في الواجهة

التنمية العالمية وفق المنظور الصيني

آدم الحسن

يبني قادة الصين الاستراتيجية التي تسير عليها دولتهم على الاستنتاجات الأساسية التالية :
الاستنتاج الأول : لا يمكن لأي دولة أو مجموعة دول إيقاف أو تعطيل تطور الصين علميا و تكنولوجيا و بالتالي اقتصاديا و عسكريا مهما خططوا و فعلوا و اتخذوا مِنْ إجراءات لحجب بعض اركان التقدم العلمي و التكنولوجي بحجة حماية الملكية الفكرية , فقد اثبتت معطيات محاولاتهم بهذا الخصوص هو حصول عكس ما كان يخطط و يهدف له الغرب و على رأسه الولايات المتحدة الأمريكية و أنطبق على هذا الأمر المثل القائل ” رب ضارة نافعة ” فحين فرضوا عقوبات أو حجب لمقطع معين من مسار التطور العلمي و التكنولوجي عن الصين اندفع الكادر الفني الصيني المتقدم معزز بتعزيزات مالية كبيرة من الدولة الصينية لتحقيق تطورا ليس للتغلب على المصاعب التي وضعها الغرب أمام مسيرة الصين الصاعدة فحسب و انما لتحقيق منافع كبيرة في التطور بالاعتماد على القدرات الذاتية للصين , و من بين الأمثلة العديدة التي استطاعت الصين فيها قلب ضرر العقوبات الى نفع و فائدة هي محطة الصين الفضائية المدارية , الغرب منع الصين و حرمها من المشاركة في المحطة الدولية الفضائية المدارية فصنعت الصين لنفسها محطتها الفضائية المدارية الخاصة بها , و تكرر الأمر في مجالات عديدة أخرى و كان آخرها حين منع الغرب بتوجيه من أمريكا حصول الصين على بعض وسائل تصنيع الرقائق الإلكترونية فائقة التطور فانقلبت النتيجة و ما تحقق هو عكس أهداف العقوبات الأمريكية , فالمؤشرات تؤكد مرة أخرى أن رب ضارة قد تكون نافعة جدا فقد زادت الصين من حجم انتاجها السنوي من هذه الرقائق بنسبة حوالي 25% حيث تستورد الصين حاليا حوالي 60% من احتياجاتها من هذه الرقائق و بمبلغ سنوي بحدود 300 مليار دولار و من المؤكد أن الصين بموجب خطتها الجديدة ستصبح من الدول المصدرة لهذه الرقائق خلال الأربع أو خمس سنوات القادمة .
وفق منظور هذا الاستنتاج فأن الصين سائرة نحو القمة التي يخططون للوصول اليها في منتصف هذا القرن بعد أن تتجاوز الصين حالة التخلف التي عاشتها في قرن الذل حين سيطرت الدول الاستعمارية على الصين للفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين .
يرى قادة الصين أن بلادهم اصبحت على سكة التطور المستمر في كافة المجالات العلمية و التكنولوجية و لا تستطيع أي قوة ايقاف عجلة تطورها و أن بلدهم الصين ستصل للقمة في الوقت المخطط لهذا الصعود و هو في منتصف القرن الواحد و العشرين و تحديدا في سنة 2049 و هي الذكرى المئوية لانتصار الثورة الصينية التي قادها الحزب الشيوعي الصيني .
الاستنتاج الثاني : إن عدد و حجم المشاريع التي يحتاجها العالم في مختلف القطاعات هي الان اكبر بكثير من كل قدرات دول العالم على تنفيذها لذلك يرى قادة الصين أنه ليس من المعقول أو المنطقي الصراع أو حتى التنافس للحصول غلى فرصة لتنفيذها , فإن لم تستطع دولة الحصول على فرصة لتنفيذ مشروع ما في بلد ما فهنالك عشرات الفرص الأخرى المتاحة في نفس البلد أو في بلدان أخرى , هذا ما يحاول قادة الصين إفهام زعماء الدول الغربية به و يبدو أن بعض زعماء الغرب أخذوا يدركون حقيقة هذا الاستنتاج و أنه لا معنى للصراع بين الدول و إن من مصلحة كافة الدول الدخول في ما بينها في شراكة شاملة من اجل تحقيق تنمية عالمية مشتركة بدلا عن الصراع الغير مجدي , لكن المصالح الضيقة للكارتيلات الرأسمالية و خصوصا كارتيلات الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على إخفاء معالم هذا الاستنتاج و الدفع باتجاه التصعيد العسكري و خلق بؤر توتر جديدة في مناطق مختلفة من العالم .
الاستنتاج الثالث : تطور أي دولة علميا و تكنولوجيا في عالم يسوده السلام سوف لا يضر أي دولة أخرى بل بالعكس سيصب في مصلحة كافة الدول و يكون هذا التطور عامل اساسي في إنشاء شراكة عالمية شاملة .
الاستنتاج الرابع : تحول العالم من عالم احادي القطبية الى عالم متعدد الأقطاب هو أمر ليس ضروري فقط و انما هو امر حتمي , و إن هذه التعددية في الأقطاب تخدم الاستقرار و السلم العالمي و تزيد من أمكانيات تطور اقتصاديات جميع دول العالم .
الاستنتاج الخامس : إن تثبيت مبدأ عدم تدخل أي دولة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى و احترام التنوع الثقافي و الحضاري للشعوب سيعزز استقلال الشعوب و يخلصها من الهيمنة الأيديولوجية للاستعمار الحديث و يفتح المجال لظهور تجارب خلاقة جديدة للشعوب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى