكنه ، آه ياحسوني ، أي أصدقاء
    تملك ، أي أصدقاء .
    مراد المسكون بتسريحة شعره والمشغول دائما في تصفيه حسابات قديمة مع القبح والشخصية الضائعة يقضي ليله في ترتيب أكاذيب يعدها تحت مخدته للصباح ، لقد اتجه مؤخرا ليقيم علاقات جانبية مع أرامل وعانسات ثم يتركهن له مثلما يترك نصف كأس العرق .
    عدنان الذي يكثر من النقاشات الجانبية والذي يعد نفسه ليكون سياسيا ناجحا فأنه يمسك عصا الحديث ويترك لا حسوني إيماءة الموافقة على طروحاته ، فكان يجرده من إرادته ليدور به شوارع المدينة الخارجية والبعيدة عن أعين الديانين ويلقنه آراءه السياسية التي حفظها من برنامج سياسي شاهد إعادته في الليلة الفائتة .
    لقد اتفقوا على انه حالة مستعصية لا يمكن علاجها ، وسوء الطالع يلاحقه في أي مكان وهو أمنيتهم غير المصرح بها .
    هل تذكرون ( وهو يرفع كأسه) كيف انه جلب من الصين باخرة محملة بالمظلات في العام الذي لم تمطر فيه السماء .
    كان يتصنع النوم على يشماغ أبيه وقشر البطيخ الذي اغرق فروة رأسه باللزوجة منصتا لكلماتهم التي تشبه العواء ، فهو ما ينتظره كل يوم أكثر من انتظاره لبقايا كؤوسهم الممرغة بالعطور ، آخر ما يتمنى أن يسمعه قبل يستسلم للنوم على الأرض المفتوحة التي يجلسون عليها ليلا كجنينة لكنهم يكتشفون في الصباح إنها ارض جرداء تتجول فيها الكلاب السائبة ،كانت بقع الغيوم تتجمع بتسارع غريب لا يتناسب مع ما معروف عن شهر أيار فيما اقتربت أصوات نباح من بعيد ، نهض عدنان وسار حتى شاطى النهر حيث بار المدينة ليعود بمزيد من قناني العرق وأواني المازه فلقد قرروا فجأة أن يقضوا الليل في هذا المكان دون نوم حتى الصباح ولان أحسوني ممدد بينهم كالساقط من رأس شلال ، يستمع لهم ولأصوات الكلاب القادمة من بعيد .انه جائع اليوم ، لقد شاهدته يجمع كسر الخبز اليابس من أكياس
    القمامة اليومقبل خمسة وعشرين عاما كان يشتري نصف بعير ويضعه على حصانه ليوزعه على الكلاب خارج المدينة ، يقضي معها أياما في العراء يبادلها الجري ويشاركها طعامها النيئ ويدخلها في خيمته حين تسقط الأمطار ويتمدد على أجسادها الدافئة ،لقد أقام مملكة للكلاب وأعطى كل كلب رقما واسما ووشما على ظهره وحين يحدث العراك بينهم يطلق صافرته التي لا تجدي نفعا حتى يطلق النار في الهواء ، لقد اعتادت طيور الحبارى والقطا وذئاب الصحراء على رؤيته محاطا بكلاب مملكته يطلق النار بلا هوادة يركض ويصرخ في النهار وكثيرا ما يسمع له عواء كالكلاب ليلا .هل تعرف كيفن كوستنر ؟انه قادم
    اقترب نباح الكلاب ليرسم على وجهه ابتسامة شاحبة ضاعت بين قهقهات أصدقائه التي لا تنتهي ، حاول أن يفتح عينيه لكن الليل كان قويا يدور به في دوامة رمل مسرعة وعميقة وناعمة ، الضياع طريق البداية ، تسارعت دقات قلبه وأحس بخدر وبقايا قطرات عرق على جبينه ، بدأت ابتسامته تتسع .انه يموت .هذا قط بسبعة أرواح ، لن يموت ، لن يفعلها مادام هناك أعقاب سجائر وشراب وبقايا خبز في أكياس القمامة ، وكلاب تلعق وجهه في الصباح.اتركوه وكعادته سيستيقظستلفحه الشمس بعد نصف ساعة هيا الكلاب تحيط بنا
    الضياع طريق البداية صوب النهاية ، لقد فتح خارطة الألم اليومي التي تنتابه ، تحول جسده إلى كتلة من الخدر المحلق الذي تحمله أصوات الكلاب المحيطة به ، شعر بلزوجة على وجهه ، كان الكلب 41 يلعق وجهه مداعبا ، حاول فتح إحدى عينيه لم يقدر ، استطاع التعرف عليه من رائحته ،تأكد من حضور كلابه التي دارت حوله في عواء غريب ، ابتسم ابتسامة رضا وانتصار في سره ، تمتم “أصدقائي ” .
    في الصباح أتمت الكلاب إنزاله في حفرة وتغطيته بالتراب وسط عواء غير منقطع فيما لاح من بعيد خيال فارس قادم يحمل نصف بعير مذبوح .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى