أخبار العالمأمن وإستراتيجيةفي الواجهة

جرائم اطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة الأمريكية .. إلى أين ؟

احمد عبد الستار

مهما حاول السياسيون تصنع التغا
فل، أو تعمد الإعلام تجاهل ما يحصل من حوادث عنف مسلح داخل امريكا بشكله المتواصل، فأنه يظهر على السطح، بملامحه المخيفة، ويلقي بظلاله المريعة على المجتمع. يعيش المجتمع الامريكي في الآونة الأخيرة بين نارين، بين القلق اليومي من احتمال رصاص يرديهم بأي لحظة، وبين عدم جدية النظام بالتعامل مع هذه الطامّة المدمرة، ووضع حد لمسلسل القتل اليومي الجاري.
ومهما حاول السياسيون أيضاً والإعلام من إضفاء صِيغ مخففة، أو إرجاع أسباب هذا “الوباء” المستشري، إلى ارتفاع درجات الحرارة مثلاً، أو ثقافة العنف من شاشات هوليود، أو إلى وفرة السلاح حيث تقول تقاريرهم(حسب تقرير لموقع المكتب الأمريكي للكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات «ATF») عن وجود مئات الملايين من قطع السلاح شخصية في الولايات المتحدة الامريكية و” نقلاً عن مسح للبيانات أجرته مؤسسة «ساس» المتخصصة في دراسات الأسلحة ومقرها سويسرا- إلى أن هناك 120 قطعة سلاح لكل 100 أمريكي، أو لتراخي السلطات في تشديد القيود على مقتني الأسلحة…الخ إلا إن هناك أسباب تبقى أبعد وأعمق مما ذكروا.
القتل الجماعي مستمر ومتواصل بمعدلات مضطردة وبتصاعد يومي، اضطرهم رغم محاولات إخفاء رؤوسهم مثل النعامة؛ إلى التصريحات والإعراب عن غضبهم وصدمتهم المفتعلة، كتصريح الرئيس بايدن قبل مدة قائلاً “جيل “زوجته” وأنا مصدومان من عنف السلاح الأحمق الذي جلب مرة أخرى الحزن إلى المجتمع الأميركي في “يوم الاستقلال”…لكن كل هذا لا يجدي فتيلاً مع حجم المآسي التي يتعرض لها الشعب الامريكي، والتي لا تحظى بالتغطية الإعلامية الواجبة.
إن هذه الظاهرة، والتي باتت تشكل اكبر من حدود ظاهرة، بمعنى إنها لم تكن حالة أو واقعة تعود اسبابها إلى سلوكيات اجتماعية شاذة أو معزولة، أو ثغرات قانونية ما، بل هي نوع من أنواع الحرب الداخلية، تسوّغها إدارة النظام الحاكم ضد مواطني البلد.
الحرب الأهلية في واحدة من أبرز سماتها، بأنها نزاع مسلح بين أطراف داخل بلد ما، فيما بين هذه الأطراف أو بوجه الأنظمة الحاكمة، ..بسبب غياب الحقوق والظلم الطبقي أو الاثني أو الديني…الخ، وهذا الصدام ينكشف إلى العلن متى ما عجزت الاطراف المختلفة عن الانسجام، والانسجام الاجتماعي مستحيل، متى ما كانت الطبقة الرأسمالية هي الحاكمة؛ ولاسيما في الولايات المتحدة الامريكية. ولكن في المثال الأمريكي لشكل هذه الحرب ينعكس الحال، ليساعد النظام الحاكم نفسه على فتح النار على الآخرين.
إن هذا النظام هو نظام طغيان طبقي، لا نظير له في تاريخ البشرية. دأب بإصرار ومثابرة، إلى غلق جميع المنافذ السياسية والاجتماعية، بوجه الطبقة العاملة، وشرائح المهمشين والمعدمين، فهل يوجد كما يبسّط لينين في مثل القضية قائلاً ” .. في العالم ولو بلد واحد من اكثر البلدان البرجوازية ديمقراطية يتمتع فيه العامل المتوسط العادي والاجير الزراعي العادي او بوجه عام نصف البروليتاري في الارياف (اي ممثل الجمهور المظلوم , ممثل اغلبية السكان الساحقة), يتمتع وان بصورة تقريبية , بنفس الحرية في تنظيم الاجتماعات في خيرة العمارات , بنفس الحرية في تملك اكبر المطابع واوفر مخزونات الورق للإعراب عن افكارهما و الدفاع عن مصالحهما , بنفس الحرية في تقديم افراد من طبقتهما بالذات الى ادارة الدولة و((تدبيرها))..وزيادة على هذا، تقوم الطبقة الرأسمالية الحاكمة في امريكا، بتصرفات وأساليب غاية في الغرابة والبشاعة، هدفها إشغال وإبعاد الطبقة العاملة عن أهدافها السياسية الأساسية وواجباتها الاجتماعية، وسحقها بالتالي. خشية من انفجار هذا المارد الجبّار نتيجة القهر الطبقي غير المحتمل، وقيادة أغلبية السكان المحرومين لتصفية النظام الرأسمالي القائم.
ولكي لا يبدو النظام دكتاتورياً، يلجأ إلى أساليب وآليات لقمع المعارضة يمكن القول عنها، بطريقة التوكيل. كما أوكلت سلطات النظام الأمنية منذ أربعينيات القرن الماضي عصابات الجريمة المنظمة والمخدرات، مهمة تصفية النقابيين وقادة اليسار في المجتمع، تترك الآن الباب مفتوحاً أمام المجرمين وحملة السلاح السفاحين لشن هجمات قتل جماعي، في المتاجر والمدراس والجامعات وأماكن العبادة…لإرهاب المجتمع وكالةً بيد كل من شاء للممارسة الجريمة بوجه المجتمع، ليبقى داخل دوامة الرعب، ودون التفكير بأي أمل بالتخلص من نظام الظلم الطبقي والاستبداد، وإلا ما معنى تجدد النقاش مع تجدد كل حادث اطلاق نار يومي لوضع قوانين صارمة لمنع مثل هذه الجرائم دون جدوى، وإن كانوا جادّين بالأمر أو متضررين فعلاً لكانوا قد عملوا على منعه ووضع حد نهائي لكل شكل من أشكال هذا الرعب المخيف. لا لسبب برأينا إلا لتصفية الساحة السياسية، إلا من طبقة واحدة تُدير وتدبر شؤونها الخاصة بجناحيها حزبيّ الجمهوري والديمقراطي، رديفيّ رأس المال الحاكم، اللذان يصعب الفرز بينهما، وهما ككتلة واحدة عملتْ على دق أسافين كثيرة لتقسيم المجتمع إلى تقسيمات عديدة ومتعادية فيما بينها، مثل اللون والدين والنسب والأصول القومية…
الحال الذي أدى بالمجتمع الأمريكي بأن تسكنه الخشية من اندلاع حرب أهلية دعاها عدد من الكتّاب الأمريكيين ب”الحرب الأهلية الثانية”، نتيجة تفاقم التوترات بين هذه الجماعات وميليشياتها التي أخذت تتسلح من السلاح الوفير، ودعوات أخرى من جماعات مقهورة إلى الاستعداد المسلح لحماية نفسها، مثل السود وغيرهم، من احتمال تعرضهم إلى هجوم يفتك بهم، من قبل ميليشيات تسعى لفرض سيطرتها على المجتمع ومصادرة السلطة، وتأمينها لطبقة غذّتها ورعتها تأهباً لمثل الضرف الحالي التي تعيشه أمريكا، من مؤشرات وأجواء تنذر بالمزيد من السوء. وأبرز مثال لذلك ما حصل يوم اقتحام اتباع ومؤيدي ترامب البيت الأبيض في محاولة لإلغاء نتائج انتخابات عام 2020 الرئاسية، التي رفضها ترامب ومن مصادر أمريكية في البيت الأبيض أعلنت بأنه كان على يقين بأن جماعته كانوا يحملون السلاح ساعة الاقتحام، الأمر غير المسبوق بتاريخ امريكا الحديث، وهو دليل لا يمكن اغفاله على المأزق الذي تعيشه طبقة رأس المال هناك. التي تعسى بكل ما تملك من أساليب جهنمية لتحميل الطبقة العاملة وملايين المعدمين، مضاعفات واضرار نظامها.
مع المشاعر المتزايدة، داخل هذا البلد الكبير بأن الرأسمالية لم تعد تنفع المجتمع، وإنها نظامها موجود من أجل حفنة من الأثرياء وتنامي ثرواتهم إلى أرقام فلكية، الذي بدوره يوسع رقعة البؤس والفقر بين الملايين.
وكما يقول البيان الشيوعي:
“و أخيرا، عندما يقترب الصراع الطبقي من الحسم، تتخذ عملية التـفسّخ داخل الطبقة السائدة، و داخل المجتمع القديم بأسره، طابعا عنيفا و حادا…” هشاشة الحياة التي يعيشها العمال الامريكيون والظروف الاجتماعية الصعبة، تدفعهم لا محالة إلى الاصطفاف في صف وفي خندق واحد، ضد خندق رأس المال، الذي يصعّب الحياة عليهم، ويصادر حقهم بالحياة الكريمة، فأن مصلحتهم الطبقية تفترض ذلك، وهي مهمة الإنسان أن يجعل من ظروفه التي يعيشها إنسانية، وقد ارتفعت الاصوات وملامح هذا الانتظام بدأت بشكل ملحوظ تظهر جلية في المجتمع الأمريكي سواءً أأقتنعت طبقة راس المال بذلك أم لا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى