أخبارأمن وإستراتيجيةدراسات و تحقيقاتفي الواجهة

الأمن الدبلوماسي

د ضرغام الدباغ

محتويات

مقدمة

  1. ماهي البعثة الدبلوماسية وما تعني الدبلوماسية.
  2. الابنية : آ / تمليك،:  ب/ استئجار.
  3. مهمات الدبلوماسي المعاصر

    آ : دور الدبلوماسي في القرار السياسي وتنفيذه.

   ب : التطورات في عمل البعثات الدبلوماسية.

   ج : صفات ومزايا الدبلوماسي المعاصر.

المقدمة

هذا الكتاب هو أحدث أعمالنا، والفراغ منه ثم يوم أمس فقط، وطبعه سيكون بطبعات وتوزيع خاص وهو يتناول موضوع فريد في بابه لم أجد مثله لا في اللغة العربية ولا في الألمانية, وكتابي بعنوان،  ” أمن البعثات الخارجية “.

تتعرض البعثات الدبلوماسية إلى شتى مظاهر الخرق الأمني، والسيادي للبعثة، ومنها سيادة الدولة، وفي جميع الأحوال فإن تعريض أمن البعثات والعاملين فيها للخطر هو أمر غير مقبول،  ولا طائل منه. وقد تفاوتت هوية المعتدين على السفارات من إرهابيين، ابتزاز سياسي ومالي، حركات تحرر، ولكنه عمل يستحق الشجب، لأنه يوجه العنف، لمن لا يؤمن بالعنف، فالدبلوماسي هو آخر رجل في العالم يفكر بالعنف والأساليب الدموية كطريقة للحوار …!

ولكن هذا الشخص الأنيق ، المهذب، المثقف، يتعرض احياتاً للعنف وأحياناً إلى جولات دموية مؤسفة، هذه تدفع الدول إلى وضع خطط لسلامة موظفيها وعائلاتهم، وربما لإجلائهم من دائرة الخطر. والموظف الأمني ليس بوسعه منع الأعتداء، ولكن ربما بتقليل الخسائر والأضرار، وأحياناً ينجحون بمنع وقوع الحوادث.

حماية البعثة أمر مشروع، ومن المؤكد أننا لم نتمكن من تسجيل مل ما هو ضروري، لأن العالم الأمني لا يظهر للعلن لأسباب عديدة، وحتى الموظف الأمني في البعثة هو شخص غير واضح في العلن، وأكثر من ذلك بودي القول أن أمن البعثة الخارجي هي مسؤولية جماعية لكل أفراد البعثة، بل وحتى عائلاتهم والمستخدمون الفنيون.

لذلك ومن أجل منح العمل صفة الاستفادة العامة، تطرقنا لدور الدبلوماسيين ومهامهم، أرجو أن يكن الكتاب مفيداً لأوسع قدر ممكن. وإليكم فهرس المحتويات ومقدمة الكتاب.

لسنا متيقنين على وجه الدقة ظهور الحاجة إلى وضع خطط أو مستلزمات حفظ أمن البعثات الدبلوماسية في العواصم الأجنبية، ولكننا نرجح أن مثل هذه الأفكار والإجراءات، بدأت تظهر بصفة ملحوظة بعد الحرب العالمية الأولى، والثانية على وجه الدقة والخصوص.

لقد تعرض دبلوماسيون كثيرون (من بينهم سفراء) من شتى الدول للاغتيال، أو للاختطاف، لأسباب سياسية، أو من أجل الابتزاز السياسي أو المالي، أو تعرضت سفارات لإعمال إرهابية، كأعمال تفجيرات، واقتحام،  والدوافع لهذه الأعمال مختلفة، ولكنها بالإجمال تشير إلى أن العمل الدبلوماسي دخل مرحلة جديدة، غي دبلوماسية القرن التاسع عشر، أو الثامن عشر.  بل وتعرضت سفارة في دولة أوربية إلى قصف جوي، وتعرضت سفارة في الشرق الأوسط إلى نسف كبير، تقوضت فيها بناية السفارة بشكل كامل نتيجة عمل إرهابي، وحصلت لمرات عديدة اقتحام سفارات واحتلالها من قبل متظاهرين، نجم عنها أضرار معنوية وسياسية مؤثرة .

أحداث أخرى مهمة حدثت منها، اغتيال سفير خلال إلقائه لخطاب في مناسبة ثقافية ومصرعه، كما حدث أن لاحق شبان على دراجة بخارية، سيارة دبلوماسية، وأوقفوها عنوة، وأعتدوا على الموظفان الإثنان اللذان كان في مهمة دبلوماسية لجلب الحقيبة الدبلوماسية من المطار، واستولوا على الحقيبة وفروا. ولم تستعد السفارة الحقيبة إلا بعد أيام.

أحداث كثيرة (اختراقات طابعها العام أمني)، لمحاولات بهذا القدر من النجاح أو ذاك ضد بعثات ديلوماسية في أرجاء العالم، تعرضت فيها بعثات الولايات المتحدة (فقدت 7 سفراء) وأعداد كبير من الدبلوماسيين، وسفارات تركيا، وإيران، وروسيا، ويندر عدم التعرض بعثات دول العالم لهجمات، وهذه الأحداث يمكن اعتبارها أنها حدثت في المئة أو المئة والخمسون عام الأخيرة، تسببت بمصرع العشرات، وجرح أضعافهم، وإلحاق أضرار متفاوتة الحجم بأبنية البعثات. دفعت المعنيين إلى تحصين البعثات، ووضع خطط أمنية لحماية البعثة وأفرادها، وربما قلصت من حجم الهجمات، ولكنها لم توقفها.

وبالطبع تتفاوت الدول في تدابيرها الاحترازية، لحماية بعثاتها، والأفراد العاملين بمختلف درجاتهم، وبحسب قدرات الدول، وثقلها الدولي يتفاوت حجم ونوع الإجراءات الأمنية. فالولايات المتحدة مثلاً تعتبر وجود قوة من مشاة البحرية وبلباسهم العسكري وسلاحهم في بعثاتها، مسألة ضرورية في البعثة، وافقت عليها دول العالم، وكثير من الدول تعين كموظف أمني، شخصية معلنة بهذا العنوان كمسؤول (لمحطة المخابرات)، ودولاً أخرى تمنحه عنواناً شكليا كدبلوماسي، أو كعضو في الملحقيات الفنية. ولكنه في الواقع يدير العمل الأمني، أو ربما يدير العمل الاستخباري إصافة لمهامه الرسمية الأخرى، كموظف في الملحقيات الفنية، أو كدبلوماسي، ولبست هناك قاعدة نهائية بهذا الأمر. ولكنه في جميع الأحوال يمنح جواز سفر دبلوماسي، وعنوان بصفة دبلوماسية لحمايته قانونياً .

أما الملحق العسكري، فلهذا العنوان شأن آخر. فالملحق العسكري هو موظف رفيع المستوى، بمثل وزارة الدفاع في بلاده لدى الدولة المضيفة.، ويعتبر في مرتبة متقدمة في سلسلة القائمة الدبلوماسية لبعثة البلاد، وقد ينال المرتبة الرابعة بعد السفير، والوزير المفوض، والمستشار، ليكون في المرتبة الرابعة. إلا إذا كان بدرجة فريق، فيكون في هذه الحالة بالمرتبة الثالثة.

ومن بين دوائر وزارة الدفاع التي يمثلها الملحق العسكري، مديرية الاستخبارات العسكرية، وهي دائرة معنية بالمعلومات التي تخص الأمن الدفاعي والعسكري، بالطبع يمكن أن يدخل في اختصاصها أيضاً أمن البلاد، والتخطيط لاستراتيجية الأمن الوطني. وهناك من يقول ” أن الملحق العسكري هو جاسوس برخصة …!) وبعضهم يذهب للقول أن (الدبلوماسي هو جاسوس برخصة) . وفي الواقع فإن جميع الموظفين الدبلوماسيين هم في خدمة بلادهم بمختلف دوائرها، وفي بعض الدول يدخل كافة الموظفين في دورات على مختلف نشاطات البعثات، لتكون لك بعثة دبلوماسية يتخذ من شعار تدريب كرة القدم : قريق يهاجم جميع لاعبيه، ويدافع جميع لاعبيه. أي سنستعير هذا المصطلح الرياضي كرة قدم شاملة (Total Footboll) :

عدا الملحق العسكري، الذي قد يشترك بخطة أمن البعثة، يتعاون سائر الموظفون دبلوماسيون، وإداريون، وموظفون محليون، وتنفيذ ما يتعلق بهم وبوظائفهم من احترازات أمنية، وينبغي تربية وتوطيد حس أمني لدى الكادر الدبلوماسي والإداري، بحيث يتجنبون ارتكاب أخطاء، قد يكون إصلاح بعضها صعباً.

بالطبع يمكن أن تقع أخطاء، أو هفوات غير مقصودة، فطالما العنصر البشري له دور مهم في العملية، يبقى الخطأ البشري قضية واردة بنسبة ما، وعلينا تقليص هذه النسبة، لذلك مثلاً في التكليف بقضايا أمنية، كإيصال البريد الدبلوماسي من مقر البعثة إلى المطار، يجب أن يكونان شخصان إثنان، وتجنب تكليف شخص واحد مهما كانت درجته. محاذير أخرى سنأتي عليها.

أعتقد أني أوصلت القارئ إلى قناعة، أن البعثة الدبلوماسية موجودة وتعملا لصالح بلادنا، في بلدان أجنبية تتفاوت في درجة علاقتها الودية مع بلادنا، وعلينا أن نلتزم جانب الحيطة والحذر والانتباه بأعلى الدرجات لكن ننجو من محاذير اختراق الأمن والحاق الضرر بالبعثة والبلاد,

وننوه مرة أخرى، أن القنصل العام هو رئيس بعثة بدرجة قنصلية، ويعمل في ظروف دبلوماسية نصت عليها اتفاقية فيينا، أم القنصل في السفارة، فربما يكون موظفاً إدارياً أو قد تمنحه بلاده الصفة الدبلوماسية، وهو غير القنصل العام والفرق بينهما كما هو واضح كبير.

ونقول لكل موظف وطني يعمل في البعثات الخارجية : أنت هنا ليس من أن تستمتع، ولا لتقضي إجازة مريحة، بل من أجل خدمة بلادك، وأعلم أن هناك من يزعجه أن يشاهد عملك يبلغ درجات عالية من الكفاءة، فيحاول أن يبعثر جهدك .

نتمنى للجميع النجاح والتوفيق في أداء أعمالهم.

المؤلف

د. ضرغام الدباغ

drdurgham@yahoo.de

أولاً : ما هي البعثة الدبلوماسية وماذا تعني الدبلوماسية

البعثة الدبلوماسية هي أحدى الوسائل الأساسية لتحقيق مصالح الدولة الخارجية بالوسائل السلمية، والكابح الوحيد المعقول للنزاعات المسلحة، ويضمن قدراً ضرورياً من التكافؤ في الصفات التمثيلية واحترام رغبات الأطراف المتفاوضة في الدفاع المشروع عن مصالح بلادها في جو يسوده الاحترام والتقدير المتبادل.

وهناك تعريف شائع للدبلوماسية بوصفها ” فن الممكن ” والبعثة الدبلوماسية فريق يعتمد أساليب ونظم وقوانين العمل الدولي والعلاقات الدولية،  لتحقيق مصالح الدول، ويفترض أن يكون الدبلوماسي، والفريق الدبلوماسي مؤهلاً تأهيلاً ممتازا لانجاز هذه المصالح .

يطرح هذا التساؤل إجابات عديدة. وقبل كل شيء فقد عرفنا أن المجتمعات البشرية قد مارست الدبلوماسية عبر تاريخها الطويل، وبأشكال تتفاوت مع المستوى الحضاري الذي بلغته هذه المجتمعات أو الحضارة الإنسانية بأجمعها، لأدركنا أن هذه المهنة قديمة قدم الحروب والمنازعات، والتفاوض والمحادثات، وضرورية ضرورة السلام والأمن لمواصلة بناء المجتمعات والتقدم الإنساني والتواصل الحضاري.

الدبلوماسية : 

هي أحدى الوسائل الأساسية لتحقيق مصالح الدولة الخارجية  بالوسائل السلمية، وهو الكابح الوحيد المعقول للنزاع المسلح، ويضمن قدراً ضرورياً من التكافؤ في الصفات التمثيلية وأحترام رغبات الأطراف المتفاوضة في الدفاع المشروع عن مصالح بلادها في جو يسوده الاحترام والتقدير المتبادل.

ولا تختلف التعريفات المتيسرة للدبلوماسية عن هذا المعنى كثيراً، فالدبلوماسية هي أيضا ” فن الممكن ” وهي كذلك “فن المفاوضات وإدارتها ” ويعرفها هارولد نيكلسون أحد أعلام الدبلوماسية، بأنها ” إدارة وتنظيم العلاقات الدولية بواسطة المفاوضة، وهي طريقة تسوية وتنظيم السفراء والمندوبين، كما أنها المهمة الملقاة على عاتق الدبلوماسي، أو قل فنه.(29) وهي ” ليست فناً للمحادثة، بل هي فن المفاوضة من أجل الوصول إلى اتفاقيات دقيقة ومعقولة”.(30)

ويعرفها الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان(وهو أيضاً من أعلام الدبلوماسية) أن ” الدبلوماسية هي مهنة الاتصال بين الحكومات.(31) أما شارل ثاير (وهو دبلوماسي أمريكي أيضاً) ” الدبلوماسية هي فن التوصل إلى وثائق للإبرام وأنها ليست فقط فن التحدث، الرموز، الحلول الوسط، والنوايا والكلمات اللطيفة “.(32)

أما الدبلوماسي الذي يمارس هذه المهنة، فهو كما يفترض: شخص ذو تأهيل أكاديمي وثقافي رفيع، إلى جانب تمتعه بمزايا أخلاقية متينة، يتخذ من أسلوب الحوار والإقناع من خلال المباحثات طريقاُ لخدمة قضايا بلاده.

فالدبلوماسية والعمل الدبلوماسي في شكله وجوهره، مناقض تماماً للصراع المسلح، وهو بدرجة كبيرة انعكاس للاتجاهات الأساسية للسياسة الداخلية والخارجية لدولة ما. أما الحصانات والأمتيازات التي تمنح للدبلوماسيين، وكذلك الأصول الدبلوماسية والتصرفات التي تحكم طابع الفعاليات الدبلوماسية وروتينات العمل، فهي جزء من مهنة الدبلوماسية من أجل تسهيل مهمتها الجليلة.

فالدبلوماسية إذن هي مهنة وفن، ولا بد من مرور فترة لأي دبلوماسي لإتقانه. ويعتمد الأمر بدرجة كبيرة على قابليات ومواهب وعمق ثقافة الدبلوماسي المبتدأ في تعلمه لفنون وأسرار المهنة ليكون دبلوماسياً ناجحاً وكفوءاً. والدبلوماسية شأنها شأن سائر المهن الرفيعة، تطورت إلى علم، ذلك أنها تتناول بصفة أساسية العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية، وتعمل في محيطه اللجب. فبدون معرفة دقيقة لتاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، وأسسها ومرتكزاتها، وعناصر التأثير والضغط، سيصادف الدبلوماسي في سياق عمله مشاق جمة، تضعف إلى حد بعيد النتائج والآمال التي تعلقها حكومة بلاده على فعالياته. وقد تكون تلك الآمال الكبيرة والمهمات جسيمة، والنتائج ذات مساس حيوي على سيادة الدولة ومركزها على مسرح السياسة الدولية. فالدبلوماسي يكاد يكون الممثل الأوحد لسياسة بلاده الخارجية على هذا المسرح.

والسياسة الخارجية في أي دولة، إنما تمثل انعكاسا حقيقياً للسياسة الداخلية، والموقف الداخلي بكافة تفصيلاته وتفرعاته الاقتصادية والاجتماعية، وتمثل بهذه الدرجة أو تلك أيضاً التوجهات الأيديولوجية للقيادة السياسية. وقد تختلف مرتكزات ومعطيات القرار السياسي من دولة لأخرى بحسب البناء السياسي والاجتماعي والاقتصادي لتلك الدولة، بيد أنه في جميع الحالات، وبصرف النظر عن شكل الأنظمة، فأنها تعتمد الدبلوماسية والعمل الدبلوماسي لتحقيق الجزء الأعظم من سياستها الخارجية ومن خلالها تسعى إلى تحقيق مصالحها الوطنية من جهة، وموقفها من الأحداث الدولية من جهة أخرى.

فالدبلوماسية هي إذن الوسيلة الأساسية لتحقيق أهداف الأمن القومي، بواسطة المفاوضات والحوار. إلا أن الدبلوماسية لا تنجح في جميع الأحوال للأسف في تحقيق أهدافها، إذ ليس نادراً ما يشتد التناقض بين دولتين أو بين مجموعتين من الدول لدرجة يصعب تحقيق المصالح والأهداف بصورة مشتركة بسبب تعنت أحد الأطراف ومغالاته، أو بسبب مجانبته للحكمة. وبقدر ما يفلت زمام قيادة الأزمة من يد الدبلوماسية، يرافق ذلك تصعيداً للأزمة، وربما في الموقف العسكري، والذي يمثل البديل الأوحد للدبلوماسية والحوار.

وتعتبر الخطوات الأولى في تصعيد الموقف العسكري عوامل مساعدة في تعزيز الموقف التفاوضي للدبلوماسيين، مثل فعاليات استدعاء الاحتياطي، رفع درجات الاستعداد العسكري، إجراء المناورات العسكرية، لا سيما إن كانت في المناطق الحدودية …الخ تعتبر جميعها فعاليات تساعد بهذا القدر أو ذاك المجهود الدبلوماسي الذي يرتكز أساسا على التفاوض والمحادثات. إلا أن الحوار والتفاوض قد يصاب بنكسة كبيرة ساعة بدء العمليات الحربية، وقد تقطع الاتصالات في بعض الأحيان بصورة كلية بين الدولتين، أو تعمد الدول في بعض الأحيان إلى أبقاء قناة مباشرة أو غير مباشرة للاتصالات التي قد تستدعيها الضرورة سواء كانت إنسانية مثل تبادل جرحى الحرب أو مقترحات الهدنة المؤقتة، أو أن تدرك تلك الدول إن العودة إلى الدبلوماسية هو أمر محتم بناء على معطيات جديدة تحققت لكل طرف في ميادين القتال.

وإذا كانت مهنة الدبلوماسي قد أصيبت بنكسة أو فشل التوفيق في مجال حل الأزمة السياسية التي تفاقمت وتطورت إلى درجة الصراع المسلح، إلا أن مهماتهم في الاتصال بالدول الأخرى والمنظمات والهيئات الدولية ينبغي أن لا تتوقف بل على العكس من ذلك، فإن الدبلوماسيين مطالبين في ظروف الحرب بمضاعفة جهودهم التي لا بد لها أن تصب في طاحونة مجهود الدولة العام في صراعها المسلح.

وتعود الحياة إلى الاتصالات الدبلوماسية في المرحلة الختامية للصراع المسلح إذا كان أحد الفريقين متأثراً بالنتائج العملية في ميادين القتال والحرب، أو التقليل ما أمكن في حجم الخسائر السياسية والمعنوية في حالة إصابته بخسائر مهمة.

ومن هنا نلاحظ أن الدبلوماسيين يلعبون دوراً هاماً للغاية خلال الأزمة، وقبل بدء الصراع المسلح، ودوراً أقل أهمية خلال الصراع(فيما يتعلق بإدارة المعركة العسكرية) ويعود دور الدبلوماسيين للتعاظم، بل يغدو اللاعب الأوحد حال انتهاء الحرب.

والدور الدبلوماسي في جميع مراحله وعلى سعته وجلال مهمته، وهو دور يدعو إلى الحكمة وبعد النظر، ويدعو إلى حل المشكلات باللجوء إلى القواعد الدولية والقانون الدولي، أو اللجوء إلى التحكيم وقبوا الوساطات، وأي وسيلة لتجنب سفك الدماء بالحروب ونتائجها الوخيمة الطويلة الأجل. إلا أن هذا الدور الراقي يبقى على الأغلب مجهولاً إما بسبب طابع السرية التي تكتنف فعالياتها ونشاطاتها، أو بسبب الطابع الجماعي الذي تمارس به أعمالها، في حين تسلط الأضواء على القادة العسكريين في ميادين القتال. ويقول الدبلوماسي الفرنسي جول كامبون :” ليس الدبلوماسي كالعسكري، الطفل المدلل للمؤرخين”.(33)

ولا يعني تعسر حل الأزمات السياسية واشتعال نيران الحروب، بالضرورة فشل أو ضعف كفاءة الدبلوماسيين في أدائهم لمهماتهم، فالتناقضات بين دولتين أو بين مجموعة دول تبلغ في بعض الأحيان حجماً يصعب السيطرة عليه ولا سيما إذا حدث تفوق واضح في الإمكانيات الاقتصادية وفي القوة العسكرية لأحد الأطراف تفوقاً يغري بحسم التناقض لمصلحته وتحويل هذا التفوق الذي قد يكون مؤقتاً إلى تفوق طويل المدى، أو دائمي يضمن مصالحها وأهدافها شرعية كانت أو غير شرعية إلى أبعد مدى ممكن.

وتسامي القوة العسكرية لدولة ما لا يشكل بالضرورة عملاً من الأعمال التحضيرية للحرب، بل وأيضاً تعني القوة الرادعة وورقة هامة تمنح الموقف التفاوضي القوة والثقة لا يستهان بها. وفي هذا الإطار مثلت دوماً الاستعراضات العسكرية التي تقام في العواصم التي يدعى لحضورها ومشاهدتها ممثلي البعثات الأجنبية المعتمدة، إشارة إلى الاستعدادات الكافية التي تضطلع بها الدول لردع فكرة اللجوء إلى القوة المسلحة، أو الإشارة إلى استعدادها لحل المشكلات التي تواجهها بواسطة القوات المسلحة، وبنفس المعنى ينطوي الأمر على المناورات العسكرية والتي يدعى إليها كذلك ممثلي الدول الأجنبية وملحقيها العسكريين.

وتمثل عقيدة الجنرال الألماني المشهور كلاوس فون فيتز القائلة:” أن الحرب أنما هي ممارسة أخرى للسياسة ” خير وصف أو تعبير من أن الحرب وسيلة لبلوغ أهداف عجزت الدبلوماسية عن الوصول إليها. ولذلك فليس مستغرباً أن يكون وزير الخارجية في كافة الدول على اختلاف نظمها عضواً في مجلس الدفاع الأعلى للبلاد أو ما يشابه ذلك من هيئات ومؤسسات.

فوزير الخارجية يمثل قائد الجهاز الدبلوماسي المولج بتنفيذ أهداف السياسة الخارجية ومصالح البلاد الدولية، تتعاظم أهمية موقعه في وزارة الحرب، بل وأن التعاون والتنسيق بين القوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي يغدو من الضرورات في عالم العلاقات الدولية المعاصرة، ذلك أن المرحلة الهامة في الصراع المسلح تمثل صفحة هامة في عموم الأزمة السياسية المتصاعدة إلى حالة الصراع المسلح لا بد من أن تكون لها مغازيها السياسية سواء كان ذلك المغزى له علاقة بالتطورات السياسية المحلية أو القارية أو الدولية، وما يمثل ذلك من أهمية على مجرى العمليات الحربية اللاحقة وعلى نتيجة الصراع المسلح برمته.

فإذا كان الصراع المسلح قد نشب وضعفت العلاقات الدبلوماسية مع الطرف المقابل، فإن الموقف الدولي يبدو أمراً في غاية الأهمية والضرورة. فالدولة المحاربة هي بأمس الحاجة إلى أي شكل من أشكال الدعم والمساعدة والتضامن سواء أتخذ التضامن والمساعدة شكلاً اقتصادياً أو عسكرياً، أو حتى على صعيد التأييد السياسي. بل وأن الكفاح من أجل تحييد بعض الدول يمثل أحياناً انتصارا في غاية الأهمية في إطار عزل الطرف المقابل وحرمانه من احتمالات المساعدات التي قد يحصل عليها. ويستوي في ما ذهبنا إليه الدول الغنية أو تلك الدول التي تحتاج إلى العتاد الحربي.

وبهذا المعنى، تنشط وزارة الخارجية باتجاه خلق مجموعة من الدول التي تتضامن تضامناً فعالاً يصل إلى حد المساهمة في الصراع المسلح بقواتها المسلحة، ومجموعة من الدول تقدم المساعدات الاقتصادية والسياسية وتمارس تأثيراتها بما يصب في مجهود الدولة العام ومجموعة من الدول المتعاطفة والتي تكتفي وربما لافتقارها إلى الأمكانات المادية، إلى التأييد المعنوي والأخلاقي، فيما يعتبر حياد بعض الدول أحياناً مكسباً لا يقل أهمية عن المساعدة الفعلية.

وهكذا نجد أن دور وزارة الخارجية، بمعنى الحوار في ظل وهدير المدافع دوراً ذا أهمية وبالغ الخطورة. فوزير الخارجية يطرح للحكومة صورة الموقف الدولي بكافة تفصيلاته. وبطبيعة الحال فإن الدقة البالغة في تقدير الموقف المعطى بنا على أسس مادية موضوعية ومدعومة بالأسانيد، أمراً ضرورياً، وبعكسه فإن تقدير موقف سياسي خاطئ لا يستبعد أن يقود إلى كارثة لا تفيد معها تضحيات القوات المسلحة. فالتفسيرات المبنية على أحكام الهوى والمزاجية قد تصيب القرار الاستراتيجي إصابة بالغة الخطورة وقد يغدو من الصعوبة إصلاح ذلك الخطأ.

ويدخل في عداد التقديرات التي ينبغي على الدبلوماسيين أن يزنوها بدقة، ليس فقط الموقف الحالي للدولة التي يعملون لديها كمعتمدين، بل والمواقف المحتملة للدولة في حالة تطور الموقف الحالي للدولة التي يعملون لديها كمعتمدين، بل والمواقف المحتملة للدولة في حال تطور الموقف في الصراع المسلح سلباً أو إيجاباً. وأيضا موقف الحكومة القادمة في تلك البلاد نتيجة الانتخابات الوشيكة الحدوث، وجرداً واقعياً للإمكانيات التي تتمتع بها تلك الدولة ودرجة الاستفادة منها في الصراع المسلح الذي تخوضه البلاد.

وهكذا فإننا نجد أن مهمات الجسم الدبلوماسي، أمر في غاية الأهمية سواء كان ذلك في زمن السلم أو الحرب، مع أننا لا نخفي عدم اتفاقنا التام مع الرأي القائل أن نشوب الحرب هو إعلان صريح لإخفاق عمل الدبلوماسي، ذلك أن التناقضات بين دولتين أو مجموعة دول، تصل إلى حد لا يفيد معه جهد الدبلوماسي مهما بلغت براعته، فالأمر لا يتصل في جوهر مهماته بصورة مباشرة، بل أن الأمر ليتصل في النهاية بالشكل السياسي والاجتماعي السائد في بلاده وبتوجهاتها في ميدان العلاقات الدولية.

فعلى سبيل المثال، لا يمكننا التصور أن سفير الولايات المتحدة في موسكو (أبان الحرب الباردة) بوسعه حمل القيادة السوفيتية على إزالة تناقضاتها مع الولايات المتحدة، أو تغيير موقفها إزاء حدة التطورات على مسرح السياسة الدولية، إلا أن بمقدور ذلك السفير وزميله السفير السوفيتي في واشنطن، كل بمجهوده، تخفيف التوتر في العلاقات بين الدولتين وزيادة حجم التبادلات الاقتصادية والثقافية. وحتى هذه المجهودات فإنها ترتبط بموقف استراتيجي عام تتخذه الدولتان بناء على معطيات ملموسة ليس أقلها حجم التأثير الدولي الذي تمارسه كل منهما وعلاقة ذلك بالتعامل السياسي الدبلوماسي، وأن أي خلل في هذا التوازن (وهو ما يحسب بدقة) يقود إلى التدهور في العلاقات لا تفيد معه التمنيات والرغبات الشخصية للسفراء وللفريق الدبلوماسي.

وليس بالضرورة أن تنطبق فعاليات الدبلوماسية في بلدان العالم كافة على ما ذهبنا إليه في مثالنا السابق، فالعلاقة بين أي دولتين لا تتماثل مع علاقات أخرى، إلا أن المثال كان واضحاً من أن قرارات تصعيد حدة التوتر أو تخفيفه، أو سلوك منهج الصداقة والتعاون مع هذه الدولة أو تلك، تعتمد إلى حد بعيد على قرار الدولة الذي هو قرار سياسي استراتيجي لا علاقة مباشرة لها بخبرة الدبلوماسية وقدراتها.

وقد شهد مسرح العلاقات الدبلوماسية الدولية انفراجا وتعاوناً بين المعسكرين في السبعينات أبان مرحلة ” التعايش السلمي ” أو ما يطلق عليه أيضاً بالوفاق، وأخذ ذلك التعاون أشكالاً ومديات تصور الكثيرون بأن من الصعوبة التراجع عن منجزاته الممتازة في مجال التعاون الاقتصادي والتكنيكي والثقافي بين المعسكرين، وما لهذا التعايش السلمي من تأثيرات على صورة العلاقات الدولية وعلى سائر بلدان العالم بعد الحرب العالمية الثانية.

ففي مثل هذه الأجواء، على الدبلوماسية، بل لنقل الجسم الدبلوماسي بأجمعه محاولة رسم صورة حقيقية لا تعتمد على المعلومات الصحيحة والدقيقة فحسب، بل وعلى منهج علمي في محاولة رسم صورة واضحة للموقف الدولي الحالي والاحتمالات المستقبلية، تضع حكومته في جو التحرك الخارجي الذي يلبي متطلبات خطط أمنها القومي والذي ينعكس بصورة واضحة على خطوات الحكومة في رسم عموم سياستها.

وهكذا نجد أن الدبلوماسية هي مهنة لكافة العصور ولكل الحقب. فمنذ إنسان الكهوف حتى سفراء الملوك والأباطرة وتطور اهتماماتهم، فمن إيجاد خطيبة للملك، إلى عصر الحرب الباردة والوفاق وأزمة الصواريخ المتوسطة المدى. فالدبلوماسية هامة جداً قبل الحرب وهامة في الحرب وعظيمة الأهمية بعد الحرب.

وقد تختلف مهمات الدبلوماسية باختلاف بلدانهم، فهذا سفير دولة يبحث عن قروض لبلاده، وذاك سفير يسعى لعقد معاهدة دفاع مشترك، إلا أن فحوى وجوهر الاهتمامان واحد، فكلاهما يسعى إلى تحقيق أهداف بلاده، ومن الصحيح أن السفير يكتسب تلقائياً وزن وتأثير بلاده في المجتمع الدبلوماسي الذي يعمل ضمنه، إلا أن سفيراً لدولة صغيرة يمثل الصدق والنزاهة ويقدم يد التعاون مخلصاً قد لا يكون أقل احتراما من سفير الدولة الكبرى، ونعني بذلك أن الصفات الشخصية والرفيعة ضرورية، بل وتعد من سمات العمل الدبلوماسي الأساسية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش

(29) نيكلسون، هارولد: مقدمة في علم السياسة، ص93

(30) نيكلسون، هارولد. مقدمة في علم السياسة، ص151

(31) ثاير، شارل: الدبلوماسية، ص132

(32) ثاير، شارل: الدبلوماسية، ص 166

(33) ثاير، شارل: الدبلوماسية، ص15

ثانياً : الأبنية .

أبنية البعثة الدبلوماسية التي تشمل السفارة، (مقر البعثة بصرف النظر عن حجمها) بالإضافة إلى الملحقيات الفنية: العسكرية، الثقافية، التجارية، الصحفية …الخ) و يمكن أن تكون مباني القنصلية العامة مقراً  لبعثة تتمتع بامتيازات البعثة الدبلوماسية، التي تتخذها مقراً لنشاطاتها، وتتمتع بحصانة تحميها من أي شكل من أشكال التدخلات، تكفلها القوانين والاعراف الدولية والدبلوماسية وفي مقدمتها اتفاقية فيينا الدولية للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية، (فيينا / 1963) أي كان شكلها. وقد تعمد البعثات الدبلوماسية في مطلع افتتاحها، أن تتخذ من غرف في فندق، وربما طابقا بأكمله، أو ربما حتى سفينة راسية، مقراً لها.

وتتفاوت أنواع الأبنية من حيث تصنيفها كمقرات وأبنية لبعثة مقيمة، وهناك صنف من البعثات الدبلوماسية هي معتمدة في هذه الدولة، ولكنها تتخذ من عاصمة دولة أخرى مقراً لبعثتها) ونتحدث الآن حول البعثات المقيمة التي تنقسم (لجهة مقراتها)إلى صنفين رئيسيين من الأبنية :

أ : الأبنية المؤجرة.(شقة في بناية / بناية مستقلة)

ب : الأبنية المملوكة.

ولابد من التنويه، أن حجم مساحة البعثة (المتر المربع) لا يلعب دوراً كبير الاهمية، على الاقل لجهة التأثير، وكذلك حجم الكادر الدبلوماسي والاداري والفني، ولكن من المؤكد أن البعثة التي تقيم في بناية تمتلكها (دار مستقلة أو شقة) وإن كانت الدار المستقلة يمكن السيطرة عليها أكثر من تلك التي تسكن في شقة في بناية فيها طوابق عديدة وشقق كثيرة.

وتدور شائعات كثيرة في اوساط السلك الدبلوماسي عن عمليات اختراق أمنية بواسطة الالكترونيات، وقد سمعنا وقرأت العشرات من هذه الأخبار، ربما تنطوي بعضها على مبالغات، ولكن من المؤكد أن عمليات مثل هذه قد حدثت، وهي في تزايد وانتشار بسبب التقدم في المنتجات الالكترونية (مكرفونات تتيح سماع حتى الهمس من على بعد مئات أو ألاف الأمتار، وأجهزة تصوير دقيقة جداً ربما بحجم رأس دبوس، أو زر قميص، ثم الإرسال من بعيد أو التقاط المكالمات. وفي إحدى البلدان الأوربية، كان أحد المستخدمين المحليين(من أبناء البلد المضيف) يمازح زميل له، بقوله أن الأسمنت هنا في هذه البلاد، عبارة عن أسمنت ورمل ومكرفونات ..!

وإذا كان مقر البعثة عبارة عن شقة مؤجرة، فإن احتمالات الأختراق تبدو أكبر، والبناية المملوكة إذا كانت دار (فيلا) فإن وسائل حمايتها أبسط وأيسر.  وبناية البعثة هي الفقرة الرئيسية في أي مخطط استخباري معاد للدولة وكذلك في حفظ أمن البعثة، وغالباً تحتاج البعثة حين يقع اختيارها على بناية للإيجار أو التمليك، إلى استقدام خبراء مختصين، من الوطن، أو شركات أمنية متخصصة من الدول المتقدمة، يستحسن أن تكون بلدان صديقة،

وقد يجري اكتشاف محاولات الكترونية لأختراق مقر البعثة، وليس بمستبعد أن تقوم سفارة معادية، بنشاط ضار في عاصمة بلادنا، أو في عاصمة البلد المضيف. أو جهة لها مصلحة في أختراق سرية مراسلاتنا، فتقوم بتدبير اختراق، وقد يجري هذا في عواصم نعتقد أنها محايدة أو أنها لا تمارس أنشطة تجسسية. وقد تكون محاولة الاختراق بسيطة تكتشف بسرعة عيانياً أو بواسطة معدات الكترونية تكتشف الخرق بسهولة.

ثالثاً . مهمات الدبلوماسي المعاصر

1 : دور الدبلوماسي في القرار السياسي وتنفيذه.

2 : التطورات في عمل البعثات الدبلوماسية.

3 : صفات ومزايا الدبلوماسي المعاصر.

1: دور الدبلوماسي في القرار السياسي وتنفيذه

أولاً : دور البعثة الدبلوماسية في صناعة القرار السياسي وتنفيذه

القرار السياسي، هو القرار الصادر باسم الدولة يحدد موقفها في قضية معينة، وآليات التعامل معها. ويستلزم القرار السياسي في جميع ظروف الحاجة إليه، أقصى قدر من الدقة والقدرة على تنبأ ردود الفعل من الجهات الخارجية والداخلية التي يمكن أن يمس القرار مصالحها، وإمكانية التصرف حيالها بما يحسن تنفيذه.

وتختلف عملية صنع القرار السياسي من دولة لأخرى بحسب تكوين بناء الدولة الدستوري والقانوني، وأيضا توجهاتها السياسية والأيديولوجية والأنماط الاقتصادية والاجتماعية السائدة وتحالفاتها الأخرى، بالإضافة إلى عناصر ومفردات أخرى.

ومن المؤكد أن تكاثف الأحداث السياسية على مسرح العلاقات الدولية قد أضفت الكثير إلى مهمات الدبلوماسيين في الاتصالات بين الدول. فكما سبق وأن ذكرنا في مجال تأثيرات الثورة العلمية التكنيكية، أن مهمات الدبلوماسيين في الخارج قد تعرضت إلى تغيرات كثيرة بحكم الثورة التي شهدتها وسائل الاتصالات، الأمر الذي ساهم في زيادة إشراف المركز على أعمال البعثات والحصول على موافقتها في كثير من الفعاليات التي كانت البعثات تملك صلاحية البت بشأنها دون الرجوع إلى المركز(وزارة الخارجية في العاصمة) بسبب أن الوقت الذي تستغرقه الموافقة قد يفوت الفرصة على أنجاز يتطلب تحركاً أو موقفاً سريعاً، وكان ذلك يعني حتماً تقليص غير يسير في صلاحيات البعثات، وما يستتبع ذلك من تصور لا يخلو من الخطأ والمبالغة، أن هيبة ومكانة البعثات في الخارج وبالتالي أهميتها، قد تضاءلت و تقلصت. بل أن مهام البعثات وتنوعها قد تضاعف، ويتسع باستمرار.

ولا نتفق في هذا المجال مع المؤرخين الذين ذهبوا هذا المذهب، فمقاييس المهمات ذات الأثر الهام لا تقاس بمنح الصلاحيات أو تقليصها، بل في النتائج وفي التوسع الذي شهدته المهمات الموكلة إلى الدبلوماسية وأهميتها وفاعليتها على مسرح العلاقات الدولية المعاصرة. فإذا كانت الدبلوماسية قد شهدت تقليصاً في صلاحيات البعثات(وهو أمر لا ننفيه)، إلا أنها منحتها بالمقابل أهمية عظيمة في العلاقات بين الدول، واضحت الدبلوماسية ممارسة لا غنى عنها للدول والأمم التي تريد أن تطور مجتمعاتها وتتفاعل مع الحضارة الإنسانية وتبدل الخبرات والتجارب وتعميق الفوائد إذ لا توجد سوى الاتصالات والعلاقات الإنسانية السلمية لمواصلة الحياة، فتلك هي بعض من مهمات المهنة الدبلوماسية الجليلة.

بيد أن التطور، بل الثورة الشاملة في عالم الاتصالات والنقل، والتي فرضت بالضرورة تطورات واسعة في عالم الدبلوماسية وعمل البعثات والممثليات، كانت قد سبقته تطورات واسعة النطاق في عالم العلاقات الدولية كما شهدت المؤسسات السياسية وأنظمة الحكم تطوراً كبيراً ابتدأ منذ عصر النهضة وعصر التنوير والليبرالية والثورة الصناعية، وتطور الفكر السياسي وأنظمة الحكم والقانون الدستوري، لم تكن الدبلوماسية بعيدة عن أجواءه وتفاعلاته وفي نتائجه الأخيرة.

وقبل كل شيء، فالدول كمفهوم دستوري وقانوني خضع للتطور في القرون الخمسة الأخيرة، ولم يكن شكل وجوهر الدول والحكومات بشكلها المعاصر في نهاية القرن التاسع عشر، وإن كان هناك شيء ما يشبه الدول من حيث المؤسسات والحكومات، جرى تطورها وفق سياق تاريخي معروف. ومن جهة أخرى، فالدول الحديثة الاستقلال حرم معظمها من هذا التطور التاريخي التدريجي، لا سيما البلدان التي خضعت زمناً طويلاً للاستعمار ولم يتسنى لأجهزتها اكتساب وتراكم الخبرة لتمارس سلطاتها وسلطانها.

فالدول إذن كمفهوم قانوني ودستوري، تطورت تطوراً شاملاً بما في ذلك تلك المؤسسات المعنية بالشؤون السياسية، وبذلك تعددت مصادر القرار السياسي وقنواته وعناصره المؤثرة والرافدة لترتقي إلى أعلى الأشكال، ولتمنح قراراتها أكبر فرصة ممكنة للتنفيذ والنجاح. وحتى وزارة الخارجية في عاصمة البلاد، لم تعد الجهة الوحيدة في قنوات القرار السياسي.

وحيث لا يمكن الحديث عن صناعة القرار السياسي بشكل قياسي وبتفصيلاته، وتعميمه على كافة الدول باختلاف أنظمتها السياسية والاقتصادية والدستورية، بيد أنه يمكن الجزم بأن كافة الدول تستخدم الدبلوماسية، وإن بمذاهب مختلفة، إلا أنها تبقى الوسيلة الأساسية والمفضلة لوضع القرارات السياسية موضع التطبيق والتنفيذ، فمن الجلي أن فشل المساعي السياسية والدبلوماسية، لا سيما في مجال المصالح الوطنية الحيوية قد يؤدي إلى خلق أزمة سياسية تستنفذ جزءاً مهماً من مجهود الدولة العام، كما يلحق الفشل في تنفيذ القرار أضراراً يتفاوت حجمها بحسب أهمية القرار وآثاره القريبة والبعيدة، وينطوي احتمال تتطور الأزمة وتعقدها إلى أن تتحول إلى تناقض رئيس قد ينذر بتصعيد خطير واحتمالات، منها اللجوء إلى القوة المسلحة واستعراضها أو التلويح بها، لحسم التهديد .

فالسياسيون من صناع القرارات السياسية،  والقيادات التي تصيغ قراراتها، لابد أنها كانت قد اعتمدت في ذلك على آراء خبراء ودبلوماسيين، كان دورهم أساسياً في رفد مركز القرار بالمعلومات والمعطيات المهمة، وبالتنبؤات عن ردود الأفعال المختلفة، وسيتولى الدبلوماسيون مرة أخرى وضعها ضمن السياسية الخارجية للدولة والعمل بموجبها في المحافل الدولية, فدور الدبلوماسي مهم جداً في مرحلة صياغة القرارات السياسية وحاسم في مرحلة تنفيذ السياسة الخارجية للدولة.

والسياسة الخارجية هي تمثيل لمصالح الدولة السياسية والاقتصادية وغيرها، وأهدافها على الصعيد الدولي، وبذلك إنما تعكس صورة التطورات الداخلية للبلاد ومغزاها السياسي والاجتماعي.

وتختلف السياسة الخارجية عن الداخلية، وإن كانت في جوهر الأمر مشتقة عنها، وانعكاس لها وفي خدمتها، تختلف عنها، ذلك أن زمام السياسة الداخلية والعناصر التي تتعامل معها تتحكم فيها الدولة بحدود معينة وفي القدرة على أحداث تأثيرات بالغة الأهمية سواء كان ذلك بتشريع القوانين والأنظمة، أو بالنتائج المباشرة للفعاليات السياسية مثل حل البرلمان، أو انعقاده، وتشكيل الحكومة وعقد التحالفات والائتلافات بين القوى السياسية الداخلية أو فضها…الخ، بيد أن ذلك يختلف بدرجة ليست بسيطة على الصعيد الدولي، ذلك أن الدولة تتعامل على الصعيد الدولي مع دول تماثلها في المكانة الرسمية وتفرض العلاقات الدبلوماسية بأعتبارها السبيل الوحيد للتعامل على مسرح العلاقات الدولية، تفرض قدراً من التكافؤ في المستوى التمثيلي.(1)

فالدبلوماسية هي بأهمية متساوية تقريباً في طور صياغة القرار وتنفيذه، ففي مرحلة صياغة القرار تشترك جهات ومؤسسات عديدة لتشكل قنوات تصب في وعاء القيادة المكلفة باتخاذ القرار، ودور البعثات رئيسي ومهم في مرحلة قبل صياغة القرار فهي أحدى المصادر الأساسية والموثوقة للمعلومات لا سيما إذا كانت الكوادر الدبلوماسية مهيأة ومدربة بصورة جيدة لمهماتها. وهي، أي الدبلوماسية في ذلك تستقي معلوماتها عن طريق الاتصالات الدبلوماسية وتحليل عناصر الموقف السياسي الدولي وفق معطيات دقيقة، بالإضافة إلى المصادر الحكومية الرسمية، تستخلصه من أجهزة الأعلام الدولية ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية، وإن كان لا يمكن الاعتماد عليها بشكل مطلق تجنباً لاحتمالات التضليل. وتقدم البعثات الدبلوماسية المعلومات وتحليلها وتفسيراته إلى مركز الجسم الدبلوماسي(وزارة الخارجية) التي تقوم بتنسيق وتحليل هذه المعلومات(وقد ترد من أكثر من بعثة) وتضخها بدورها إلى الأجهزة المعنية بالقرار السياسي.

وإذا كانت الدبلوماسية عنصراً أساسياً كما أسلفنا، في توفير معطيات القرار السياسي ومستلزماته الضرورية، فإنها تتراجع في مجال اتخاذ القرار السياسي وتنحصر مساهمتها بمساهمة رئيس الدبلوماسية (وزير الخارجية)في هيئة الحكومة(مجلس الوزراء)، إلا أنها تعود لتظهر باعتبارها العنصر الأساسي في تنفيذ القرار السياسي. وتلعب الدبلوماسية الدور الأهم في الحصول على المعلومات والمعطيات، باعتبارها تحصل عليه من جهات موثوقة في الغالب، باعتبارها الجهة الرسمية الوحيدة المخولة وفق قوانين وأعراف العمل الدبلوماسي بالحصول على المعلومات بطريقة شرعية، لا تدع مجالاً لوقوع أخطاء تربك صانعي القرار السياسي، وبعيدة عن أحكام الهوى وردود الفعل الانفعالية أو العاطفية، ففي عمل الدبلوماسية، قدر عال من الاحترافية في ممارسة المهنة، بعيدة عن الحماسة أو الغضب.

واتخاذ موقف، أي موقف سياسي، يحكمه أمران أساسيان:

الأول/ تقديم المعلومات والمعطيات الدقيقة.

الثاني/ تحليل المعلومات.

لا يقدم الدبلوماسي معلوماته دون تحليل يستأنس بها صانعوا القرار، إذ يلقي الضوء على سبل التعامل مع الأزمة من وجهة نظر وحسابات الأوضاع الدولية وردود الأفعال المحتملة على ضوء تقدير ميداني دقيق في مواقع العمل المختلفة على مسرح السياسة الدولية.

فالدبلوماسي معني على الأغلب بتنفيذ القرار السياسي في جوانبه السلمية وميدان عمله الرئيسي هو طاولة المفاوضات، وهو في ذلك يحاور ويجادل ويحاول أن يقنع، ويعرض الصداقة ومزاياها، والمصالح والمنافع المشتركة، ويفعل كل ما بوسعه لتنفيذ قرار حكومته بطريقة سلسة وودية، والتهديد، تصريحاً أو تلميحاً، ربما هو آخر ما يفعله الدبلوماسي على طاولة المفاوضات، وكلما تصاعدت وتائر الأزمة تقلص دور الدبلوماسي، وعندما تهدر الأسلحة فإن صوت الدبلوماسي يبدو بعيداً وباهتاً، فعمله شكلاً وجوهراً بعيد عن اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة.

بيد أن الدبلوماسي يعود مرة أخرى إلى المسرح باعتباره الممثل الأول ليضع الإطار القانوني لمكاسب ميادين القتال، ويكرسها أو ربما ليزيد منها إذا كانت بلاده منتصرة في ميادين القتال، أو يستخدم كل حكمته ومهارته ليقلل من خسائر بلاده( إن كانت مكاسبها على الأرض غير مشجعة)، حين يحين الوقت لوضع الإطار القانوني لنتائج الصراع المسلح. وليس نادراً ما تمكن دبلوماسي نابه من دس كلمة واحدة في معاهدة لتضيف الغموض على بنود المعاهدة في مجال التنفيذ، أو بالعكس نجد دبلوماسياً فانه أن يؤكد مكتسبات بلاده بوضوح دون التباس.

وأفضل دليل على ما نذكره: العبارة الواردة في قرار مجلس الأمن 242 الشهير في انسحاب قوات العدوان الإسرائيلي من (أراضٍ) وليس من (الأراضي) التي احتلت نتيجة عدوان حزيران 1967، فحذف حرفي ال التعريف زادت من تعقد المجهودات السياسية والدبلوماسية. والدبلوماسية بهذا المعنى هي أقل العناصر المساهمة في نقل المعلومات لصانعي القرار بروزاً تحت الأضواء، وبعيدة نسبياً عن صناعة القرار. وحين تغدو المنفذ الأوحد للقرار، تغدو الأضواء خصماً له، إذ لا يصح عرض مسألة ما زالت طي الكتمان في طور المناقشة والتباحث، فالعمل الدبلوماسي يكتنفه الغموض والأسرار وهو بذلك لا يتلاءم مع الثرثرة والميل إلى إطلاق التصريحات، بل تتطلب الدبلوماسية دقة فائقة في اختيار العبارات، أين منها لغة الصحفيين ومهنتهم.   

وللعمل الدبلوماسي قواعد ذهبية صالحة لكل مكان وزمان، فهناك مقولة شهيرة ” الدبلوماسية هي فن الممكن ” وإذ لا تضم (بتقديرنا) هذه المقولة كل الحقيقة في جوهر عمل الدبلوماسية، إلا أنها لا تجانب الصواب. والدبلوماسي يعتمد في عمله على ثقافته الواسعة، وعلى إدراكه التام بكافة الجوانب التي يتباحث يصددها حتى التفصيلية منها، ويسجل بدقة أي ملاحظة يبديها الجانب المقابل ويضيفها إلى عناصر الموقف العام. وعلى الدبلوماسي أن يكون متأنياً، وأن يفكر بعمق في صورة الموقف التفاوضي ومفرداته، ومن الأفضل أن يبدو متردداً على أن يتصرف بشكل مرتجل ومتسرع، دون تحليل كافي لعناصر الموقف فيبدو متهوراً. وللدبلوماسي باستمرار مخرج مهذب وشرعي يتلافى به الإحراج الذي قد يصادفه بقوله: ” سندرس هذه الفقرة بدقة  ” أو “سيدرس خبرائنا هذه النقطة بعمق أكبر ” ليمنح نفسه مزيداً من الوقت لدراسة الحالة أو الموقف، وليكسب مزيد من الوقت لإجراء المشاورات سواء مع أعضاء وفده أو مع مرؤوسيه في البعثة أو المركز.

ولا تبتعد مقولة ” الدبلوماسية هي فن التفاوض” عما ذهبنا إليه، إلا أننا نجد في مقولة ” الدبلوماسي كالتاجر عليه أن يعرض بضاعته بلباقة ” تشبيهاً كريهاً. فالتاجر قد يكون انتهازيا، بل ربما هو كذلك في معظم الحالات، إذ يطرح مزايا وهمية لبضاعته، في حين أن العمل السياسي والدبلوماسية لا يحتملان الغش والكذب على الإطلاق، فالدبلوماسي يمثل دولة وشعب، وفي مفاوضاته يطرح قضايا هامة وحساسة، وانفضاح غشه وكذبه لا يؤدي إلى فساد العملية التفاوضية فحسب، بل وبسقوط مصداقية الدولة وسياستها. ولكن بطبيعة الحال هناك مساحة واسعة من الحنكة والدهاء والمرونة والذكاء في التخلص من المواقف المحرجة دون الحاجة للجوء للغش والكذب.

وقد أطلعنا (المؤلف) مرة خلال الخدمة الدبلوماسية لبلادي، أن بعض الدول تمارس الاختبار Test التأكد من صدق نوايا دولة من الدول، أو فيما أنها تمارس الكذب لتمرير قضية أو موقف، إذ تجري الدول التي تمتلك أجهزة سياسية ودبلوماسية كفوءة أحياناً اختبارات تطلق عليها (Lie detection test) اختبار الكذب لمعرفة ما إذا كانت حكومة معينة قد لجأت للكذب من أجل تغطية موقف معين. ومن المعلوم أن الدول، ودبلوماسيتها، تفقد مصداقيتها (Credibility وتلك مسألة بالغة الأهمية والحساسية في العملية السياسية والدبلوماسية. فإذا ثبت أن زعيماً أو حكومة دولة ما أو أحد دبلوماسييها قد مارس الكذب، فذلك كفيل بتعريض لجزء ربما هو الأهم في قضية المفاوضات والمحادثات، للانهيار، بيد أن رجل السياسة والدبلوماسي الذكي بوسعه التخلص من الأسئلة أو المواقف المحرجة بوسائل عديدة، ولكن الكذب ليس من بينها قطعاً.  

ويطرح بعض منظروا الفكر السياسي الغربي أن العلوم السياسية العربية تنتمي إلى علم الأخلاق، وأن علم السياسة الحديث الذي وضع أسسه الإيطالي (نيكولا ميكافيلي 1469ـ1527) على أسس ذرائعية لا تردعها الأخلاقيات من أجل مصلحة العمل السياسي، ولا يسعنا رفض أو قبول جميع آراء ميكافيلي، فهو القائل مثلاً:” منذ زمن بعيد لا أقول ما أفكر فيه، ولا أفكر مطلقاً فيما أقول، وإذا حدث مرة أن أقول الحق، فإني أغلفه بحزمة من الأكاذيب بحيث يصعب بلوغ كنهه “.

ولكن كتاب غربيين طوروا أراء ميكافيلي إلى فلسفة حديثة وجدت مناخها المناسب في الولايات المتحد الأمريكية على يد وليم جيمس William James 1842ـ1910 أطلق عليها البراغماتية Pragmatism، أي الفلسفة العملية، ” أن حقيقة كل الأفكار والنظريات تقيم بدرجة نجاحها “.، وكان جون ديوي 1859ـ1952أهم مفكري هذه الفلسفة، وهي عملية تطوير للميكافيلية التي يتنصل عنها مروجيها والمسترشدين بأفكارها. (2)

ولكن في نهاية المطاف لا يمكن اعتبار ميكافيلي إلا واحداً من المفكرين الأفذاذ الذين طوروا علم السياسة، والعمل الدبلوماسي، وهو الذي وضع مصلحة الدولة فوق كل اعتبار آخر، بل وحتى فوق مصلحة المؤسسة الدينية، والقصر(الأمير أو الملك)، فنال سخط جميع هذه الأطراف، وعاش ومات منبوذاً منهم.

بيد أن عصر النهضة أنتج مفكراً، نعتقد أنه المؤسس الحقيقي للعلوم السياسية الحديث الغربية وهو الفرنسي شارل مونتسيكيو  Charles de Montesquieu1689ـ1756 الذي برهن حقاً أن بوسعنا عزل السياسة عن الأخلاق، لكن دون ذلك الانحدار المبتذل عند ميكافيلي. وبالطبع لا يستسيغ علماء السياسة في الغرب تنسيب الفكر السياسي العميق الذي قدمه العرب إلى الإنسانية على رصيد الفلسفة السياسية، منجزات كبيرة تمت على يد أبن خلدون وأبن الأزرق وأبن أبي الربيع والماوردي وأبن تيمية والطرطوشي وأبن رشد وغيرهم كثير من علماء السياسة العرب في عالم الفكر والفلسفة.

وأن يضع الدبلوماسي نصب عينيه هدف خدمة بلاده ومواقفها وقراراتها السياسية، أمر شرعي، بل ذلك ما يمارسه جميع الدبلوماسيين، وهو موقف نزيه يستحق عليه الاحترام من الطرف المقابل، ولابد له في عمله (ما كان ذلك ضرورياً)ً أن يناور بذكاء ويلح بصورة ودودة ويطرح موقفاً متشدداً بعناد لينال ما هو أقل من ذلك.  ويدعم موقفه التفاوضي بمواقف بديلة، وأن لا يتوقف مصير القرار السياسي الذي يسعى من أجل تحقيقه على هذه المفاوضة، بل أن يترك دائماً فسحة يمكن التفاوض بشأنها، وهو في كل ذلك يبدو شخصاً كيساً ولطيفاً ودوداً لا تسهل إثارة أعصابه ولا تتأثر قراراته وتصرفاته بالغضب أو بالعواطف الشخصية، كما عليه أن لا يقيم وزناً كبيراً لطريقة استقباله وتوديعه، أو للهدايا التي يتلقاها، وكلمات الثناء التي تقال بحقه، فالقضية الأهم هو ما يجب إدراجه ضمن الموقف التفاوضي، وهو ما يدور فقط على طاولة المفاوضات بالدرجة الأولى، وما يدون في محاضر الجلسات والاتفاقات والنتائج التي يتم التوصل لها.

وليست نادرة الحوادث التي استقبلت فيها دولاً وفوداً بمظاهرات السخط والبيض الفاسد والحجارة، بيد أن تلك الوفود تمكنت من إحراز مكتسبات سياسية على طاولة المفاوضات، فمن المؤكد أن يحاول طرف ما أحداث تأثيرات نفسية سلبية أو إيجابية تؤثر على سير المحادثات على طاولة المفاوضات، ولكن على الدبلوماسي أن يحصن نفسه من أمثال هذه التأثيرات، ومن أجل ذلك: لا ينبغي أن يكون متطرفاً أو متعصباً أو متساهلاً، بل أن يقابل الموقف، أي موقف كان برمته داخل المفاوضات وخارجها بهدوء وحكمة ووعي، فقد تكون غاية الطرف المقابل إثارة الأعصاب أو تلينها لدرجة الاسترخاء، فلا يميز الموقف السليم عن الموقف الذي ينطوي في أحدى زواياه على خطأ أو خلل، وطرف قد يغرق مفاوضه بالاستقبالات الفخمة وكرم في الضيافة وبالهدايا، وبعبارات الاطراء، وليست لهذه سوى قيمة معنوية بسيطة مقابل مكتسبات مادية وسياسية على طاولة المفاوضات، مضافة لما يستحقه وفق الموقف التفاوضي للطرف الآخر.

وبطبيعة الحال فإن التكريم والاستقبال الحسن والحفاوة هي مظاهر إيجابية مؤثرة، إلا أن القرار الحاسم في نجاح المفاوضات أو فشلها هي نتيجة المحادثات وقراراتها، فالدبلوماسي في نهاية المطاف معني بشيئ واحد فقط، هي المصلحة العليا لبلاده التي يمثلها، ولا يزحزحه عن هذا الموقف لا تكريم الدولة المستقبلة، لا سخط قد يقابله من تظاهرات لغاضبين أو ساخطين، فهو شخص معنوي، وينبغي أن يكون متين البناء الشخصي والخلقي بحيث لا تؤثر فيه ولا تهتز أية عواطف أو مؤثرات جانبية، قد يحاول الطرف الآخر وضعه فيها ليؤثر على موقفه التفاوضي والمعنوي بصفة عامة،.

وليس محتوماً للدبلوماسي أن يحرز النجاح الكامل دفعة واحدة، فزحزحة الطرف المقابل عن موقف لصالح القضية التي يتفاوض من أجلها، تعد مكسباً، وخطوة على طريق تنفيذ القرار السياسي لبلاده أو المهمة التي أوكلت إليه تنفيذها. وإذا كان إحراز بعض التقدم لا يعني النجاح الكامل، فهو لا يعني بحال الفشل، فلا بد أن هناك جولة أخرى أو جولات بتابع فيها الدبلوماسي غايته بصبر ولكن بحزم وطول نفس.

ومما لا شك فيه، أن تتفاوت أهمية المفاوضات وأهمية الوفود، إلا أن موقف الدبلوماسي، يجب أن يكون موحداً، فلا يحمل محادثاته مع ممثلي دولة أجنبية بموقف الخفة والاستخفاف، ولا على التشدد، إنما بمنح كل موقف بما يستحقه من الاهتمام.

ب : التطورات في عمل البعثات الدبلوماسية

لاحظنا من خلال المباحث السابقة، أن التطورات السياسية الدولية وآثار الثورة العلمية التكنيكية، طورت من جهة ولكنها فرضت من جهة أخرى مهمات جديدة على الدبلوماسيين والعمل الدبلوماسي، استلزم معه تطورات واسعة في البعثات الدبلوماسية للدول.

فما هي أبرز تلك التطورات …؟

عين السيد بيير دي جيراردي عام 1686 سفيراً لفرنسا في القسطنطينية، وقد أصطحب معه خمسة عشر سيداً وسيدة لخدمة زوجته وسكرتيرين أثنين وطباخاً وستين خادماً بينهم عشرة من الموسيقيين.(3)

وبطبيعة الحال فإن مثل هذا الكادر لبعثة سياسية ودبلوماسية يلقي الضوء على نشاطاتها وفعالياتها في عالم دبلوماسية ذلك العصر، مع العلم أن هذا التاريخ هو لاحق لتاريخ تأسيس وزارة الخارجية الفرنسية والتطويرات الشاملة في مجال بناء هياكل الدولة على يد ريشيليو عام 1626 بستين عاماً..!

وتمنحنا بعض المصادر أرقاماً وإحصائيات تدل على التطورات في عمل وحجم البعثات المتزايد الذي استدعى دون شك زيادة البعثات وأعضاءها من الدبلوماسيين، التي تعطينا دليلاً جديداً على أن الدبلوماسية تتزايد أهميتها وتتضاعف مجالات عملها. فعلى سبيل المثال، فقد أرتفع عدد الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الأمريكية من 963 موظف قبل الحرب العالمية الثانية إلى ستة ألاف دبلوماسي عام 1967، وارتفعت ميزانيتها تبعاً لذلك من مليونين ونصف إلى أربعة وثلاثين مليون دولار، ولنفس الفترة أرتفع عدد دبلوماسيي وزارة الخارجية الفرنسية من 958 إلى 1500 دبلوماسي، والميزانية من مليارين وربع فرنك إلى ستة وعشرين مليار فرنك. (4)

ومن المعروف أن الدول لم تكن تطلق قبل الحرب العالمية الأولى، وحتى الثانية، على رؤساء بعثاتها لقب سفير، وبدقة أكبر، لم تكن تفرط بمنح هذا اللقب، إنما كانت البعثات تسمى مفوضيات أو قنصليات عامة، وعلى من يقوم بمقام السفير “وزير مفوض ” كرئيس بعثة دائمي، ولم تشهد الدبلوماسية ذلك التمثيل الواسع النطاق، وعلى مستوى السفارات والسفراء إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

فعلى سبيل المثال، كان لفرنسا عام 1914 (10) سفراء ثم تطور هذا الرقم إلى (16) سفير عام 1939، وإلى (54) سفير فقط عام 1952، وبلغ عدد الوزراء المفوضين (20) وزير مفوض فقط، ورفعت الولايات المتحدة درجة بعثاتها في أميركا اللاتينية إلى سفارات عام 1942، مع أهمية ساحة أميركا اللاتينية للولايات المتحدة، وبريطانيا لم يكن لها سوى (8) سفراء فقط و(40) وزير مفوض، أرتفع عام 1953 إلى (46) سفير.(5)

وبالطبع تشهد الأعوام الأولى من الألفية الثالثة(القرن الواحد والعشرين) اتساعاً ملحوظاً في عدد البعثات، سواء كسفارات أو كقنصليات عامة، بسبب ازدياد حجم الدول المستقلة الذي تجاوز اليوم 180 دولة عما كانت عليه حين تأسيس منظمة الأمم المتحدة وكانت حينئذ تكاد تبلغ الخمسين دولة مستقلة..! كما أن تطور مهام السفارات إلى مهام ثقافية وتجارية وصناعية وصحفية وعسكرية وعمالية(تعني بالأيدي العاملة المهاجرة).

 وبينما كان يبلغ عدد أعضاء البعثة (ليس الدبلوماسيين فقط) ربما بين خمسين ومئة موظف في سفارات دول مهمة لدى دول تتمتع بثقل دولي وعلاقات ممتازة مع الدولة المؤسسة للبعثة، فيما يبلغ عدد موظفي بعض سفارات الدول الكبرى بالآلاف، ونلاحظ وجود أسواق خاصة ومدارس لأبناء الموظفين من دبلوماسيين وغيرهم، بل قرأنا مرة أن عدد موظفي ومستخدمي السفارة الأمريكية أحدى دول الشرق الأوسط، يربو على عشرة الآف شخص من دبلوماسيين وإداريين وعناصر فنية.

وبطبيعة الحال، فإن هذا التوسع الملحوظ في عدد البعثات الدبلوماسية وفي حجم الكادر الدبلوماسي( مع تقدم أجهزة الاتصالات، والأجهزة والمعدات المكتبية، وكفاءة الكادر)، وفي قيمته التمثيلية، وهو ما يكلف نفقات باهظة ليس عملاً لا طائل له، وإنما لضرورات أكيدة حكمتها التطورات في عالم العلاقات الدولية استوجب معه هذا التطور للدبلوماسية ولحجم الكادر الدبلوماسي تلبية لتوسع أعمال وحجم البعثات بما يناسب التطورات الاقتصادية والسياسية والعلمية والثقافية وتعميقاً للفوائد التي يمكن للبعثة الدبلوماسية أن تجنيها في عملها على أرض الدولة المضيفة، وإمكانية الاستفادة منها من خلال المصالح والفوائد المشتركة.

وقادت الحاجة الملحة إلى عدد كبير من الدبلوماسيين وإداريين، إلى أن تقوم العديد من الدول التي يهمها رفع مستوى تمثيلها الدبلوماسي ورفع مستوى كادرها الدبلوماسي، لأن تؤسس تلك الدول معاهد لإعداد الدبلوماسيين، تتفاوت مدة الدراسة فيها من سنة إلى سنتين، وتعمد بعض الدول إلى ألحاق دبلوماسييها في دورات قصيرة ستة شهور/ عام في معاهد بحث داخل البلاد أو خارجه، أو في المعاهد الدبلوماسية في دول صديقة، أو إخضاع دبلوماسيها إلى دورات مكثفة في موضوعات ترى وزارة الخارجية أهميتها.

وتعدد مهام البعثة حتم تعدد تخصصات الموظفين سواء الكادر الدبلوماسي والإداري، وحتم كما أسلفنا أن يتمتع الدبلوماسي المعاصر بقدرات كبيرة، ومعلومات ومعارف، فالبعثة تمثل وزارات البلاد كافة، لذلك على الدبلوماسي أن يحوز على معلومات عن عمل وزارة الري مثلاً، والصناعة والزراعة، التعليم العالي والمواصلات، وحتى في حال وجود ملحقين أختصاصيين في البعثة، بيد أن الكادر الدبلوماسي يبقى القلب النابض، ومحرك العمل، وضابط إيقاع عمل البعثة، ويمثل ختم البعثة رمز الدولة، وعندما يضع رئيس البعثة ختم البعثة(سفارة ـ قنصلية عامة ـ مكتب رعاية مصالح) على أي مذكرة موجهة إلى أحدى الجهات الرسمية في البلد المضيف، فإنه بذلك يضع صيغة طلب من حكومة بلاده، أو رأيها وموقفها بصدد أي قضية مطروحة. لذلك فإن ختم البعثة يكون بحوزة رئيس البعثة وتحت التحفظ الأكيد، وله أن يتردد وأن يفكر ملياً قبل وضع ختم الدولة على أية وثيقة.

  • أنواع البعثات : وأرفعها هي:
  • السفارة:  وتكون عادة في عاصمة البلاد، وإذا كان هناك دولة لها عاصمتان، سياسية وتجارية أو تقليدية، فالسفارة تؤسس في مقر إقامة رئيس البلاد أو ملكها، أو بحسب تعين وزارة الخارجية لمقر البعثات الدبلوماسية، ويقدم السفير أوراق اعتماده إلى الملك أو رئيس البلاد.
  • القنصلية العامة : وهي بعثة تؤسس في أحدى المدن الهامة التي تتمتع بثقل سياسي وتجاري قد تفوق أهمية العاصمة أحياناً، مثل جنيف في سويسرا، أستامبول في تركيا، كراجي في الباكستان، بومبي في الهند، نيويورك في الولايات المتحدة، الإسكندرية في مصر .. الخ، ويقدم القنصل العام أوراق اعتماده إلى محافظ تلك المدينة أو الولاية.
  • مكتب رعاية مصالح: قد تتعرض العلاقات الدبلوماسية بين دولتين إلى متاعب، وتقر الدولتان قطع العلاقات الدبلوماسية، ولكن مع ابقاء عدد من الدبلوماسيين يتمركزون في بعثة بلد ثالث، وفي بنايتها وتحت رايتها، وبموافقة الدولة المضيفة، واتفاق مع البلد الثالث، لمتابعة شؤون ومصالح الدولة وشؤون مواطنيها.

رئيس البعثة: سفير مطلق الصلاحية، سفير، قنصل عام، قائم بالأعمال، قائم بالأعمال المؤقت، رئيس شعبة مصالح. ورئيس البعثة هو القائد الإداري والسياسي لكافة الفعاليات التي تجري في إطار بعثة الدولة. وينبغي أن يكون رئيس البعثة على قدر هذه المهمة الكبيرة، والسفير المطلق الصلاحية(وتميل الدول إلى إعلان سفرائها كمطلقي الصلاحية، تعزيزاً لشخصه) لا بد أن يكون شخصاً رفيع المستوى المهني والعلمي والخلقي، إذ أنه سيتعرض يومياً إلى مواقف تختبر فيها كفاءته وقدراته وشخصيته، وحكمته وقدرته على معالجة المواقف، داخل البعثة (إدارياً) وخارجها (سياسياً).

ويسعى رئيس البعثة، (بالإضافة إلى التعليمات التي بين يديه) إلى كل ما من شأنه تعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية وغيرها. ويستخدم الكادر الدبلوماسي المتوفر لديه من أجل تحقيق هذا الهدف، أما داخل البعثة، فإنه يدير العناصر الدبلوماسية والإدارية، وتلعب خبرته الإدارية دوراً في تحقيق إنجازية عمل عالية ضمن البعثة، كما يحرص بالتعاون مع الشخص الثاني، على الضبط الإداري وعلى خطة أمن البعثة.

وتلعب سكرتيرة / سكرتير السفير (رئيس البعثة) دوراً ذا شأن غير بسيط في السفارة، وهو ما يتمثل بإنجاز الأعمال التكنيكية والبروتوكولية الهامة. وتتطلب هذه الوظيفة قدرة إنجازية عالية ودقة فائقة لا تحتمل الخطأ في العمل والانضباط الصارم. فجدول السفير يزدحم بالمهمات التي ينبغي أن يتصرف إزاءها من مقابلات واستقبالات وتعين المواعيد لها، كما ينبغي أن تكون السكرتيرة ذات حس مهني ودبلوماسي مرهف في اختيار زمن ومكان المقابلات بما لا يعرض السفير(رئيس البعثة) إلى إحراج شخصي، أو لمكانته كسفير.

هذا بالإضافة إلى طائفة من المهمات اليومية والتي لا ينبغي أن تخلو من الدقة مثل تقديم باقات الزهور إلى الهيئات والشخصيات في المناسبات المختلفة، وهنا يلعب ذوق السكرتيرة / السكرتير دوراً هاماً في طريقة إعداد باقة الزهور وحجمها ونوعها وألوان الورود، فبعض الزهور هي للمناسبات السعيدة، وأخرى لمناسبات الحزن والتعازي، والخطأ قد يكون هنا فادح، ومثل تلك المهمات الدقيقة في إرسال الكارت الشخصي (Visiting Cart) للسفير، أو رئيس البعثة، وتذييل الكارت بالرموز البروتوكولية المناسبة. كما لذوق السكرتيرة مجال إبداع آخر مهم، وهو إعداد مكتب السفير وغرفة استقباله، كما يعتمد إلى حد بعيد طريقة تعاملها مع سائر موظفي البعثة من دبلوماسيين وإداريين وفنيين، وضيوف رئيس البعثة من المواطنين والأجانب. وعدم تشويه صورة السفير، وخلق صورة بيروقراطية لمكتبه تبعده عن الكادر الدبلوماسي والوظيفي بصورة عامة.  

الشخص الثاني : وهو الدبلوماسي(الدبلوماسي حصراً) الذي لا بد أن يكون بدرجة دبلوماسية قيادية(وزير مفوض ـ مستشار ـ سكرتير أول) والذي يلي السفير أو القنصل العام في الرتبة. والرتب الدبلوماسية هي: سفير ـ وزير مفوض ـ مستشار ـ سكرتير أول ـ سكرتير ثاني ـ سكرتير ثالث ـ ملحق ( وهناك دول تمنح رتبة ملحق أول وثاني وثالث) وهذا يعني أن خريج الجامعة المعين في وزارة الخارجية قد يحتاج إلى 28 سنة من الخدمة ليصل إلى رتبة وزير مفوض، إذا سارت حياته الدبلوماسية بسلامة وبخدمة ممتازة.

والشخص الثاني يتمتع بصلاحيات واسعة، فهو من يدير معظم مهام الكادر الإداري، ويهيئ التقارير السياسية، والسنوية والفصلية، ويشارك رئيس البعثة بالإضافة للمحاسب بالتوقيع على مذكرات الصرف (وبحسب نظم وزارات الخارجية). ولا بد أن يكون الشخص الثاني على وفاق تام مع رئيس البعثة، على الصعيد المهني والشخصي، وإلا فإن خللاً سيصيب العمل، له آثاره الواضحة على سير العمل.

ويقيم الشخص الثاني علاقاته مع من يماثله رتبة من دبلوماسيي البعثات الدبلوماسية الأخرى، ويدعى غالباً إلى حفلات الاستقبال والكوكتيل ومناسبات أخرى، وستتيح له لباقته ومقدرته وثقافته، إقامة علاقات واسعة من الوسط الدبلوماسي حيث يعمل، لذلك لا بد له من حركة واسعة تتيح له الإطلاع على ما يحتاج إليه من معطيات تضعه في صورة واضحة، سياسياً اقتصاديا ثقافياً، يفيد بها البعثة وأهدافها. ولا يجوز أن يكون القائم بالأعمال إلا دبلوماسياً من كادر وزارة الخارجية وإن كان برتبة صغيرة، ولا يجوز أن يتبوء هذا المركز موظف إداري من وزارة الخارجية، أو من الملحقيات مهما علت درجاتهم. فقيادة البعثة هي من مهام الدبلوماسيين حصراً.

عناصر السفارة الدبلوماسية والإدارية : ثم يقوم رئيس البعثة، بمعاونة الشخص الثاني، بتوزيع العناصر الدبلوماسية الأخرى (كادر وزارة الخارجية) على المهام، ويراعيان في ذلك الكفاءة والخبرة، كما يراعيان تدريب الدبلوماسيين الأحداث، وإتاحة المجال والفرصة لهم من تطوير خبراتهم العملية والنظرية، وكذلك كادر وزارة الخارجية(السلك الإداري)، ومن ثم تحديد مهام المستخدمين الأجانب منهم ومواطنين البلاد.

القنصل : هو موظف إداري، يقوم بالمهام القنصلية وفي مقدمتها: تمديد وتجديد جوازات السفر للمواطنين، إصدار الوكالات والكفالات، بأنواعها، ويقوم بعقد الزواج، ويصدر شهادات الميلاد أو يصادق عليها، يؤمن شحن جثامين المواطنين المتوفين في البلد المضيف. أن يتابع قضايا المواطنين في البلد المضيف ولكن دون تدخل مباشر في القوانين. على القنصل أن يكون ملماً بقوانين بلاده.

الموظف الإداري : المحاسب، الإدارة والذاتية.

مراسلات البعثة : تمثل الحقيبة الدبلوماسية شريان وعصب البعثة، فهي تنقل المراسلات السياسية والإدارية للسفارة من وإلى المركز (وزارة الخارجية)  لذلك فضمان أمن الحقيبة وسلامتها هو أمر يخص كافة المسؤولين في البعثة وفي المقدمة السفير، ولا يجوز التهاون بأي شكل بفتح الحقيبة وإغلاقها وختمها بالشمع الأحمر الذي يحمل شعار الدولة.

ويتم التأكد من سلامة أختام غلق الحقيبة قبل فتحها، وكذلك لدى غلقها، ولا يجوز مطلقاً أبقاء الحقيبة خارج بناية البعثة مطلقاً ولأي سبب كان، ولا بد من أن يتولى شخصان نقل الحقيبة من وإلى المطار حيث يتم تسليمها إلى قبطان الطائرة الوطنية، أو تنقل إلى بعثة قريبة من الدولة المضيفة، لتنقل من هناك بالطائرة الوطنية، أو يتبع أسلوب الدبلوماسي حامل الحقيبة الدبلوماسية، لنقل الحقيبة من وإلى المراكز التي يحددها المركز، ويحمل هذا الموظف عادة جواز سفر مؤشر عليه بوضوح” جواز سفر دبلوماسي لحامل حقيبة دبلوماسية”. وباختصار فإن الحقيبة يجب أن تحضى باهتمام بالغ، وكذلك التأكيد على سلامة وأمن الحقيبة. ويستحسن في جميع الحالات أن تنقل الحقيبة من المركز (الوزارة) إلى البلد  المحدد باليد وبصبة حامل حقيبة، وبالطائرة الوطنية، أو بطائرة دولة شقيقة، ثم تنقل باليد إلى الدولة القريبة . هناك من يشحن الحقيبة الدبلوماسية بالبريد الجوي، ونجد هذا تفاؤل وحسن نية قد يساء فهمها …!

وفي السفارة فرع يقيم الدليل والشاهد على تطور عمل البعثات، وهو فرع الشيفرة والإبراق اللاسلكي بين البعثة والمركز، وعلى الأغلب يتصل هذا الفرع بالسفير مباشرة أو بالشخص الثاني حفظاً لسرية البرقيات والمراسلات والإيعازات السريعة، أو تلك التي يراد أن تكون طي الكتمان للتحرك بهذا الاتجاه أو ذاك. والشخص الثاني، هو من يستلم إدارة السفارة كقائم بالأعمال المؤقت، في حال تمتع رئيس البعثة بالإجازة، أو عند استدعائه إلى العاصمة، أو المرض أو أي سبب آخر يعطل رئيس البعثة عن الدوام في مقر البعثة.

كادر الملحقيات : تضم البعثة على الأرجح عدداً من الملحقيات، وهم موظفون تابعون إلى وزارتهم التي أبتعثتهم، وإن كانوا يحملون جوازات سفر دبلوماسية، ويتمتعون بالحصانة الدبلوماسية. وقد تزيد عدد الملحقيات أو تقل بحسب علاقة الدولة مع الدولة المضيفة. ولكنها على الأرجح تضم الملحقيات التالية وحسب أرجحيتها:

  • الملحقية العسكرية، موفداً من وزارة الدفاع
  • الملحقية التجارية، موفداً من وزارة التجارة أو الاقتصاد
  • الملحقية الثقافية، موفداً من وزارة التعليم العالي
  • الملحقية الصحفية، موفداً من وزارة الإعلام أو الثقافة
  • الملحقية العمالية، موفداً من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية
  • الملحقية الصحية، موفداً من وزارة الصحة.. ….الخ.

ومن الممكن إضافة ملحقيات أو سحبها، بحسب الحاجة لها. وهناك من الدول من يزيد عدد ملحقيها عن هذا العدد، فهناك من يؤسس ملحقية بحرية، أو جوية، أو ملحقية للنقل، وبعبارة أخرى كلما استدعت الحاجة لذلك، ولكن من البديهي أن كثرة الملحقيات بين دولتين، أو تأسيس قنصليات عامة، هي علامة طيبة وتدل على علاقات ممتازة.

الملحق العسكري : ويرأس الملحقية ضابط مبعوث من قبل وزارة الدفاع يحمل جواز سفر دبلوماسي ويتمتع بالحصانة، و لا يقدم الملحق العسكري قبل الكادر الدبلوماسي في القائمة الدبلوماسية مهما علت رتبته، إلا إذا كانت رتبته أعلى من رتبة لواء(فريق وما فوق) فيكون أقدم من الدبلوماسي برتبة مستشار، أما إذا كان الشخص الدبلوماسي الثاني برتبة وزير مفوض، فلا يتقدمه أي شخص في القائمة الدبلوماسية. لذلك لا ترسل الدول حتى الكبرى ضباطاً كملحقين عسكريين أعلى من رتبة لواء، وإذا حدث مثل ذلك لأسباب قاهرة، فيكون الشخص الثاني دبلوماسي برتبة وزير مفوض تلافياً لأي إحراج قد يحدث.

والملحق العسكري يدير مكتبه الذي يتألف عادة من عدة معاونين وعناصر إدارية بحسب العلاقة مع الدولة المضيفة، وهدفه هو تلبية متطلبات وتوجيهات وزارة الدفاع.

الملحق التجاري أو الاقتصادي: ويرأسه عادة موظف تابع لوزارة التجارة أو الاقتصاد ويساعده عدد من الموظفين تتركز واجباته:

  1. متابعة وتنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
  2. الإشراف التام على حركة التجارة بين البلدين، استيراداً وتصديراً.
  3. مراقبة الأوضاع الاقتصادية في البلد المضيف وتأشير التطورات وفحص إمكانيات العمل المشترك والرصد الدقيق لأبرز أنتاجات البلد المضيف في المجالات المختلفة، ورفع توصيات إلى وزارته بصدد إمكانات العمل والتحرك التجاري والاقتصادي ومقترحاته العملية.
  4. السعي لترويج الخطة التصديرية لبلاده في البلد المضيف من السلع والخدمات.
  5. متابعة الحركة التجارية والاقتصادية للبلد المضيف مع البلدان الأخرى والأبعاد السياسية لهذه التحركات.
  6. تنفيذ أية مهمات تعهدها إليه وزارته، أو توجيهات رئيس البعثة في إطار المجهود الدبلوماسي بجانبه الاقتصادي للبعثة.

الملحق الثقافي : ويرأس هذا المكتب، أحد أكفاء موظفي وزارة التعليم العالي ويستحسن من حملة الدرجات الأكاديمية الرفيعة، ليكون ذو خبرة في تقدير للشؤون الثقافية الثقافية والعلمية حق تقديرها. وأهم ميادين عمله:

  1. متابعة شؤون البحث العلمي والجامعي في البلد المضيف.
  2. الإشراف على تنفيذ الاتفاقيات الثقافية بين البلدين.
  3. متابعة شؤون الطلبة الموفدين للدراسات في شتى مراحلها.
  4. متابعة الاتفاقيات المختصة باستقبال وإقامة المعارض والحفلات الفنية والموسيقية والشخصيات العلمية والأكاديمية في إطار تبادل العلماء وإلقاء المحاضرات.
  5. متابعة الحركة الثقافية والفنية بجوانبها المختلفة ورفع الدراسات والأبحاث عنها لوزارته أو للوزارات المعنية.
  6. إقامة الصلات والعلاقات مع أبرز الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية واستطلاع أبعاد شتى الاتجاهات في البلاد وتأثيرها على الرأي العام ومدى علاقة ذلك بالاتجاهات السياسية للبلد المضيف.
  7. متابعة فعاليات وأنشطة ثقافية للدول الأخرى لا سيما تلك التي تهم بلاده، مثل فعاليات دولة مجاورة لبلاده في البلد المضيف، أو دولة معادية، أو رصد ظاهرة تستحق الرصد والدراسة.
  8. العمل بتنسيق وتعاون مع السفارة بما يخدم أغراض البعثة.

مكتب الملحق الصحفي : ويرأس هذا المجال أحد موظفي وزارة الإعلام له خبرة بالعمل الصحفي والإعلامي، ويستحسن أن يجيد لغة البلد المضيف ومن أهم واجباته.

  1. الإطلاع التفصيلي على صحافة البلد المضيف لا سيما الصحف والمجلات البارزة التي تعكس أراء قطاعات مهمة من الشعب، أو تمثل الأحزاب الكبيرة والمهمة.
  2. يركز الملحق الصحفي في جرده لاتجاهات أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة (صحف، نشرات، إذاعات، تلفزيون) ما يتعلق ببلاده أو الاهتمام المكلف به من وزارته، ومن المحتمل أن تكون:
  3.  

آ/ الأنباء والتعليقات عن بلاده ودرجة اهتمام أجهزة الإعلام والصحافة(هامش، صفحة أولى، أو ثانية، خط عريض …الخ) في البلد المضيف بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاده وتقيمها لهذه التطورات.

ب/ درجة الاهتمام التي تبديها أجهزة الإعلام في البلد المضيف لقضايا مهمة لبلاده، سياسية ثقافية، اقتصادية..الخ.

  1. قد يتمكن موظف صحفي نابه من تحليل معطيات غير مباشرة من خلال المراقبة الدقيقة للصحافة وأجهزة الإعلام، وقد يكون ذلك في قسم إعلانات مثلاً مصدر لهذه المعلومات، مثل إحصائيات تناول المشروبات الكحولية ونسب متناوليها، وإحصائيات الزواج والطلاق، ونسب المواليد الجدد، إحصائيات الانتحار..الخ التي تؤشر بمجموعها إلى مؤشرات اجتماعية وسياسية هامة.
  2. الاتصال الوثيق بأبرز المؤسسات الإعلامية وإقامة العلاقات الودية معها، وتقديم المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصادقة عن بلاده قد تكون مفيدة اشد الفائدة(لا سيما إذا كانت معززة بالوثائق والمطبوعات) من تقديم فكرة مفيدة عن بلاده لتلك المؤسسات والشخصيات ويحرص أن لا يكون مبالغ بها، دحضاً لأي ادعاء أو أفكار مشوهة تقدمها جهات لها مصلحة في الإساءة إلى بلاده.
  3. يعمل الملحق الصحفي بإمرة رئيس البعثة في التوجه نحو واجبات تخدم عمل البعثة وأغراضها.

وبالإضافة إلى البعثة والملحقيات، فقد تحتم الضرورة في دولة ما، أن يكون لها مكاتب فنية في أحدى بعثاتها، وغالباً ما تؤسس الدول مكاتب في دول أخرى كمكاتب خطوط الطيران المدني، مكاتب شحن في الموانئ الهامة، فروع لبنوك ومؤسسات مالية، مدارس لمختلف المراحل، معابد دينية، معارض دائمة لمنتجاتها الصناعية والزراعية أو مرفقاً ثقافياً أو فنياً… الخ.

وهناك حقيقة مؤكدة، هي أن السفير والبعثة الدبلوماسية تمثل مجموع مصالح البلاد في البلد المضيف، وكذلك كافة اتجاهات العمل والأهداف المتوخاة من مجموع هذه الأنشطة والفعاليات رغم تباعد اختصاصاتها. ولكن ذلك لا يخلو مشكلات ومتاعب إدارية. فالإشراف الكامل وبمركزية شديدة يغرق البعثة ورئيسها بتفصيلات غير هامة ستكون حتماً على حساب المهمات الرئيسية ولكنه يشبع لديها رغبة السيادة والهيمنة، كما أن إفلاتها لتعمل وفق تصوراتها وهواها دون إشراف، قد يقود إلى خطأ وإلى ما لا تحمد عقباه. وقد يحدث ذلك الخطأ بنية حسنة وبدافع الحماس للعمل مع ضعف في النضج والتبصر، بيد أن مزيجاً من هذا وذاك، قد يكون كافياً لوضع الأمر في نصابها الحقيقي. أما تلك المكاتب التي تعمل بالصفة الدبلوماسية، فعليها دون ريب أن تضع نفسها تحت تصرف السفير المطلقة، وهذا ما تعمل به معظم الدول باختلاف نظمها.

وتتمتع السفارات بحكم وجودها الرسمي والقانوني المعترف به في الدولة المضيفة، بأمتيازات اتفاقية فيينا للتبادل الدبلوماسي واتفاقيات ثنائية على قاعدة التعامل بالمثل، وكلها تساهم في توسيع فرص الدبلوماسيين في الحركة والعمل بمعزل عن الظروف الخارجية التي تحيط ببناء السفارة، بيد أن ذلك ليس أمراً مطلقاً في جميع الأحوال،

فالدول كالأشخاص ترتاب أحياناً بنوايا الدول الأخرى وبأهداف فعاليات البعثات التي قد تستخدم الأمتيازات الممنوحة لها بصورة غير قانونية وخارج المسموح به، فليس فقط أعمال التجسس أو الإثارة والتحريض وما شابه ذلك من قضايا ذات مساس بالأمن الداخلي للبلد المضيف بما يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية فحسب، ما يثير حفيظة الدوائر المعينة، بل وكذلك الأعمال التي تعد خرقاً لقوانين البلد المضيف سواء تمت بحسن نية أو بسوء قصد، فإنها ترصد بدقة ويتم تحذير بعثة ذلك البلد بلغة لطيفة ومهذبة، ولكن من الممكن أن يؤدي ذلك في النهاية في حالة تكرار المخالفات إلى الطلب بمغادرة الدبلوماسي الذي لا يجد رغبة في احترام قوانين البلد المضيف، وقد يقابل هذا الطرد إجراء مماثل من البلد المعني، وبذلك تتعقد الأمور وتمر سحابة سوداء في العلاقات الثنائية، من المستحسن تجنبها.

وقد تقع أحداثاً مؤسفة، إذ يتورط بعض الدبلوماسيين في تهريب ممنوعات إلى البلد المضيف أو خارجه. ومن المؤسف أن مثل هذه الحوادث قد كثر عددها وقد يؤدي ذلك بشكل تدريجي إلى فقدان الثقة بنزاهة الدبلوماسيين الذين يفترض ولرقي المهمات التي يمارسونها استنكار مثل هذه المخالفات الشائنة.

وهناك دولاً تفرض الحظر على تنقل منتسبي البعثات الدبلوماسية، فتطلب منهم عدم مغادرة حدود العاصمة، دون أذن مسبق من وزارة الخارجية، أو دولاً تسمح بالتجوال حتى مسافة 100 كيلومتر مثلاً خارج حدود العاصمة، أو دولاً تفرض الحظر على مناطق معينة بدخول الدبلوماسيين إليها أو سفرهم إلى تلك المناطق..الخ من التقيدات التي تقلل من فوائد الأمتيازات الممنوحة للدبلوماسيين.

والدول بحسب مستوى التقدم الحضاري الذي قد بلغته، تعامل به الدبلوماسيين المعتمدين في بلادها بطريقة مهذبة، وتقدم لهم المعطيات التي يرغبون في الحصول عليها لتجنيبهم مساوئ الانزلاق إلى وسائل لا شرعية وغير قانونية للحصول عليها. فإذا كانت المعطيات السياسية والاقتصادية العامة معروفة بحكم نشرها في وسائل الإعلام المختلفة، كما أن وزارة الخارجية في البلدان المضيفة تبدي استعدادها للإجابة على ما يدور في أذهان الدبلوماسيين من أسئلة بطرق شتى، إما بطريقة الاستدعاء والتشاور، وتمثل تلك مرتبة طيبة من التعامل في العلاقات، أو اغتنام فرصة ما لإحاطة الدبلوماسيين علماً بأهداف ونتائج زيارة هامة لرئيس أحدى الدول إلى عاصمتها، أو في تنظيم زيارات للدبلوماسيين إلى مرفق صناعي ذو طابع استراتيجي أو اقتصادي تكنيكي هام…الخ.

وأجد من المفيد هنا أن أعبر في حادثة مجموعة من الأمثولات في العمل الدبلوماسي الذكي: فقد تواجد في العاصمة الأفغانية قائم بالأعمال في سفارة الجمهورية العراقية في كابل، بدرجة مستشار، وكانت البعثة العراقية تتمتع بعلاقات تاريخية ممتازة مع كابل، وكان القائم بالأعمال يتمتع بعلاقات شخصية مع المسئولين الأفغان بل وبعلاقات عائلية حميمة مع العائلة المالكة. وتصادفت زيارة لوزير خارجية يوغسلافيا إلى كابل وبنتيجة المحادثات صدر بيان مشترك ((Communique أو (Declaration) عن نتائج الزيارة، يتضمن تنديداً بالسياسة الأمريكية وكانت تمر في تلك المرحلة في ذروة الأزمة الفيثنامية. وكانت السياسة الخارجية الأفغانية تحرص على تجنب ما يسيء للولايات المتحدة، وبذلك كان البيان المشترك وما احتواه مفاجئة لجميع الدبلوماسيين الاجانب. وهرع بعضهم للقائم بالأعمال العراقي يطلبون منه تفسيراً قد يكون لديه. وقام الدبلوماسي العراقي بزيارة عائلية لدار إقامة وزير الخارجية وهو صهر الملك، بصحبة عقيلته، و قد أدرك الوزير على الفور مغزى زيارة الدبلوماسي العراقي، فأخبره بسهولة بأن رئيس الوزراء الصيني، وكان يومها شون لاي، سيقوم بعد ثلاثة اشهر بزيارة لكابل، وتحرص الحكومة الأفغانية على إقامة علاقات جيدة مع الصين الشعبية بحكم علاقات الجيرة، ومن المؤكد أن إدانة الحرب الفيثنامية سيكون الطلب الأساسي للصينيين، والاستجابة للطلب الصيني (قد يفسر رضوخاً) سيسيء إلى كابل ويضعف من قيمة الاستجابة للطلب الصيني بالإضافة لحسابات أخرى، فقررت وزارة الخارجية الأفغانية استباق هذه الإشكالات والأحراجات بتوجيه الدعوة لوزير الخارجية اليوغسلافية التي لم تكن تصر على إدراج إدانة الحرب الفيثنامية، بل أن إدراج الإدانة جاء بنا على طالب الجانب الأفغاني وسط دهشة مفاوضيهم اليوغسلاف.  وتلك أمثولة هامة تدل على أن بوسع حتى الدول النامية ممارسة دبلوماسية ذكية، وأن بوسع الدبلوماسي الذكي أن ينشط ويتحرك ويقيم علاقات قد تجعله قبلة أنظار الوسط الدبلوماسي.

كما تصادف أن كان مؤلف هذا العمل قائماً بالأعمال في دولة صناعية متقدمة، وشاع في الوسط الدبلوماسي عن مساهمة منشأة صناعية مهمة في تلك البلاد، بمشروعات ذات طابع استراتيجي بالغ الأهمية، فما كان من وزارة الخارجية إلا أن دعت 20 دبلوماسياً يمثلون بلداناً من مجاميع مختلفة لزيارة تلك المنشأة في إطار خطة ذكية لزيارة الولاية التي تضم العديد من المنشأت المهمة (منها مصنع للمعجنات، وحقل لإنتاج اللحوم) ومنها تلك المنشأة، وغيرها، ليبدو الأمر أكثر طبيعية وليس استجابة لتساؤلات، بل كمبادرة طيبة من وزارة الخارجية، وقد تخلل الزيارة حفلات موسيقية وزيارة أماكن لها طابع أثري تركت أفضل الآثار في نفوس الدبلوماسيين.

إن رغبة أي بعثة في الحصول على معلومات تساعدها على المزيد من فهم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي رغبة طبيعية وشرعية، إلا أن هذه الرغبة تبقى مقبولة وشرعية طالما كانت في الإطار القانوني والرسمي لعمل البعثة، وأن أي تصرف أو حركة تخالف هذه الشرعية ستضع البعثة تحت المراقبة والاتهام بسوء النوايا والتصرف، بل قد يطلب من السفارة رسمياً الالتزام بقواعد العمل القانونية وهو ما ينذر عادة باتخاذ إجراء مماثل في بعثة البلد المضيف، ألا وهو السعي لتحسين العلاقات وليس الإساءة إليها، ففي ظروف كهذه يمكن تخيل أو تصور صعوبة قيام رئيس البعثة بجهد دبلوماسي للحصول على دعم الدولة المضيفة في الأمم المتحدة أو في أي محفل دولي، أو التوصل إلى عقد اتفاقية تجارية واقتصادية، كما يمكن التصور أن علاقات الصداقة والثقة لا تتم إلا بعد بذل جهود مضنية، إلا أن تصرفاً واحداً في غير محله ويفتقر إلى الحكمة وبعد النظر، قد يهدم جميع تلك المجهودات، بل ويتطلب الأمر بذل مساعي إضافية لإزالة الآثار السلبية لذلك التصرف.

والبعثة الدبلوماسية إذ تعد بيتاً وطنياً، فإنها تغدو محط أنظار ومراجعات مواطنيها الموجودين في البلد المضيف، سواء كانوا مقيمين، أو عابرين أو سواح. والبعثة ملزمة بتقديم المساعدات ما أمكنها ذلك بالطبع، وبذل المحاولات لحل مشكلات المواطنين الإنسانية، ولكن من جهة أخرى فالدبلوماسيون ومنتسبوا البعثة ملزمون بالاحتفاظ بوجه بشوش ومرحب لمواطنيهم، فقد يغدو من العسير أحياناً الإيضاح بصعوبة تقديم المساعدة، فالمواطنين والناس عامة يعتقدون أن للسفارات قدرات خارقة في البلد المضيف، ودونما شك فإن هذا التصور لا يخلو من الخطأ.

فالسفير في عصرنا الراهن ليس كما في العصور الغابرة، رسولاً ومبعوثاً شخصياً من ملك لآخر، وإن كان الملوك والرؤساء ما زالت خطابات اعتمادهم، تنطوي على شيء من الصفة التشريفية، فالبعثات الدبلوماسية اليوم لها قوانينها والاتفاقيات التي تنظم عملها، فرئيس البعثة اليوم يمثل وزارات حكومة بلاده، ومهماته كثيرة وواجبات والتزامات. فعدا حفلة قبول أوراق الاعتماد، والاستئذان لدى انتهاء المهام، قلما يستقبل الملوك ورؤساء الدول السفراء إلا في حالات خاصة، كأن يحمل رسالة خطية من رئيس دولته، أو رسالة شفهية هامة، أو بصحبة وفد حكومي زائر عالي المستوى. وفي كل ذلك تلعب شخصية السفير ولباقته وحلو معشره وقابلياته دوراً مهماً في إنضاج علاقات شخصية مهمة. وأعرف سفيراً عربياً كان يمثل بلاده في أحدى الدول الكبرى، عقد صداقة شخصية متينة مع رئيس وزراء تلك الدولة بفضل سجاياه الشخصية ومن خلال هواية مشتركة (الصيد)، وأعرف شاعراً عربياً كبيراً كان سفيراً لبلاده في الهند، عقد صداقة أدبية رائعة مع رئيس الهند، دفعت الرئيس إلى مراسلة رئيس الدولة العربية يرجوه إبقاء السفير لفترة أخرى، وقد أجيب طلب رئيس الهند.

وقد تواجه البعثات مواقف لا قبل لسفارات وبعثات الماضي بها، كما هي الحال عليه اليوم كالإغارات التي تقوم بها مجموعات إرهابية تناصب دولة البعثة العداء لأسباب سياسية أو حتى للابتزاز المحض ليس إلا. وحيث من غير الجائز الرضوخ للإرهاب والابتزاز، فإن تعريض حياة الموظفين وأمن البعثة للخطر أمراً يبعث على القلق.

وهناك ظاهرة أخرى لم تكن معروفة في السابق، وهو لجوء عدد من مواطني الدولة المضيفة إلى أرض السفارة كلاجئين سياسيين، فالتصرف حيال مثل هذه الحالات ينبغي أن تكون على قدر كبير من الحكمة والحصافة، فحيث لا يمكن للسفارة إلا أن تقبل لجوء هؤلاء المواطنين عملاً بأحكام دساتير الغالبية العظمى من الدول التي تعتبر أن اللجوء السياسي حق طبيعي، وباعتبار أن أرض السفارة لها صفة الأرض الوطنية، وحق اللجوء السياسي لا يمكن تجاهله أو التنازل عنه أخلاقياً، إلا عملاً من هذا القبيل قد يثير غضب الدولة المضيفة أو امتعاضها، والسفارة ملزمة باستيعاب كلا الاعتبارين وأن تتصرف بما لا يتعارض مع الأخلاق بقبول اللجوء وفي الحكمة في سلوكها مع سلطات الدولة المضيفة وردود فعلها.

كما قد تواجه البعثات قضايا قانونية معقدة سواء تلك التي تتعلق بالأفراد أو بالأموال والممتلكات. فالمواطنين في إطار تنقلاتهم (وقد شهدت هجرات الأفراد أرقاماً قياسية في السنوات الأخيرة) يخلقون ظروف حياة جديدة من زواج وممتلكات وأموال. فالسفارات ملزمة قانوناً بالدفاع عن حقوق مواطنيها. وفي مثل هذه الحالات فإن قنصلاً مدرباً وذو إلمام جيد بالقوانين، بالإضافة إلى حسن التصرف  ضروري لوضع الحلول المناسبة.

ومن الأرجح فإن مثل هذه الحالات لم تكن رائجة كما هي عليها اليوم طبقاً للحركة الواسعة بين شعوب العالم. فهناك اليوم شعوباً تقيم جاليات كبيرة لها خارج الوطن تمثل نسبة عالية من تعداد سكانها العام، وفي بلدان تقع في أقاصي العالم. ومن صلب مهمات البعثة ليس فقط خدمة هؤلاء المواطنين أو المغتربين، بل وفي إقامة أفضل الصلات معهم على كافة المستويات، وفي ذلك فوائد سياسية واقتصادية وثقافية جمة لا تحصى.

والخلاصة، فإن بوناً شاسعاً بين عمل البعثات الدبلوماسية اليوم عما كانت عليه سابقاً يعكس المدى الواسع في صورة العلاقات الدولية، تطور فرضته الإنجازات الاقتصادية والإنسانية الهائلة في جوهرها ومحتواها والتطورات السياسية(وتعتبر الحروب المدمرة أحد جوانبها) ورغبة البشرية في السلام والعمل المشترك لما فيه خير الشعوب والإنسانية. وبذلك المقدار هو ما حصل فعلاً، في التطور الكبير الذي شهدته البعثات الدبلوماسية من تعدد أوجه نشاطاتها وفعالياتها وحجم كادرها، وبالتالي قدراتها الإنجازية والبعثة الدبلوماسية معنية بنقل جميع أوجه هذه الفعاليات والإنجازات البشرية بطريقة سليمة إلى بلادها وأن تستنبط أفضل السبل لنقل هذه المنجزات البشرية بطريقة سليمة وأكثرها دواماً واستمرارية في إطار شرعي وقانوني يضمن لكل الأطراف حقوقاً متساوية وعلاقات متكافئة تقوم أساساً على الاحترام المتبادل. ولا يمكن تصور عالماً قائماً على هذه الأسس إلا ويكون الدبلوماسي أحد عناصره الأساسية.

ج : صفات ومزايا الدبلوماسي المعاصر

يعتقد بعض الناس أن الدبلوماسي شخص لابد أن يكون أنيق الملبس، لبق الكلام، متحذلق، يتمتع بأمتيازات فريدة لا يستحق معظمها، ويستطرد البعض أن هذه المزايا ليست ضرورية لعمله، فيما يعتقد آخرون أن الدبلوماسيون يتمتعون بأعلى مرتب بين العاطلين عن العمل، وآخرين يتصورون أن الدبلوماسي جاسوس يحمل حقيبة سوداء ويسافر بكثرة بين العواصم…الخ

ودون ريب فإن هذه التصورات عارية عن الصحة، وبعضها ساذج. فواقع الأمر هو على العكس من ذلك. وبادئ ذي بدء فإن مهنة الدبلوماسية من المهن النادرة التي لا يتعلمها المرء على مقاعد الدراسة فقط،  مع أهمية وضرورة التحصيل العلمي الأكاديمي، وإنما يحتاج الدبلوماسي أيضاً إلى فترة مران وخبرة غير قصيرة إن أراد أن يكون دبلوماسياً ممتازاً ومهيئاً للاضطلاع بمهماته لا سيما في المراتب المتقدمة من المهنة.

وبادئ ذي بدء، أن حيزاً من الموهبة والألمعية الفطرية بتقديرنا ضرورية جداً للدبلوماسي المحترف، وتلك صفات لا تخلق بالدراسة والتدريب، فهناك دائماً رجال مهيئون لوظائف ومهن لا يصلحون لغيرها، ولا يصلح سواهم لها. والموهبة والألمعية الفطرية ضروريتان للدبلوماسي إلى جانب الصفات الأخرى.

ولكن دراسة التاريخ لا سيما الجوانب السياسية منه، والإلمام بالقوانين وبصفة خاصة ما يتصل منها بالسياسة والاقتصاد الدولي شروط هامة ينبغي للدبلوماسي أن يتمتع بها. أي أن ما يتعلمه الدبلوماسي على مقاعد الدراسة لا تكفي المجالات الرحبة للمهنة، كما أن الثقافة الواسعة ضرورية اشد الضرورة، بل هي في مقدمة الشروط. فمعرفة الاتجاهات الأساسية في الأدب واشعر والمسرح والفن الحديث والكلاسيكي والموسيقى تدخل في نطاق الضرورات. فليس بإمكان الدبلوماسي أن يعقد صداقات مع زملائه من دبلوماسي البعثات الأخرى، وتلك صداقات تعد معيناً أساسيا في نشاطه ضمن الوسط الدبلوماسي. فالدبلوماسيين في حياتهم بشراً لهم أذواقهم وحساسياتهم، وسعة إطلاع وثقافة الدبلوماسي في هذه المجالات بالإضافة إلى رزانته وحصافته وبعد نظره وروحه الخفيفة وشفافيته تجعله نجماً في المجتمع الدبلوماسي وعضواً لا غنى عنه في الحياة الخاصة للدبلوماسيين، واقصد بالحياة الخاصة اللقآت الخاصة خارج إطار العمل، وإن كانت مساحة الحياة الخاصة للدبلوماسي ضيقة جداً حتى خارج إطار المهنة والتزاماتها وأصولها.

وإذ نشدد على مسألة كفاءة الموظف الدبلوماسي، لا نقصد من ذلك تعقيد المهمة أمام الدبلوماسيين، بل أن المهام الدبلوماسية لدقتها المتناهية، قد توقع دبلوماسياً لا يقصد الإساءة إلى بلده في المواقف الحرجة. ولسنا بصدد تعداد تلك الحوادث التي نجم عنها أضرار فادحة، أو قادت إلى قرارات خاطئة بسبب قلة كفاءة الدبلوماسي أو أستخفافه بالوقت، وقد حدث مرة إهمال خطير أودى إلى فقدان الحقيبة الدبلوماسية لأحدى الدول، ومرة أخرى تصرف يدل على الخفة لموظف تسبب بإتلاف الشيفره سهواً، وحامل حقيبة أستغرق في النوم أثر ليلة صاخبة فاته على أثرها موعد إقلاع طائرته وهو في بلد أجنبي.

 فمثل هذه الممارسات لا يمكن اعتبارها سهو، أو خطأ عابر، ينبغي التأكد بدقة من عدم حدوثها مطلقاً، وينبغي تدريب الكادر الدبلوماسي من الدبلوماسيين والإداريين الأصاغر على عمل خال من الأخطاء، وحدوث مثلها تعد من الأخطاء الجسيمة.

ولعل أهم ما يمكن ذكره في هذا المجال، هو ما حدث في فجر اليوم السابع من كانون الأول/ ديسمبر/1941 داخل السفارة اليابانية في واشنطن، إذ تسبب خطأ غير مقصود(بسبب اختلاف التوقيت) في تسلم رسالة بالشيفره من طوكيو تطلب من السفير التوجه لمقابلة وزير الخارجية الأمريكية وإبلاغه بالإنذار النهائي ليكون مدخلاً لإعلان الحرب بين البلدين، ثم تصادف أن الموظف في السفارة لا يجيد الضرب على الآلة الكاتبة، فتأخر السفير في تسليم الرسالة 55 دقيقة، لا تقدر بثمن، وكانت أسراب الطيران الياباني في تلك الدقائق الخمس والخمسين قد هاجمت فعلاً القواعد الجوية والبحرية الأمريكية في بيرل هاربر.

وقد تعقد لقآت خارج العمل بين دبلوماسيين من بلدان شتى، يدور فيها الحديث لساعات عن الاتجاهات الحديثة في المسرح، أو تحليل لمعرض رسم، أو موضوعة تاريخية/ فلسفية، وتخيل عزيزي القارئ متعة المجالسة مع شاعر تشيلي المشهور بابلو نيرودا الذي كان سفيراً لامعاً لبلاده في باريس، أو مع الشاعر العربي عمر أبو ريشة سفير سورية في الهند، وأدباء وكتاب ومثقفين. ودبلوماسي يحمل مثل هذه الصفات يمكن القول أنه قد خطا خطوته الأولى في نجاحه السياسي وخدمة بلاده، وبالعكس فإن دبلوماسياً يعتقد أن بيكاسو كان أشهر مؤرخاً سويدياً، وأن بابلو نيرودا، هو رسام إيطالي معروف، أو أن بتهوفن كان قائداً عسكرياً بريطانياً، وأبن خلدون هو من اشهر الرسامين، يمكننا تصور مدى صعوبة استجابة زملائه من الوسط الدبلوماسي الاستماع إلى آرائه السياسية التي قد تضم بعضاً من هذه السذاجة.

والدبلوماسيين في حياتهم الخاصة، وأجد من الضروري التنويه هنا، أن ليس للدبلوماسي حياة خاصة بالمعنى المألوف لغير الدبلوماسيين، فالحياة الخارجية للدبلوماسي محكومة بتقاليدها وأصولها، فالدعوات والحفلات هي عمل خارج مكان العمل، إذ يحضر الدبلوماسي حفلة ما بواجب، لكن دون جدول أعمال، قد يفاتح زميلاً دبلوماسياً له بأمر ما، ولكن الحفلة بحد ذاتها، هي مناسبة للالتقاء دون جدول أعمال رسمي، لا يتحدثون في السياسة فقط، بل في موضوعات عامة، ثقافية وفكرية. والقضايا ذات الاهتمام العام، وهنا تلعب ثقافة الدبلوماسي دوراً هاماً كموظف سياسي وكإنسان اجتماعي راق وبالتالي كزميل محاور، وصادفت خلال عملي سفيراً كوبياً كان عازفاً رائعاً للغيتار، يتسابق الدبلوماسيون على صحبتة، ودبلوماسياً عراقياً كان يعزف على الجلو والكونتر باص، يعزف أرقة السيمفونيات وموسيقى السولو، كان نجم الحفلات الدبلوماسية ومحط إعجابها.

وكثيرون من الناس وللأسف بعض الدبلوماسيين يعتقدون خطأ، أن الأناقة في الملبس هي مسألة في غاية الضرورة. وحقيقة الأمر، أن الدبلوماسي هو ممثل سياسي وليس ممثلاً سينمائياً. والبساطة في الملبس(مع مراعاة الأصول الرسمية) تدل على ثقة الشخص بنفسه وبعمق ذاته.

كما يعتقد بعض الدبلوماسيين أن دعوة عشاء فاخرة لا بد أن تكون بالدرجة الأولى سخية وباهضة التكاليف، لتدل على البذخ والعظمة. وفي الواقع أن هذه الفكرة خاطئة تماماً، ولا تدل إلا على أبسط المعاني. ومن الأنسب للدبلوماسي أن يكون محدثاً لبقاً في موضوعات الثقافة العامة(إلى جانب الاتجاهات الرئيسية لعمله بالطبع)، على أن يعرض خمسة أصناف من الطعام، ومن الأفضل أن تكون مائدة الطعام أنيقة تنم عن ذوق وتحضرَ على أن تكون وفيرة ودسامة الطعام. فوفرة الطعام لا تدل على شيء، فالإسراف هي خصلة غير محمودة في كثير من المجتمعات المتحضرة.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي شارل ثاير بهذا الصدد، أنه في الوقت الذي كنا نخاطب فيه بطون المدعوين بدعوات فخمة، كان الدبلوماسيون الفرنسيون بذكائهم وثقافتهم الواسعة يخاطبون عقولهم ويكسبون احترام المدعوين أكثر من القائمين بالدعوة.(6)

ونلاحظ اليوم أيضاً، أن دبلوماسيي البلدان النامية هم أكثر الدبلوماسيين أناقة في الملبس، ويمتطون السيارات الأكثر فخامة، بينما يكتفي زملائهم من دبلوماسيو البلدان الصناعية المتقدمة بملابس عادية وبسيارات أقل فخامة، مع أن رواتبهم أعلى بكثير من رواتب دبلوماسيو البلدان النامية.

وبرأي فإن من الأفضل مئة مرة أن يهتم الدبلوماسي بمعرفة الاتجاهات المعاصرة للمسرح العالمي والفن والأدب، على أن يهتم فوق العادة بملبسه، كما عندي أن دبلوماسياً يقيم لعدة سنوات في عاصمة لا يعرف عدد مسارحها ومتاحفها هو موظف دبلوماسي فاشل، ذلك أن الاهتمامات العامة هي واحدة لا تتجزأ، وليست خاطئة الأمثال التي تقول: ” قل لي كم مسرح في هذا البلد، سأقول لك من أنت، أو قل لي ماذا تقرأ أقول لك من أنت “.

والدبلوماسي ذكي، سريع البديهية، يحسن اختيار ألفاضه وكلماته، لكن دون تكلف، كما عليه أن يكون في غاية الحذر من أطلاق التصريحات أو التلميحات حتى في حياته الخاصة (إلا إذا كان ذلك التصريح والتلميح مقصوداً)، وليس للدبلوماسي سوى مساحة ضيقة جداً من أفكاره السياسية الشخصية. فقد تكون للدبلوماسي آراء شخصية حول أحداث سياسية معينة، قد تختلف جزئياً أو كلياً مع موقف بلاده الرسمي، إلا أنه هنا معني بالدرجة الأولى بموقف بلاده الرسمي وليس بموقفه أو رأيه الشخصي، والمواقف الرسمية ليست معدة لإطلاق التصريحات بدون مناسبة ومبرر هنا وهناك، وحيث لا فائدة ترجى من ذلك. وليس أكثر من الدبلوماسي من هو مدعو إلى التقليل من الأحاديث في غير أوانها ومكانها، بل أن الكثير من الأزمات الدولية نجمت أو بدأت من تصريح لا طائل له، صيغ بعبارات غير واضحة وأسيء فهمها.

في العمل الدبلوماسي لا بد من حذف بعض المصطلحات: لم أكن أتصور، نسيت،  قيل، فهذه جميعها وغيرها تدل على عدم التأكد واليقين، وهو ما لا يمكن احتماله في بعض المواقف، وحينئذ لا بد أن يكون الدبلوماسي متأكداً مما يقول، وكلمة تقريباً يجب أن تعني 16 أو 17 وليس الفرق بالأضعاف ..! وقد قيل أن الكثير من الكوارث بدأت بقول أحدهم : أفترض ..!

وتحتم على الدبلوماسي مهنته، أن لا يكون سريع الانفعال والغضب. فالإنسان يفعل عادة أو يطلق من العبارات ما يفعله عادة في حالة الهدوء والاتزان، وبذلك فقد يكشف موقفه التفاوضي من مسألة معينة، أو يكشف سقف موقف كان من الأجدر الاحتفاظ به لنفسه، ولكنه بغضبه أتاح للطرف المقابل أن يحقق تقدماً دون مقابل، إذ لا يمكن كسب أي موقف تأسيساً على حالة الغضب والانفعال، وردود الأفعال السريعة وتذكر الحكمة السياسية وأتخذها قاعدة: لا تقم بالخطوة الأولى من حالة الغضب.

وينطبق ذات الحال على تناول المشروبات الكحولية، فهو منظر يدعو للرثاء رؤية الدبلوماسي الرزين مخموراً ثملاً، قد أفلت لسانه وتثاقلت قدماه، في منظر يدعو للعطف والشفقة أكثر مما يدعو للاحترام والتقدير.

وليس للدبلوماسي أن ييأس من تحقيق النجاح، أو تقدم حاسم بصدد قضية يتباحث من أجلها. فالصبر وطول الأناة صفة هامة في مباحثات الدبلوماسي، وعليه أن يدرك أن الأشخاص الذين يتباحث معهم هم دبلوماسيين مدربين، أو رجال دولة ليس من السهولة انتزاع المكتسبات منهم دون مجهود كبير. لذلك فإن بعض المؤرخين والعلماء يعرفون الدبلوماسية بأنه ” فن المفاوضة”، وبهذا المعنى فإن الدبلوماسي يضع بعض الوسائل والحجج لاستخدامها في التوصل إلى هدفه النهائي، والذي قد لا يكون من الضرورة طرحه دفعة واحدة.

وتتغير تفاصيل الموقف ومفرداته بعد كل جلسة مفاوضات، أو في خلال الجلسة الواحدة، وعلى الدبلوماسي في هذه الحالة أن يكون صافي الذهن خال من التوترات والتشنجات، وبعيداً عن التعرض لانتكاسات نفسية إذا قوبل بموقف حازم من الطرف المقابل، بل متابعة عرض موقفه بوضوح أكبر ويزيد في إيضاحه، ويستنبط معطيات جديدة تفرزها المحادثات.

وبطبيعة الحال فإن كامل شخصية الدبلوماسي بما لها من سحر وجاذبية ومتانة البناء الخلقي تشع من كلماته ونبرات صوته، ويلعب استيعابه السريع لمغزى الحوارات وأبعادها دوراً حاسماً في المفاوضات.

ولا ينهي الدبلوماسي في حالة الفشل محادثاته بقطع الطريق على احتمالات عودة المحادثات، بل يترك دوماً مجالاً وفرصاً لظروف داخلية أو خارجية على مادة المفاوضات قد تؤثر بهذا القدر أو ذاك، فتعدل من الموقف التفاوضي بما يتيح مجالاً للعودة إلى طاولة المفاوضات مرة أخرى.

وأجد من المناسب أن أنقل هنا مقطعاً من مذكرات الجنرال ديغول يصف فيها مفاوضاته مع وزير الدبلوماسية السوفيتية خلال الحرب العالمية الثانية، مولوتوف، ففيها خير وصف للدبلوماسي الممتاز، ومن منطلق حيادي:” وقد وجدت في المسيو مولوتوف في تلك المقابلة وفي كل مقابلة بعدها، الرجل الذي يصلح بدنياً وعقلياً، بل وفي كل شيء تمام الصلاح للمنصب الذي أوكل إليه. وراح في لهجة تحمل طابع الجد كل الجد، وتخلو من الإيماءات والإشارات، وبكياسة مدروسة، وإن تميزت بشيء من الجمود. وفي نظرة عميقة، عمق النفس التي تنطلق منها، يؤكد لي أنه يود أن يتحدث بصراحة، وأن يستمع إلى كل ما أقوله، ولم يسمح بأن يفوته شيء، حتى ولو أراد تلقائياً أن يفوته، ولم يكن بوسع شيء أن يحركه أو أن يحمله على الضحك أو الهياج. ويحس المرء وهو يتحدث إليه أنه واسع الإطلاع على جميع الحقائق المتعلقة بأي قضية تثار، وأنه يسجل في قرارة نفسه وبمنتهى الدقة الخالية من كل خطأ، العناصر الجديدة التي تضيفها المناقشات إلى الحقائق التي تلك التي يعرفها، وأن يصوغ الموقف الذي يود وقوفه بمنتهى الدقة وأنه لا يود الخروج عما سبق أن أعد أو تقرر في مكان آخر “. (7)

وجدير بالملاحظة، مع تقديرنا أن مفاوضاً وسياسياً ورجل دولة مثل الرئيس ديغول، المعروف بكونه مفاوضاً صعب المراس، ومن العسير حمله على التراجع، ملاحظة إعجابه الشديد بكفاءة الدبلوماسي الممتاز، وفي ذلك دليل على أن سحر شخصية الدبلوماسي تلعب دورها المؤثر حتى في المفاوضات الحاسمة.

وللدبلوماسي أن يكون مرحاً، وفي أن يعبر عن مرحه، فذلك يعبر بشكل من الأشكال عن رضاه بسير العمل أو العلاقات. فالدبلوماسي لن يحقق وجوداً ممتعاً إذا كان معبساً، لكن مرحه ينبغي أن لا يعني الاستخفاف في مناسبات تستدعي أبداء الاهتمام الجدي، أو أن يؤدي مرحه أو بالعكس غطرسته واستعلائه، إيذاء مشاعر الآخرين، فعلى الدبلوماسي أن يدرك أن مرحه أو رزانته وجديته لها معناها السياسي، لا سيما في ساعات العمل واللقآت الرسمية.

وتتطلب بعض المواقف درجات عالية من الاهتمام والجدية، بل وشجاعة فائقة من الدبلوماسي في استخدامه لصلاحياته الممنوحة له من قبل حكومة بلاده، ولكن عليه أن يدرك أبعاد مسؤولياته بدقة، وهو إنما يفعل ذلك لمصلحة شعبه ووطنه، وأن يضع ذلك نصب عينيه دونما لحظة واحدة من الإغفال، وقد يكلف أحياناً بمهمات خطيرة تضعه في موقف صعب ومحرج أمام دبلوماسية الدولة المضيفة، وقد يتضمن هذا الإحراج ردود فعل قاسية، وفي مثل هذه الحالات، يتحول الدبلوماسي إلى شخصية معنوية بالكامل، وليس له موقف شخصي أو أخلاقيات أو كرامة شخصية، فقد يطلب إلى دبلوماسي أن يشجب وبعبارات قوية موقف الدولة المضيفة من قضية معينة، أو يرفض إجراءاً معيناً، وصولاً إلى تقديم إنذار أو تهديد بقطع العلاقات أو تعليقها، وهذه مهمات محرجة لا تنطوي على مشاعر الود والصداقة التي يحرص الدبلوماسيون (وهو أمر وتقليدي وشائع) على تعميقها بين بلاده والدولة المضيفة، بيد الإخلاص والأمانة في أداء الواجب يستدعي أن ينفذ الدبلوماسي هذه المهمة وتعليمات حكومته بحذافيرها وبطاعة الجندي في القوات المسلحة.

وقد يكون ليس من الخطأ الاعتبار، أن الدبلوماسي هو في واقع الأمر جندي، ولكنه يرتدي الملابس المدنية، ويمارس تكتيكات تعلمها وتدرب عليها، تفضي في نهاية الأمر إلى أن يكسب لمصلحة بلاده، وهي الأهم والأسمى.

ومن أهم ما ينبغي على الدبلوماسي الابتعاد عنه، هو أبداء الحماس أو العاطفة أو بالعكس، الكراهية الشديدة، فتلك هي أحكام هوى لا تضم إلا جزءاً ضئيلاً من الأحكام والقرارات المبنية على حسابات عقلية ومنطقية دقيقة.

وعلى الدبلوماسي مصارحة بلاده بالحقائق دون تشويه أو تزويق، فأحكام الهوى آفة خطيرة تصيب كثير من الدبلوماسيين فيضمن تقاريره وآرائه ما يعتقد أنه يسعد المركز وصناع القرار في قيادة بلاده السياسية، وفي واقع الحال فإنه يزودها بمعطيات خاطئة أو مبالغ بها غير دقيقة، ستؤدي لاحقاً إلى قرارات خاطئة، أو ضعيفة، وبالتالي فإنه يساهم في خلق أزمة قد يغدو من الصعب حتى لذلك الدبلوماسي تصليحها، وهناك حكمة قديمة في العمل السياسي: إذا أشتبه عليك أمران، فأنظر أقريهما إلى هواك فأجتنبه.

وأخيراً، فإننا إذ عرضنا أن على الدبلوماسي أن يكون لطيفاً ودوداً، غاية في التهذيب، فإن المزايا والصفات إنما هي لمصلحة العمل. ويراعي الدبلوماسي أيضاً في اختيار مسكنه وأثاثه، الانطباعات المحتملة التي سيكونها زملاؤه الدبلوماسيون، ترى هل يجعل نمط تأثيث المكتب والسكن وفق الأنماط الثقافية لبلاده ومجتمعه، أم وفق أحدث الطرز في ثقافة الأثاث، وبكلمة أخرى فإن مساحة الحياة الشخصية البحتة للدبلوماسي ضيقة، بل وضيقة جداً في بعض البلدان بحكم الظروف الاجتماعية السائدة التي تجعل من لقآت واجتماعات الدبلوماسيين أمراً يومياً أو شبه يومي.

ولا يفوتنا أن نذكر شيئاً عن زوجة الدبلوماسي فلها دوراً غير بسيط في إطار علاقات الدبلوماسي الاجتماعية، فلدماثة خلقها وحسن تصرفها ولطفها واللغات التي تحسنها وثقافتها العامة وحسن تصرفها ما يزيد من فرص نجاح الدبلوماسي من خلال توسيع دائرة علاقاته وكسب الأصدقاء. أو بالعكس فإن أخطاء بسيطة وتافهة غير مقصودة قد تسبب كارثة على مستقبل الدبلوماسي. فقد علمت مرة أن زوجة دبلوماسي من الدرجات الصغرى كان معتمداً في أحدى البلدان غير الصديقة لبلده، اعتقدت أنه ليس من المسيء بيع القناني الفارغة لمشتري قناني متجول، فقامت بذلك، وتصادف وجود صحفي ومصور التقطا صوراً لزوجة الدبلوماسي وهي تبيع القناني الفارغة، ونشرت الصور في الصحف مع تعليقات سخيفة غير مستحبة، نقل على أثرها الدبلوماسي إلى بلده.

هوامش الفصل الثالث

 (1) الدباغ، د. ضرغام : قضايا الأمن القومي والقرار السياسي، ص 77 بغداد/1986

(2) كرم، يوسف        : تاريخ الفلسفة الحديث، ص301 ، القاهرة 1957

(3) نيكلسون، هارولد : الدبلوماسية عبر العصور، ص 89 بيروت، بلا تاريخ

(4) صعب، د. حسن : الدبلوماسي العربي، ص125 ، بيروت 1973

(5) صعب، د. حسن : الدبلوماسي العربي،  ص135 ، بيروت 1973

(6) ثاير، شارل        : الدبلوماسي، ص279، بيروت 1960

(7) ديغول، شارل  : مذكرات الجنرال شارل ديغول عن الحرب العالمية الثانية، ص315ـ316، بيروت 1964

رابعاً : الموظفون : دبلوماسيون، إداريون، ملحقون

ونقصد بالموظفين، كادر  السفارة ممن تعينوا من عاصمة البلاد، وعينوا للعمل على ملاك البعثة : سفارة، قنصلية عامة، ممثلية دبلوماسية، بعثة حماية مصالح لدى الدولة س، والعمل فيه هو كالعمل على أرض الوطن، ولكن هذا الجزء موجود على أرض دولة أجنبية. وهذه مهمة يجب أن تدرس بعناية شديدة، سندرس هنا الجانب الأمني بدقة قدر الإمكان (قد تكون هناك تفاصيل تصدرها الدوائر الوطنية). وهذا الكادر ينقسم إلى فئات، ولكل فئة خصائصها وامتيازاته.

وكل موظف معين من العاصمة، يكون قد أجتاز اختبارات وشروط التعين في المراكز الحساسة (كوزارة الخارجية، والعمل الخارجي مثلاً)، إذ ربما  ليس كافة الافراد والموظفين محصنون ويصلحون للعمل الخارجي، من حيث المزايا والكفاءة الوظيفية والشخصية.

 كادر وزارة الخارجية، وهم على قسمين: آ / الكادر الدبلوماسي.  ب / الكادر الإداري .

آ . الكادر الدبلوماسي.

ويتقدم هذا الكادر : السفير المفوض مطلق الصلاحية، السفير، الوزير المفوض، المستشار، السكرتير الأول، السكرتير الثاني، السكرتير الثالث، الملحق (وهناك دول تعين ملحق أول، ملحق ثاني، ملحق ثالث).

والكادر الدبلوماسي هو من يقود العمل في السفارة / البعثة سياسياً وإدارياً. مهما كانت مرتبته، وبالطبع يراعي المركز قدر الإمكان أن يكون الموظف الدبلوماسي الشخص الثاني بدرجة متقدمة (وزير مفوض، مستشار، سكرتير أول) الذي يحل محل السفير في أي طارئ، صحي أو إداري، الذي يحمل مرتبة : القائم بالاعمال المؤقت، حيث يحل الشخص الثاني تلقائياً محل رئيس البعثة. ويستحق الأشارة أن رتبة قائم بالاعمال، يعين من قبل المركز في البعثة/ السفارة، في الدولة س في تحديد مستوى العلاقة الدبلوماسية بين البلدين.

ب. الكادر الإداري.

وهو طاقم من موظفين وزارة الخارجية، ممن يعملون كأخصائيين في الشؤون الإدارية، قد يمنحهم المركز الصفة الدبلوماسية وجوازات سفر دبلوماسية لتسهيل تنقلهم وحمايتهم. ولكنهم داخل السفارة موظفين إداريين بمراتب: ملاحظ، مدقق، رئيس ملاحظين، معاون محاسب، محاسب، مدير حسابات، إداري، مدير إدارة …ألخ . مختصون بالشؤون الإدارية. كموظف إدارة، محاسب، قنصل.

ويعمل في البعثة/ السفارة، موظفوا الملحقيات الفنية، التي مر ذكرها وتخصصاتها، ويصبحون من جملة كادر السفارة. بالطبع لا يحملون الصفة الدبلوماسية، وإن منحتهم الإدارات في دولهم جوازات سفر دبلوماسية لتسهيل تنقلاتهم وحمايتهم بالامتيازات الدبلوماسية، ورغم كونهم موفدون من وزارات هي غير وزارة الخارجية، إلا أنهم وحين مباشرتهم العمل في البعثة / السفارة، يصبحون بأمرة قائد السفارة الدبلوماسي والإداري، مع استلامهم التوجيهات والتعليمات وتنفيذها من قبل وزاراتهم.  

خامساً : المستخدمون المحليون :  آ /  مواطنون،   ب/  أجانب

المستخدمون المحليون: وتحت هذا العنوان تندرج فئة من العاملين في البعثات الدبلوماسية، وهم برما كما يفهم من العنوان، أن البعثة احتاجت لخدماتهم بوصفهم مقيمين في هذا البلد، ولهم معرفة ودراية بها، وقد يصلحون للقيام بمهمات خدمية محددة، بدون عقود توظيف، لذلك فإن تعينهم يتم بصلاحية من رئيس البعثة، وكذلك عزلهم (إنهاء خدمتهم) دون أن يرتب على الدولة حقوق معينة، عدا راتب شهري يتناسب مع خدماتهم ومقدرتهم.

والمستخدمون المحليون على أصناف عديدة أهمها:

آ / المستخدمون المحليون من مواطني دولتنا: وهؤلاء على الأرجح، كانوا طلبة، لأم يتوفقوا في دراستهم، وقد يكونوا قد نجحوا بالحصول على شهادة، ومارسوا العمل في الدولة الأجنبية، وتزوجوا وأقاموا أسرهم، ودرجة أرتباطهم بوطنهم الأم يتفاوت بين شخص وآخر. ولكنهم بصفة عامة قد قرروا البقاء في البلد الأجنبي بسبب التوطين واكتساب جنسية ذلك البلد، وأصبحوا مواطنين فيه. يضاف لذلك الاندماج، اللغوي والثقافي، وصعوبة إعادة الاستزراع واستعادة القدرة على تفهم واستيعاب التغيرات التي جرت في الوطن خلال فترة اغترابهم الطويلة. والمستخدمون المحليون من هذه الفئة، يعملون كسائق سيارة، أو كمترجم،  أو ربما القيام بالخدمات داخل البعثة كطباخ مثلاً.

وقد تلجأ البعثة إلى استخدام مواطنون من بلدان شقيقة، أو صديقة، ربما سينظر لهم نظرة خاصة، ولكن على العين الأمنية أن تحسب حساب كل فقرة، يعين موضوعية ولا دخل للحسابات العاطفية المسبقة، المهم عندك هو الآلة التي تقيس بها …!

ب /المستخدمون المحليون الأجانب : قد تضطر البعثة للاستعانة بالخدمة الأجنبية، فتلجأ إلى اختيار موظفين، أو موظفات للعمل كسائقي السيارات، أو كحدمي في البعثة وخاصة إذا كانت خاصة وواسعة الارجاء، أو للعمل كسكرتيرات، بحكم الضرورة لأجادتهن عدد من اللغات، وأتقانهن عمل السكرتيرات كالضرب على الآلة الكاتبة والكومبيوتر، وتأمين الاتصالات بمختلف العناوين في البلاد …الخ.

من هم الأفراد المحسوبين عليك، وهم خارج العين الأمنية نسبياً، مع أهميتهم  وبعض الأحيان الخطيرة، وكمثال على ذلك الدور الذي لعبه مستخدم محلي في السفارة البريطانية في أنقرة خلال الحرب العالمية الثانية بالتجسس لصالح المانيا الهتلرية..

في سنوات الحرب العالمية الثانية، كانت السفارة البريطانية في / أنقرة، تلعب دوراً بالغ الأهمية والخطورة، لأنها كانت تعمل في بلد  يعلن الحياد رسمياً (تركيا) وهذا يتيح للحلفاء استخدام مقر السفارة كمركز اتصالات بالغ الأهمية، على خط المواصلات البرقية والجوية والبحرية بين أنقرة، نيقوسيا/ قبرص، والقاهرة / مصر.

تمكنت الاستخبارات الألمانية النشيطة، من تجنيد مستخدم محلي يحمل الجنسية الألبانية يعمل كخادم شخصي للسفير البريطاني، مقابل أموال طائلة، وتمكن هذا الخادم من القيام بأعمال خطيرة مثلت ثغرة خطيرة للأمن الحلفاء والأنكليز خاصة، بأستنساخ كمية كبيرة جداً من الوثائق والبرقيات ونقلها بدقة للألمان، وواصل عمله دون أن يكتشف إلى نهاية الحرب تقريباً. وفي ملحق الكتاب تقرير عن عملية التجسس التي تعد الأشهر في العالم وفيها دروس وعبر كثيرة.

وقضية مماثلة حدثت في طوكيو حين عمل أحد صحفي ألماني، (يعتبره بعض الخبراءـ لمن أعظم من من عمل في تاريخ الجاسوسية،  الدكتور ريشارد زورغه (Richard Sorge) حيث كان صحفياً معتمداً، وبطبيعة الحال مقرباً من السفارة الألمانية في طوكيو، ومن المصادر الرئيسية للأخبار فيها، ولكنه لأسباب عقائدية، عمل لصالح الاتحاد السوفيتي، ولكن أمره كشف وأعدم في طوكيو.

والجاسوس زورغة وشيشرون، من أخطر من عمل في التجسس، وبواعثهما مختلف: فشيشرون كان باعثه الأول والأخير هو المال بسبب ظروفه الاقتصادية السيئة، أما زورغة فكان على العكس تماماً، فكان باعثة الأول والأخير عقائدي، يريد خدمة الاتحاد السوفيتي. 

وتمكنا (كلا الجاسوسان) من إمداد مصادرهم بالمعلومات التي لا تقدر بثمن، وكلاهما كان يعملان أو مقربان من العمل الدبلوماسي. ولكن ومن سوء الفرص، أن مصادرهما(زورغة بالنسبة للسوفيات) و(شيشرون بالنسبة للألمان) لم يكونوا موضع ثقة لمشغليهم، لذلك لم يستفيدوا لا السوفيات ولا الألمان كثيراً من المعلومات الثمينة التي كانت ترسل لهم.

وبصرف النظر عن بواعث الانخراط بالعمل التجسسي، فإن المستخدمون والخدم، هم أفضل من سواهم من الموظفين، للقيام بالاختراق. وعلى المولجين بإعداد خطط الأمن عدم استبعاد أي أحتمال، وقد تعرفنا على حالات غريبة، عمل فيها المستخدمون في السفارة (س) في بلد عربي لصالح (ص) وهو أمر يبدو مستبعد نظرياً، ولكن هذا الاستبعاد هو نفسه السبب الرئيسي لتجنيد الجاسوس.

وحين يصبح وضع خطة أمن البعثة تؤخذ هذه الملاحظات في الحسبان، ودراسة أبعاد جميع الخيارات والاحتمالات، مع الاعتبار أن أمن البعثة هم الهدف الأهم، وإلا فستعمل البعثة في ظروف وكأنها في العراء والهواء الطلق. وليدرك جميع افراد البعثة وعائلاتهم أن الانظار مصوبة عليهم، على أعمالهم، وحتى حياتهم الخاصة. وطالما هو موجود في خارج الوطن فهو ليس في إجازة واستجمام، بل في مهمة وعمل، وهناك من يحاول أن يحبط عملهم ونشاطهم.

سادساً : الافراد  آ / زوجاتهم  ب/ أولادهم ، ج / خدمهم.

في إطار  الجرد الأمني، للبعثة، يندرج في عداد أمن الأفراد، زوجات الموظفين العاملين في البعثة، وأولادهم، وخدمهم (إن وجدوا) وهؤلاء هم في الواقع بعيدين عن العين، ولكنهم قريبين من الموظفين (دبلوماسيين وإداريين) ومن الجائز لموظف في البعثة، يتناسى، أو يهمل ظروف وشروط عمله، فيتفوه بما يعتبر من غير الجائز التفوه به (تصريحاً أو تلميحاً)، ربما أن الموظف لا يعتبر ذلك سراً من الأسرار، ولكنها نقطة دالة وتقود إلى نقاط أخرى.

فعلى سبيل المثال  يعتبر مرض رئيس البعثة العابر أو الدائمي، والموقف الشخصي / العائلي  لرئيس البعثة، أو سائر الموظفين من القضايا التي لا يحبذ الحديث عنها. فإذا وجد شخص يتسقط تلك المعلومات التي تبدو تافهة وغير مهمة، لكن بتراكمها وتجمعها بوسع الجهة التي تريد اختراق بعثتنا بصورة واضحة مهمة عن الوضع العائلي والشخصي لكافة الموظفين دبلوماسيين وإداريين.

والأمر يزداد سوءاً إذا كانت أخبار التنقلات الحاصلة أو المقبلة، متداولة في بيوت الموظفين، والسبب هو أن الدبلوماسي (لهذا السبب أو ذاك) لا يستطيع حفظ لسانه، ويعتقد أن أخبار العمل يمكن تداولها بين أفراد العائلة ويسمعها الصغير والكبير، وربما الخدم. وبعد تجارب غديدة، تبين أن لسان الدبلوماسي قد أفلت وتحدث بشؤون العمل مهما كانت بسيطة، فالمعلومات البسيطة بتجميعها وربطها ببعض، تتشكل صورة يرغبها من يريد أن يخترق بعثتك.

نصل لحصيلة مفادها، أن بيت الدبلوماسي أو موظف البعثة لا ينبغي أن يكون ثغرة في الحصانة الأمنية للبعثة. والموظف الأمني للسفارة يجب أن يكون على بينة، حجم عائلة كل موظف وأولادهم : أعمارهم دراستهم، الخادمة في البيت ، ويستحسن عدم وجود خادمة في بيوت الموظفين(وخاصة الأجنبية)، احترازا من احتمال أن يتسبب في خرق أمني.

وأخيراً، فإننا إذ عرضنا أن على الدبلوماسي أن يكون لطيفاً ودوداً، غاية في التهذيب، فإن المزايا والصفات إنما هي لمصلحة العمل. ويراعي الدبلوماسي أيضاً في اختيار مسكنه وأثاثه، الانطباعات المحتملة التي سيكونها زملاؤه الدبلوماسيون، ترى هل يجعل نمط تأثيث المكتب والسكن وفق الأنماط الثقافية لبلاده ومجتمعه، أم وفق أحدث الطرز في ثقافة الأثاث، وبكلمة أخرى فإن مساحة الحياة الشخصية البحتة للدبلوماسي ضيقة، بل وضيقة جداً في بعض البلدان بحكم الظروف الاجتماعية السائدة التي تجعل من لقآءات واجتماعات الدبلوماسيين أمراً يومياً أو شبه يومي.

ولا يفوتنا أن نذكر شيئاً عن زوجة الدبلوماسي فلها دوراً غير بسيط في إطار علاقات الدبلوماسي الاجتماعية، فلدماثة خلقها وحسن تصرفها ولطفها واللغات التي تحسنها وثقافتها العامة وحسن تصرفها ما يزيد من فرص نجاح الدبلوماسي من خلال توسيع دائرة علاقاته وكسب الأصدقاء. أو بالعكس فإن أخطاء بسيطة وتافهة غير مقصودة قد تسبب كارثة على مستقبل الدبلوماسي. فقد علمت مرة أن زوجة دبلوماسي من الدرجات الصغرى كان معتمداً في أحدى البلدان غير الصديقة لبلده، اعتقدت أنه ليس من المسيء بيع القناني الفارغة لمشتري قناني متجول، فقامت بذلك، وتصادف وجود صحفي ومصور التقطا صوراً لزوجة الدبلوماسي وهي تبيع القناني الفارغة، ونشرت الصور في الصحف مع تعليقات سخيفة غير مستحبة، نقل على أثرها الدبلوماسي إلى بلده.

سابعاً . الملحقيات الفنية : العسكرية، الثقافية، التجارية، الاعلامي، العمالي، الصحي.

كادر الملحقيات : تضم البعثة على الأرجح عددا من الملحقيات، وهم موظفون تابعون إلى وزارتهم التي ابتعثتهم، وإن كانوا يحملون جوازات سفر دبلوماسية، ويتمتعون بالحصانة الدبلوماسية. الملحقيات الفنية تابعة لجهة تنفيذ ما مطلوب منها، لوزارتهم التي ينتسبون إليها، وهم بصدد تنفيذ واجبات تعينها وزاراتهم، إلا أنهم بوجودهم في خدمة خارجية، يجب أن يكونوا بإمرة الجهة الوطنية الأعلى والاشمل وهي السفارة أو القنصلية العامة.

وبالرغم من أن رئيس البعثة لا علاقة له فنية بعمل الملحقيات، إلا أن نجاح أو فشل الملحقية في النتيجة النهائية سيصب في مصلحة البلاد، وحجم السفارة السياسي والمعنوي سيكون مفيداً للملحقين الفنيين. ونجاح أي ملحقية سيعزز بالمقابل نجاح البعثة بأجمعها.

وقد تزيد عدد الملحقيات أو تقل بحسب علاقة الدولة مع الدولة المضيفة. ولكنها على الأرجح تضم الملحقيات التالية وحسب أرجحيتها:

الملحقية العسكرية، موفدة من وزارة الدفاع

الملحقية التجارية، موفدة من وزارة التجارة أو الاقتصاد

الملحقية الثقافية، موفدةً من وزارة التعليم العالي

الملحقية الصحفية، موفدة من وزارة الإعلام أو الثقافة

الملحقية العمالية، موفدة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية

الملحقية الصحية، موفدة من وزارة الصحة.. ….الخ.

ومن الممكن إضافة ملحقيات أو سحبها، بحسب الحاجة لها. وهناك من الدول من يزيد عدد ملحقيها عن هذا العدد، فهناك من يؤسس ملحقية بحرية، أو جوية تابعة للملحق العسكري، أو ملحقية لوزارة النقل، وبعبارة أخرى كلما استدعت الحاجة لذلك، ولكن من البديهي أن كثرة الملحقيات بين دولتين، أو تأسيس قنصليات عامة في المدن والمقاطعات المهمة، هي علامة طيبة وتدل على علاقات ممتازة.

الملحق العسكري : والملحقيات الموجود في أغلب السفارات هي وحسب تسلسلها:

الملحقية العسكرية : وهي دائرة تابعة لوزارة الدفاع، وحجم كوادها تحدده وزارة الدفاع بحسب حجم العمل والتعاون بين البلاد ودوائر الدفاع في الدولة المضيفة. ويرأس الملحقية ضابط مبعوث من قبل وزارة الدفاع يحمل جواز سفر دبلوماسي ويتمتع بالحصانة، و لا يقدم الملحق العسكري قبل الكادر الدبلوماسي في القائمة الدبلوماسية مهما علت رتبته، إلا إذا كانت رتبته أعلى من رتبة لواء (فريق وما فوق) فيكون أقدم من الدبلوماسي برتبة مستشار، أما إذا كان الشخص الدبلوماسي الثاني برتبة وزير مفوض، فلا يتقدمه أي شخص في القائمة الدبلوماسية. لذلك لا ترسل الدول حتى الكبرى ضباطاً كملحقين عسكريين أعلى من رتبة لواء، وإذا حدث مثل ذلك لأسباب قاهرة، فيكون الشخص الثاني دبلوماسي برتبة وزير مفوض تلافياً لأي إحراج قد يحدث.

والملحق العسكري يدير مكتبه الذي يتألف عادة من عدة معاونين وعناصر إدارية بحسب العلاقة مع الدولة المضيفة، وكثافة العمل، وهدفه هو تلبية متطلبات وتوجيهات وزارة الدفاع.

الملحق التجاري أو الاقتصادي: الملحقية التجارية : وهذه الملحقية تابعة لوزارة التجارة في الوطنويرأسه عادة موظف تابع لوزارة التجارة أو الاقتصادويساعده عدد من الموظفين تتركز واجباته:

  1. متابعة وتنفيذ الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
  2. الإشراف التام على حركة التجارة بين البلدين، استيراداً وتصديراً.
  3. مراقبة الأوضاع الاقتصادية في البلد المضيف وتأشير التطورات وفحص إمكانيات العمل المشترك والرصد الدقيق لأبرز منتجات البلد المضيف في المجالات المختلفة، ورفع توصيات إلى وزارته بصدد إمكانات العمل والتحرك التجاري والاقتصادي ومقترحاته العملية.
  4. السعي لترويج الخطة التصديرية لبلاده في البلد المضيف من السلع والخدمات.
  5. متابعة الحركة التجارية والاقتصادية للبلد المضيف مع البلدان الأخرى والأبعاد السياسية لهذه التحركات.
  6. تنفيذ أية مهمات تعهدها إليه وزارته، أو توجيهات رئيس البعثة في إطار المجهود الدبلوماسي بجانبه الاقتصادي للبعثة.

الملحق الثقافي : ويرأس هذا المكتب، أحد أكفاء موظفي وزارة التعليم العالي ويستحسن من حملة الدرجات الأكاديمية الرفيعة، ليكون ذو خبرة في تقدير للشؤون الثقافية والعلمية حق تقديرها. وأهم ميادين عمله:

  1. متابعة شؤون البحث العلمي والجامعي في البلد المضيف.
  2. الإشراف على تنفيذ الاتفاقيات الثقافية بين البلدين.
  3. متابعة شؤون الطلبة الموفدين للدراسات في شتى مراحلها.
  4. متابعة الاتفاقيات المختصة باستقبال وإقامة المعارض والحفلات الفنية والموسيقية والشخصيات العلمية والأكاديمية في إطار تبادل العلماء وإلقاء المحاضرات.
  5. متابعة الحركة الثقافية والفنية بجوانبها المختلفة ورفع الدراسات والأبحاث عنها لوزارته أو للوزارات المعنية.
  6. إقامة الصلات والعلاقات مع أبرز الشخصيات الفكرية والثقافية والفنية واستطلاع أبعاد شتى الاتجاهات في البلاد وتأثيرها على الرأي العام ومدى علاقة ذلك بالاتجاهات السياسية للبلد المضيف.
  7. متابعة فعاليات وأنشطة ثقافية للدول الأخرى لا سيما تلك التي تهم بلاده، مثل فعاليات دولة مجاورة لبلاده في البلد المضيف، أو دولة معادية، أو رصد ظاهرة تستحق الرصد والدراسة.
  8. العمل بتنسيق وتعاون مع السفارة بما يخدم أغراض البعثة.

مكتب الملحق الصحفي : ويرأس هذا المجال أحد موظفي وزارة الإعلام، له خبرة بالعمل الصحفي والإعلامي، ويستحسن أن يجيد لغة البلد المضيف ومن أهم واجباته.

  1. الإطلاع التفصيلي على صحافة البلد المضيف لا سيما الصحف والمجلات البارزة التي تعكس أراء قطاعات مهمة من الشعب، أو تمثل الأحزاب الكبيرة والمهمة.
  2. يركز الملحق الصحفي في جرده لاتجاهات أجهزة الإعلام المكتوبة والمسموعة (صحف، نشرات، إذاعات، تلفزيون) ما يتعلق ببلاده أو الاهتمام المكلف به من وزارته، ومن المحتمل أن تكون:
  3.  

آ/ الأنباء والتعليقات عن بلاده ودرجة اهتمام أجهزة الإعلام والصحافة(هامش، صفحة أولى، أو ثانية، خط عريض …الخ) في البلد المضيف بالتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في بلاده وتقيمها لهذه التطورات.

ب/ درجة الاهتمام التي تبديها أجهزة الإعلام في البلد المضيف لقضايا مهمة لبلاده، سياسية ثقافية، اقتصادية.. الخ.

  • قد يتمكن موظف صحفي نابه من تحليل معطيات غير مباشرة من خلال المراقبة الدقيقة للصحافة وأجهزة الإعلام، وقد يكون ذلك في قسم إعلانات مثلاً مصدر لهذه المعلومات، مثل إحصائيات تناول المشروبات الكحولية ونسب متناوليها، وإحصائيات الزواج والطلاق، ونسب المواليد الجدد، إحصائيات الانتحار..الخ التي تؤشر بمجموعها إلى مؤشرات اجتماعية وسياسية هامة.
  • الاتصال الوثيق بأبرز المؤسسات الإعلامية وإقامة العلاقات الودية معها، وتقديم المعطيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الصادقة عن بلاده قد تكون مفيدة اشد الفائدة(لا سيما إذا كانت معززة بالوثائق والمطبوعات) من تقديم فكرة مفيدة عن بلاده لتلك المؤسسات والشخصيات ويحرص أن لا يكون مبالغ بها، دحضاً لأي ادعاء أو أفكار مشوهة تقدمها جهات لها مصلحة في الإساءة إلى بلاده.
  • يعمل الملحق الصحفي بإمرة رئيس البعثة في التوجه نحو واجبات تخدم عمل البعثة وأغراضها.

وقد تتواجد ملحقية عمالية وتعني إما بتوفير أيدي عاملة للوطن، او ملحقية عمالية تعني بشؤون العمال في البلد المضيف،  وقد تؤسس دولة ملحقية طبية، ترعى شؤون الاتفاقيات الصحية، ومتابعة المرضى الموفدين من الوطن للعلاج في البلد المضيف.

وبالإضافة إلى البعثة والملحقيات، فقد تحتم الضرورة في دولة ما، أن يكون لها مكاتب فنية في أحدى بعثاتها، وغالباً ما تؤسس الدول مكاتب في دول أخرى كمكاتب خطوط الطيران المدني، مكاتب شحن في الموانئ الهامة، فروع لبنوك ومؤسسات مالية، مدارس لمختلف المراحل، معابد دينية، معارض دائمة لمنتجاتها الصناعية والزراعية أو مرفقاً ثقافياً أو فنياً… الخ.

وهناك حقيقة مؤكدة، هي أن السفير والبعثة الدبلوماسية تمثل مجموع مصالح البلاد في البلد المضيف، وكذلك كافة اتجاهات العمل والأهداف المتوخاة من مجموع هذه الأنشطة والفعاليات رغم تباعد اختصاصاتها. ولكن ذلك لا يخلو مشكلات ومتاعب إدارية. فالإشراف الكامل وبمركزية شديدة يغرق البعثة ورئيسها بتفصيلات غير هامة ستكون حتماً على حساب المهمات الرئيسية ولكنه يشبع لديها رغبة السيادة والهيمنة، كما أن إفلاتها لتعمل وفق تصوراتها وهواها دون إشراف، قد يقود إلى خطأ وإلى ما لا تحمد عقباه. وقد يحدث ذلك الخطأ بنية حسنة وبدافع الحماس للعمل مع ضعف في النضج والتبصر، بيد أن مزيجاً من هذا وذاك، قد يكون كافياً لوضع الأمر في نصابها الحقيقي. أما تلك المكاتب التي تعمل بالصفة الدبلوماسية، فعليها دون ريب أن تضع نفسها تحت تصرف السفير المطلقة، وهذا ما تعمل به معظم الدول باختلاف نظمها.

ثامناً. سياقات العمل: آ /الحقيبة الدبلوماسية. ب/ البريد السري.  ج/ البريد العادي. د/ الشفرة

مراسلات البعثة : بوسع البعثة الاتصال بالمركز وبالعكس عبر أساليب عديدة، وهذه الاساليب تتطور على مر الزمن،، لتصبح اكثر سهولة ويسر، والاتصالات إلى ما قبل سنوات قليلة كانت متخلفة قياساً إلى القدرات الحالية.. فحتى الثمانينات، كانت الاتصالات بين البعثة والمركز سلمية على الأرجح (الهاتف الأرض / الكابل)  بالإضافة إلى الفاكس. الذي كان يقدم خدمات مهمة بما في ذلك أرسال البريد المشفر، وأستلام مثلها من المركز. أما الهاتف على الرغم من توفره، إلا أن استخدامه كان لا يخلو من التعقيد، وبعد أن دشن الكابل البحري، الاتصالات الهاتفية، أصبح الامر أسهل. ولكن الاتصالات عبر الأقمار الفضائية، حلت المشكلة نهائياً، ثم حين حل استخدام الهاتف الجوال (Mobil) والبريد الالكتروني (E.- Mail) بواسطة الحواسيب / الكومبيوتر، لم تعد هناك مشكلة في عالم الاتصالات.

الحقيبة الدبلوماسية : تمثل الحقيبة الدبلوماسية شريان وعصب البعثة، فهي تنقل المراسلاتالسياسية والإدارية للسفارة مع المركز (وزارة الخارجية)  لذلك فضمان أمن الحقيبة وسلامتها هو أمر يخص كافة المسؤولين في البعثة ولا يجوز التهاون بأي شكل بفتح الحقيبة وإغلاقها وختمها بالشمع الأحمر الذي يحمل شعار الدولة.

وأمن الحقيبة موضوعة مهمة للغاية، ولابد من توفير أقصى الضمانات الأمنية للحقيبة. ويتم التأكد من سلامة أختام غلق الحقيبة قبل فتحها، وكذلك لدى غلقها، ولا يجوز مطلقاً إبقاء الحقيبة خارج بناية البعثة لأي سبب كان، ولا بد من أن يتولى شخصان نقل الحقيبة إلى المطار حيث يتم تسليمها إلى قبطان الطائرة الوطنية، (أو بحسب التعليمات وتقاليد العمل) أو تنقل إلى بعثة قريبة من الدولة المضيفة، لتنقل من هناك بالطائرة الوطنية، أو يتبع أسلوب الدبلوماسي حامل الحقيبة الدبلوماسية، لنقل الحقيبة من وإلى المراكز التي يحددها المركز، ويحمل هذا الموظف عادة جواز سفر مؤشر عليه بوضوح” جواز سفر دبلوماسي لحامل حقيبة دبلوماسية”. وباختصار فإن الحقيبة يجب أن تحضى باهتمام بالغ، وكذلك التأكيد على سلامة وأمن الحقيبة.

وهناك دول تقتني أنواع متبنة جداً من الحقائب اليدوية لنقل بريد مستعجل (خطي) والحقيبة جميلة وأنيقة المظهر الخارجي، وتشد إلي نعصم (ناقل الحقيبة) بواسطة جامعة فولاذية، يصعب فتحها عنوة، تقفل في المركز، ولا تفتح إلا في مقر البعثة التي يتجه لها حامل البريد .

أما الحقيبة الدبلوماسية الأساسية، تحمل المراسلات بين عاصمة البلاد، والبعثة . وهي عادة كيس متوسط الحجم من قماش متين ليحمي البريد من الرطوبة والماء، والتمزق العشوائي، تتسع لبريد البعثة ربما يشكل مربع طول ضلعه 50 سم، في قمة الكيس حلقات يمر عبرها قفل من نوعية خاصة، تتوفي فيه المتانة والشكل المقبولـ ثم يربط بخيوط قوية جداً عدة لفات محكمة وتربط بطريقة محكمة، وتمهر بالشمع الأحمر وختم يحمل شعار الدولة، مع أسم وزارة الخارجية في البلاد،

في البريد المرسل، يقرر رئيس البعثة درجة سرية الخطاب، أو مدير الإدارة المسؤول عن رزم الحقيبة : عادي، سري، سري للغاية، سري للفاية وشخصي، سري للغاية ويفتح بالذات.

وهناك أنواع من الإرسالات بين البعثة والمركز وبالعكس، بالغة الأهمية والخطورة، وهذه تعامل بطريقة خاصة، فقد تكون بحجم حقيبة سفر كبيرة، يجرى المرسل في البعثة نفس إجراءات الحقيبة الدبلوماسية، بإحكام إقفالها، وربطها والختم بالشمع الأحمر ، يحملها رئيس البعثة، أو الشخص الثاني بنفسه، إلى المطار ويصل إلى سلم الطائرة، ويستدعي قبطان الطائرة الوطنية للمثول أمامه، ومعه الطيار الثاني، ويبلغه، أن الحقيبة تحتوي على بريد خاص بالغ الأهمية، سيتسلمها الأن بأيصال، وسوف يستلمها منه في المطار الموظف الوطني وأسمة (س ص) من الدائرة الفلانية بإيصال وعليه أن يتحفظ على الحقيبة بكل عناية.

وقد يحاول الطيار أن يتكلم صاعد نازل، وعلى الدبلوماسي المسلم للحقيبة، أن يفهمه بشكل جاد، أن ينتبه لكلامه، وأن هذه مهمة تفوق في أهميتها ما يعتقد. وستستلم البعثة حال وصول الحقيبة للعاصمة، إشارة بأستلام الهدبة وشكراً..

وفي السفارة فرع يقيم الدليل والشاهد على تطور عمل البعثات، وهو فرع الشيفرة والإبراق اللاسلكي بين البعثة والمركز، وعلى الأغلب يتصل هذا الفرع بالسفير مباشرة أو بالشخص الثاني حفظاً لسرية البرقيات والمراسلات والإيعازات السريعة، أو تلك التي يراد أن تكون طي الكتمان للتحرك بهذا الاتجاه أو ذاك. والشخص الثاني، هو من يستلم إدارة السفارة كقائم بالأعمال المؤقت، في حال تمتع رئيس البعثة بالإجازة، أو عند استدعائه إلى العاصمة، أو المرض أو أي سبب آخر يعطل رئيس البعثة عن الدوام في مقر البعثة.

وكدليل على تأثيرات التطورات العلمية في كافة الافرع، استغرق على سبيل المثال زمن إبحار وفد عسكري مهم جدا، في مطلع أعوام الحرب العالمية الثانية من لندن إلى لينينغراد في الاتحاد السوفيتي من 5/ آب إلى الحادي عشر منه ونجم عن هذا التأخير ضرراً ليس بسيط.  أنظر كتاب: سقوط ألمانيا الهتلرية، تأليف وليم شرير الجزء الثاني،  ص402

لم  يصلنا تبليغ يسجل حادثة فتح حقيبة دبلوماسية عنوة ومخالفة للقوانين، عدا مرة واحدة، أستولى (رجال أمن على الأرجح) بالقوة وأستعمل العنف على الحقيبة الدبلوماسية القادمة من البلد، يحملها موظفان دبلوماسيان، وسيارتهما تحمل لوحات دبلوماسية, وأعادت سلطات ذلك البلد الحقيبة بعد مرور أيام على خطفها، مدعية أن من قام بالعمل، هم شبان مستهترون، سوف نجري حسابهم، وشكراً لتفهمكم…..!.

ربما يتعين على البعثة، أن تعلم أنها تعمل أحياناً في بلد لا يكن لك الود، بل ريما هو معاد …هذا بعض من الحذر الذي لا نبالغ من وصفه ..!

تاسعاً . الدول المضيفة

تتمتع السفارات بحكم وجودها الرسمي والقانوني المعترف به في الدولة المضيفة، بالامتيازات التي تمنحها اتفاقية فيينا للتبادل الدبلوماسي بالإضافة إلى الاتفاقيات الثنائية على قاعدة التعامل بالمثل، وكلها تساهم في توسيع فرص الدبلوماسيين في الحركة والعمل بمعزل عن الظروف الخارجية التي تحيط ببناء السفارة.

 بيد أن ذلك ليس أمراً مطلقاً في جميع الأحوال، فالدول كالأشخاص ترتاب أحياناً بنوايا الدول الأخرى وبأهداف فعاليات البعثات التي قد تستخدم الامتيازات الممنوحة لها بصورة غير قانونية وخارج المسموح به، فليس فقط أعمال التجسس أو الإثارة والتحريض وما شابه ذلك من قضايا ذات مساس بالأمن الداخلي للبلد المضيف بما يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية فحسب، ما يثير حفيظة الدوائر المعينة، بل وكذلك الأعمال التي تعد خرقاً لقوانين البلد المضيف سواء تمت بحسن نية أو بسوء قصد، فإنها ترصد بدقة ويتم تحذير بعثة ذلك البلد بلغة لطيفة ومهذبة، ولكن من الممكن أن يؤدي ذلك في النهاية في حالة تكرار المخالفات إلى الطلب بمغادرة الدبلوماسي الذي لا يجد رغبة في احترام قوانين البلد المضيف، وقد يقابل هذا الطرد إجراء مماثل من البلد المعني، وبذلك تتعقد الأمور كسحابة سوداء في العلاقات الثنائية، من المستحسن تجنبها.

وقد تقع أحداثاً مؤسفة، إذ يتورط بعض الدبلوماسيين في تهريب ممنوعات إلى البلد المضيف أو إلى خارجه. ومن المؤسف أن مثل هذه الحوادث قد كثر عددها وقد يؤدي ذلك بشكل تدريجي إلى فقدان الثقة بنزاهة الدبلوماسيين الذين يفترض ولرقي المهمات التي يمارسونها استنكار مثل هذه المخالفات الشائنة.

وهناك دولاً تفرض الحظر على تنقل منتسبي البعثات الدبلوماسية، فتطلب منهم عدم مغادرة حدود العاصمة، دون أذن مسبق من وزارة الخارجية، أو دولاً تسمح بالتجوال حتى مسافة 100 كيلومتر مثلاً خارج حدود العاصمة، أو دولاً تفرض الحظر على مناطق معينة بدخول الدبلوماسيين إليها أو سفرهم إلى تلك المناطق ..الخ من التقيدات التي تقلل من فوائد الامتيازات الممنوحة للدبلوماسيين. أنواع البعثات : وأرفعها هي:

* السفارة:  وتكون عادة في عاصمة البلاد، وإذا كان هناك دولة لها عاصمتان، سياسية وتجارية أو تقليدية، فالسفارة تؤسس في مقر إقامة رئيس البلاد أو ملكها، أو بحسب تعين وزارة الخارجية لمقر البعثات الدبلوماسية، ويقدم السفير أوراق اعتماده إلى الملك أو رئيس البلاد.

* القنصلية العامة : وهي بعثة تؤسس في أحدى المدن الهامة التي تتمتع بثقل سياسي وتجاري قد تفوق أهمية العاصمة أحياناً، مثل جنيف في سويسرا، أستامبول في تركيا، كراجي في الباكستان، بومبي في الهند، نيويورك في الولايات المتحدة، الإسكندرية في مصر .. الخ، ويقد القنصل العام أوراق اعتماده إلى محافظ تلك المدينة أو الولاية.

* مكتب رعاية مصالح: قد تتعرض العلاقات الدبلوماسية بين دولتين إلى متاعب، وتقر الدولتان قطع العلاقات الدبلوماسية، ولكن مع أبقاء عدد من الدبلوماسيين يتمركزون في بعثة بلد ثالث، وفي بنايتها وتحت رايتها، وبموافقة الدولة المضيفة، واتفاق مع البلد الثالث، لمتابعة شؤون ومصالح الدولة وشؤون مواطنيها.

وهناك حقيقة مؤكدة، هي أن السفير والبعثة الدبلوماسية تمثل مجموع مصالح البلاد في البلد المضيف، وكذلك كافة اتجاهات العمل والأهداف المتوخاة من مجموع هذه الأنشطة والفعاليات رغم تباعد اختصاصاتها. ولكن ذلك لا يخلو مشكلات ومتاعب إدارية. فالإشراف الكامل وبمركزية شديدة يغرق البعثة ورئيسها بتفصيلات غير هامة ستكون حتماً على حساب المهمات الرئيسية ولكنه يشبع لديها رغبة السيادة والهيمنة، كما أن إفلاتها لتعمل وفق تصوراتها وهواها دون إشراف، قد يقود إلى خطأ وإلى ما لا تحمد عقباه. وقد يحدث ذلك الخطأ بنية حسنة وبدافع الحماس للعمل مع ضعف في النضج والتبصر، بيد أن مزيجاً من هذا وذاك، قد يكون كافياً لوضع الأمر في نصابها الحقيقي. أما تلك المكاتب التي تعمل بالصفة الدبلوماسية، فعليها دون ريب أن تضع نفسها تحت تصرف السفير المطلقة، وهذا ما تعمل به معظم الدول باختلاف نظمها.

وتتمتع السفارات بحكم وجودها الرسمي والقانوني المعترف به في الدولة المضيفة، بأمتيازات اتفاقية فيينا للتبادل الدبلوماسي واتفاقيات ثنائية على قاعدة التعامل بالمثل، وكلها تساهم في توسيع فرص الدبلوماسيين في الحركة والعمل بمعزل عن الظروف الخارجية التي تحيط ببناء السفارة، بيد أن ذلك ليس أمراً مطلقاً في جميع الأحوال، فالدول كالأشخاص ترتاب أحياناً بنوايا الدول الأخرى وبأهداف فعاليات البعثات التي قد تستخدم الأمتيازات الممنوحة لها بصورة غير قانونية وخارج المسموح به، فليس فقط أعمال التجسس أو الإثارة والتحريض وما شابه ذلك من قضايا ذات مساس بالأمن الداخلي للبلد المضيف بما يشكل تدخلاً في الشؤون الداخلية فحسب، ما يثير حفيظة الدوائر المعينة، بل وكذلك الأعمال التي تعد خرقاً لقوانين البلد المضيف سواء تمت بحسن نية أو بسوء قصد، فإنها ترصد بدقة ويتم تحذير بعثة ذلك البلد بلغة لطيفة ومهذبة، ولكن من الممكن أن يؤدي ذلك في النهاية في حالة تكرار المخالفات إلى الطلب بمغادرة الدبلوماسي الذي لا يجد رغبة في احترام قوانين البلد المضيف، وقد يقابل هذا الطرد إجراء مماثل من البلد المعني، وبذلك تتعقد الأمور وتمر سحابة سوداء في العلاقات الثنائية، من المستحسن تجنبها.

وقد تقع أحداثاً مؤسفة، إذ يتورط بعض الدبلوماسيين في تهريب ممنوعات إلى البلد المضيف أو خارجه. ومن المؤسف أن مثل هذه الحوادث قد كثر عددها وقد يؤدي ذلك بشكل تدريجي إلى فقدان الثقة بنزاهة الدبلوماسيين الذين يفترض ولرقي المهمات التي يمارسونها استنكار مثل هذه المخالفات الشائنة.

وهناك دولاً تفرض الحظر على تنقل منتسبي البعثات الدبلوماسية، فتطلب منهم عدم مغادرة حدود العاصمة، دون أذن مسبق من وزارة الخارجية، أو دولاً تسمح بالتجوال حتى مسافة 100 كيلومتر مثلاً خارج حدود العاصمة، أو دولاً تفرض الحظر على مناطق معينة بدخول الدبلوماسيين إليها أو سفرهم إلى تلك المناطق..الخ من التقيدات التي تقلل من فوائد الأمتيازات الممنوحة للدبلوماسيين.

والدول بحسب مستوى التقدم الحضاري الذي قد بلغته، تعامل به الدبلوماسيين المعتمدين في بلادها بطريقة مهذبة، وتقدم لهم المعطيات التي يرغبون في الحصول عليها لتجنيبهم مساوئ الانزلاق إلى وسائل لا شرعية وغير قانونية للحصول عليها. فإذا كانت المعطيات السياسية والاقتصادية العامة معروفة بحكم نشرها في وسائل الإعلام المختلفة، كما أن وزارة الخارجية في البلدان المضيفة تبدي استعدادها للإجابة على ما يدور في أذهان الدبلوماسيين من أسئلة بطرق شتى، إما بطريقة الاستدعاء والتشاور، وتمثل تلك مرتبة طيبة من التعامل في العلاقات، أو اغتنام فرصة ما لإحاطة الدبلوماسيين علماً بأهداف ونتائج زيارة هامة لرئيس أحدى الدول إلى عاصمتها، أو في تنظيم زيارات للدبلوماسيين إلى مرفق صناعي ذو طابع استراتيجي أو اقتصادي تكنيكي هام…الخ.

وأجد من المفيد هنا أن أعبر في حادثة مجموعة من الأمثولات في العمل الدبلوماسي الذكي: فقد تواجد في العاصمة الأفغانية قائم بالأعمال في سفارة الجمهورية العراقية في كابل، بدرجة مستشار، وكانت البعثة العراقية تتمتع بعلاقات تاريخية ممتازة مع كابل، وكان القائم بالأعمال يتمتع بعلاقات شخصية مع المسئولين الأفغان بل وبعلاقات عائلية حميمة مع العائلة المالكة. وتصادفت زيارة لوزير خارجية يوغسلافيا إلى كابل وبنتيجة المحادثات صدر بيان مشترك ((Communique أو( Declaration) عن نتائج الزيارة، يتضمن تنديداً بالسياسة الأمريكية وكانت تمر في تلك المرحلة في ذروة الأزمة الفيثنامية. وكانت السياسة الخارجية الأفغانية تحرص على تجنب ما يسيء للولايات المتحدة، وبذلك كان البيان المشترك وما حواه مفاجئة لجميع الدبلوماسيين. وهرع بعضهم للقائم بالأعمال العراقي يطلبون منه تفسيراً قد يكون لديه. وقام الدبلوماسي العراقي بزيارة عائلية لدار إقامة وزير الخارجية وهو صهر الملك، بصحبة عقيلته، و قد أدرك الوزير على الفور مغزى زيارة الدبلوماسي العراقي، فأخبره بأن رئيس الوزراء الصيني، وكان يومها شون لاي، سيقوم بعد ثلاثة اشهر بزيارة لكابل، وتحرص الحكومة الأفغانية على إقامة علاقات جيدة مع الصين الشعبية بحكم علاقات الجيرة، ومن المؤكد أن إدانة الحرب الفيثنامية سيكون الطلب الأساسي للصينيين، و الاستجابة للطلب الصيني (قد يفسر رضوخاً)سيسيء إلى كابل ويضعف من قيمة الاستجابة للطلب الصيني بالإضافة لحسابات أخرى، قررت وزارة الخارجية الأفغانية استباق هذه الإشكالات والاحراجات بتوجيه الدعوة لوزير الخارجية اليوغسلافية التي لم تكن تصر على إدراج إدانة الحرب الفيثنامية، بل أن إدراج الإدانة جاء بنا على طالب الجانب الأفغاني وسط دهشة مفاوضيهم اليوغسلاف.  وتلك أمثولة هامة تدل على أن بوسع حتى الدول النامية ممارسة دبلوماسية ذكية، وأن بوسع دبلوماسي أن ينشط ويتحرك ويقيم علاقات قد تجعله قبلة أنظار الوسط الدبلوماسي.

كما تصادف أن كان مؤلف هذا العمل قائماً بالأعمال في دولة صناعية متقدمة، وشاع في الوسط الدبلوماسي عن مساهمة منشأة صناعية مهمة في تلك البلاد، بمشروعات ذات طابع استراتيجي بالغ الأهمية، فما كان من وزارة الخارجية إلا أن دعت 20 دبلوماسياً يمثلون بلداناً من مجاميع مختلفة لزيارة تلك المنشأة في إطار خطة ذكية لزيارة الولاية التي تضم العديد من المنشأت المهمة (منها مصنع للمعجنات، وحقل لإنتاج اللحوم) منها تلك المنشأة، وغيرها، ليبدو الأمر أكثر طبيعية وليس استجابة لتساؤلات، بل كمبادرة طيبة من وزارة الخارجية، وقد تخلل الزيارة حفلات موسيقية وزيارة أماكن لها طابع أثري تركت أفضل الآثار في نفوس الدبلوماسيين.

إن رغبة أي بعثة في الحصول على معلومات تساعدها على المزيد من فهم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية هي رغبة طبيعية وشرعية، إلا أن هذه الرغبة تبقى مقبولة وشرعية طالما كانت في الإطار القانوني والرسمي لعمل البعثة، وأن أي تصرف أو حركة تخالف هذه الشرعية ستضع البعثة تحت المراقبة والاتهام بسوء النوايا والتصرف، بل قد يطلب من السفارة رسمياً الالتزام بقواعد العمل القانونية وهو ما ينذر عادة باتخاذ إجراء مماثل في بعثة البلد المضيف، ألا وهو السعي لتحسين العلاقات وليس الإساءة إليها، ففي ظروف كهذه يمكن تخيل أو تصور صعوبة قيام رئيس البعثة بجهد دبلوماسي للحصول على دعم الدولة المضيفة في الأمم المتحدة أو في أي محفل دولي، أو التوصل إلى عقد اتفاقية تجارية واقتصادية، كما يمكن التصور أن علاقات الصداقة والثقة لا تتم إلا بعد بذل جهود مضنية، إلا أن تصرفاً واحداً في غير محله ويفتقر إلى الحكمة وبعد النظر، قد يهدم جميع تلك المجهودات، بل ويتطلب الأمر بذل مساعي إضافية لإزالة الآثار السلبية لذلك التصرف.

والبعثة الدبلوماسية إذ تعد بيتاً وطنياً، فإنها تغدو محط أنظار ومراجعات مواطنيها الموجودين في البلد المضيف، سواء كانوا مقيمين، أو عابرين أو سواح. والبعثة ملزمة بتقديم المساعدات ما أمكنها ذلك بالطبع، وبذل المحاولات لحل مشكلات المواطنين الإنسانية، ولكن من جهة أخرى فالدبلوماسيون ومنتسبوا البعثة ملزمون بالاحتفاظ بوجه بشوش ومرحب لمواطنيهم، فقد يغدو من العسير أحياناً الإيضاح بصعوبة تقديم المساعدة، فالمواطنين والناس عامة يعتقدون أن للسفارات قدرات خارقة في البلد المضيف، ودونما شك فإن هذا التصور لا يخلو من الخطأ.

فالسفير في عصرنا الراهن ليس كما في العصور الغابرة، رسولاً ومبعوثاً شخصياً من ملك لآخر، وإن كان الملوك والرؤساء ما زالت خطابات اعتمادهم، تنطوي على شيء من الصفة التشريفية، فالبعثات الدبلوماسية اليوم لها قوانينها والاتفاقيات التي تنظم عملها، فرئيس البعثة اليوم يمثل وزارات حكومة بلاده، ومهماته كثيرة وواجبات والتزامات. فعدا حفلة قبول أوراق الاعتماد، والاستئذان لدى انتهاء المهام، قلما يستقبل الملوك ورؤساء الدول السفراء إلا في حالات خاصة، كأن يحمل رسالة خطية من رئيس دولته، أو رسالة شفهية هامة، أو بصحبة وفد حكومي زائر عالي المستوى. وفي كل ذلك تلعب شخصية السفير ولباقته وحلو معشره وقابلياته دوراً مهماً في إنضاج علاقات شخصية مهمة. وأعرف سفيراً عربياً كان يمثل بلاده في أحدى الدول الكبرى، عقد صداقة شخصية متينة مع رئيس وزراء تلك الدولة بفضل سجاياه الشخصية، وأعرف شاعراً عربياً كبيراً كان سفيراً لبلاده في الهند، عقد صداقة أدبية رائعة مع رئيس الهند، دفعت الرئيس إلى مراسلة رئيس الدولة العربية يرجوه إبقاء السفير لفترة أخرى، وقد أجيب طلب رئيس الهند.

وقد تواجه البعثات مواقف لا قبل لسفارات وبعثات الماضي بها، كما هي الحال عليه اليوم كالإغارات التي تقوم بها مجموعات إرهابية تناصب دولة البعثة العداء لأسباب سياسية أو حتى للابتزاز المحض ليس إلا. وحيث من غير الجائز الرضوخ للإرهاب والابتزاز، فإن تعريض حياة الموظفين وأمن البعثة للخطر أمراً يبعث على القلق.

وهناك ظاهرة أخرى لم تكن معروفة في السابق، وهو لجوء عدد من مواطني الدولة المضيفة إلى أرض السفارة كلاجئين سياسيين، فالتصرف حيال مثل هذه الحالات ينبغي أن تكون على قدر كبير من الحكمة والحصافة، فحيث لا يمكن للسفارة إلا أن تقبل لجوء هؤلاء المواطنين عملاً بأحكام دساتير الغالبية العظمى من الدول التي تعتبر أن اللجوء السياسي حق طبيعي، وباعتبار أن أرض السفارة لها صفة الأرض الوطنية، وحق اللجوء السياسي لا يمكن تجاهله أو التنازل عنه أخلاقياً، إلا عملاً من هذا القبيل قد يثير غضب الدولة المضيفة أو امتعاضها، والسفارة ملزمة باستيعاب كلا الاعتبارين وأن تتصرف بما لا يتعارض مع الأخلاق بقبول اللجوء وفي الحكمة في سلوكها مع سلطات الدولة المضيفة وردود فعلها.

كما قد تواجه البعثات قضايا قانونية معقدة سواء تلك التي تتعلق بالأفراد أو بالأموال والممتلكات. فالمواطنين في إطار تنقلاتهم(وقد شهدت هجرات الأفراد أرقاماً قياسية في السنوات الأخيرة) يخلقون ظروف حياة جديدة من زواج وممتلكات وأموال. فالسفارات ملزمة قانوناً بالدفاع عن حقوق مواطنيها. وفي مثل هذه الحالات فإن قنصلاً مدرباً وذو إلمام جيد بالقوانين، بالإضافة إلى حسن التصرف  ضروري لوضع الحلول المناسبة.

ومن الأرجح فإن مثل هذه الحالات لم تكن رائجة كما هي عليها اليوم طبقاً للحركة الواسعة بين شعوب العالم. فهناك اليوم شعوباً تقيم جاليات كبيرة لها خارج الوطن تمثل نسبة عالية من تعداد سكانها العام، وفي بلدان تقع في أقاصي العالم. ومن صلب مهمات البعثة ليس فقط خدمة هؤلاء المواطنين أو المغتربين، بل وفي إقامة أفضل الصلات معهم على كافة المستويات، وفي ذلك فوائد سياسية واقتصادية وثقافية جمة لا تحصى.

والخلاصة، فإن بوناً شاسعاً بين عمل البعثات الدبلوماسية اليوم عما كانت عليه سابقاً يعكس المدى الواسع في صورة العلاقات الدولية، تطور فرضته الإنجازات الاقتصادية والإنسانية الهائلة في جوهرها ومحتواها والتطورات السياسية(وتعتبر الحروب المدمرة أحد جوانبها) ورغبة البشرية في السلام والعمل المشترك لما فيه خير الشعوب والإنسانية. وبذلك المقدار هو ما حصل فعلاً، في التطور الكبير الذي شهدته البعثات الدبلوماسية من تعدد أوجه نشاطاتها وفعالياتها وحجم كادرها، وبالتالي قدراتها الإنجازية والبعثة الدبلوماسية معنية بنقل جميع أوجه هذه الفعاليات والإنجازات البشرية بطريقة سليمة إلى بلادها وأن تستنبط أفضل السبل لنقل هذه المنجزات البشرية بطريقة سليمة وأكثرها دواماً واستمرارية في إطار شرعي وقانوني يضمن لكل الأطراف حقوقاً متساوية وعلاقات متكافئة تقوم أساساً على الاحترام المتبادل. ولا يمكن تصور عالماً قائماً على هذه الأسس إلا ويكون الدبلوماسي أحد عناصره الأساسية.

عاشراً . العجلات (الآليات) :

للبعثة الدبلوماسية أن تكون لديها عدد من السيارات بين سيارات رسمية للاستخدام الرسمي وفي المقدمة سيارة رئيس البعثة، ثم سيارة أو أكثر لخدمات البعثة، وسيارات للاستخدام الشخصي. وعادة يخصص قسم الخدمات والبروتكول في وزارة خارجية البلد المضيف، لكل موظف أبتداء من السفير وله سيارتان، وسائر الموظفين سيارتان للموظف وعقيلته. بلوحة تخمل أرقام، الاول رقم البعثة ويشير للدولة المعتمدة، ورقم تسلل العربات في البعثة. ثم حرفان (CD) مختصر لكلمتان (هيئة دبلوماسية) أو (CC)  ، وتعني (هيئة قنصلية).

فالسلطات المحلية بهذا المعنى (شرطة المرور، الجمارك، البلدية …الخ )، تشخص عائدية اية سيارة تسير في الشارع، ولاية بعثة تعود وهوية قائدها. وابتداء فإن سيارات  البعثات الدبلوماسية الاجنبية معفاة من الضرائب، ولا يجوز تفتيشها، ولا التحفظ عليها. فالسيارة (العربة) لها من حصانة مالكها ومستخدمها.

وبالمقابل على قائد العربة الدبلوماسية أن يقدر هذا الاحترام حق قدره، فلا يتصرف مخالفة للقوانين وأنظمة السير، وإن مخالفة متعمدة للقانون، سيحصل على إشارة من الشرطة (خطاب) بالحادثة، ربما (حسب شكل المخالفة وحجمها، يتعين على البعثة الإجابة على خطاب الشرطة، إذن ينبغي للشخصية الدبلوماسية الأنتباه وأن لا يزج بنفسه في مواقف غير محمودة.

والانتباه لأمن العجلات (السيارات) قضية لا تخلو من الأهمية لا ينبغي أن يهملها الدبلوماسي، أو العاملين في البعثات بصفة عامة حتى الإداريين وعناصر الخدمات. وهنا يستحق الأنتباه حين يركن الموظف في البعثة الذي يقود عربة تحمل رقم البعثة، أن لا يركن عربته في أماكن تجلب الشبهة أو البعيدة عن الأنظار، في الأماكن المهجورة أو المظلمة. وحين يركن عربته في موقف سيارات، عليه أن ينتبه ويتأكد من صلاحية ذلك المكان لإيقاف عربة، أو فيما إذا كان الإيقاف مجاني، أو بأجرة .

وهناك حوادث ينبغي التذكير بها، وهي على قلتها، أو ندرتها، إلا أنها قد حدثت، ولن يضير الدبلوماسي أن يحذر، من مما قد تحاوله أطراف معادية، أو تريد الإساءة لسمعة بلادك، فليس من الصعب (فنياً) دس قطعة من الممنوعات، أم مما يسيئ للسمعة والأداب، دسها في عربة الموظف، والإبلاغ عنها. كالمخدرات، والسلع والمنتجات الجنسية، وفي هذا إساءة لسمع البلد، والموظف على حد السواء. تستفيد منه الجهات المعادية أو تلك التي تريد الحط من قيمة وقدر بلادك.

لذلك إيقاف العربة وأختيار المكان الصالح لإيقافها، هو أمر لا ينبغي أن يفوت من انتباه الدبلوماسي الفطن وتتضاعف الأهمية حين تضع في جملة احتمالاتك أن يحاول أحد الجناة إلصاق مادة متفجرة. بالعربة، وهي عملية تخريبية سهلة جداً. ومن الأفضل أن تركن سيارتك في مكان يعج بالمارة والناس، ليصعب على من لدبة نبة التخريب فعل ذلك.

\

حادي عشر . العلاقة مع البعثات الاخرى :

الشقيقة، الصديقة، المحايدة، المعادية، في حالة الحرب.

خاطب المرحوم صدام حسين وكان يومذاك نائبا للرئيس العراق في أيار / 1975، خاطب اجتماع مجلس السفراء العرب في ألمانيا الدبمقراطية، وكان آنذاك في زيارة رسمية لهذا البلد، خاطبهم بقوله ” أنتم هنا كسفراء عرب معنيون بتقديم صورة مشرقة للعمل العربي المشترك، في علاقاتكم مع الأجانب لا يهمكم ماذا نفعل هناك في بلداننا، قد ننتقد بعضنا أو اكثر من ذلك، ولكنكم هنا في خندق واحد وأعملوا كيد واحدة “.

وتركت هذه الكلمات أثرها في نفوس السفراء العرب. السفراء العرب ولهم في كل دولة مجلس للسفراء العرب، ويرأسه أقدم رئيس بعثة عربي، ويمنح انطباعا طيباً، حتى لو اقتصرت على المناسبات والبروتوكوليات. ولكن في بعض الأحيان تمنح صورة للعمل العربي المشترك، ولو بأدنى صورة، ستبقى مفيدة.

في حفلات الاستقبال التي تقيمها البعثات بمناسبات مختلفة، عادة تدعو البعثات، رئيس البعثة والشخص الثاني، وحفلات الاستقبال مناسبة للتعرف على رؤساء البعثات، والتعرف قد يفضي لعلاقة طيبة، تعود بالفائدة. والدبلوماسي غليظ القلب وعبوس الوجه، سوف لن يتمكن من إقامة علاقات طيبة من زملاؤه.

وبالطبع أقرب الدبلوماسيين لبعضهم هم الدبلوماسيين العرب،، أو من البعثات الاجنبية من يعتبر نفسه قريباً من القضايا العربية، او أنه متعاطف مع قضاياها، وقد تصادف دبلوماسيين أجانب ليسوا بعرب أو مسلمين، ولكنهم يتعاطفون معك ويفيدوك كثيراً في عملك .

وقد شاهدت بنفس وعاصرت في العمل أصناف الدبلوماسيين، فهناك من هو نجم في الحياة الدبلوماسية وله زملاء كثر بينهم، وهناك من لا يعرفه أحد، وقد عزل نفسه بنفسه. شخصية الدبلوماسي مهمة جداً ني تحقيق النجاح المطلوب. وربما يكون بعض الدبلوماسيين داخل السفارة أسد هصور، وبكنه في الحياة الدبلوماسية يختفي، وإن ظهر لا ينبس ببنت شفة …!

الدبلوماسيون الذين يجدون أنفسهم في الخارج وبلادهم مشتبكة في صراع مسلح (حرب) مع دولة أخرى أو دول. فمال الموقف. عليه أن يظهر قدرا كافيا من الثقة بالنفس، ومتانة الاعصاب، وإن حاول أحدهم جرة لمناقشة لا طائل منها، عليه أن يتجنب ذلك. فأي كلمة يتلفظها، بعيدة عن الحكمة سيكون لها آثارها الغير حميدة. بالطبع ليست هناك دعوات متبادلة مع دولة معادية، ولا تبادل علاقات اجتماعية. عليك الحرص على إبقاء مسافة بينك وبين ممثلي الدولة المعادية.

التصرف بخفة واستخفاف لا يمنح انطباعاً جيداً، مهنياً أم شخصياً. نعم هو كدبلوماسي ليس محارب، وقد يجد نفسه قريباً أم بعيداً في عداد وفد مفاوض. فيوم يكون دبلوماسياً، فبلاده أسندت إليه هذه الصفة، وعليه أن ينجح بتقديمها، وبحدودها، ليس المطلوب أن يكون رخواً ولا خشناً فضاً، لا نقصد هنا أن يبادر للحديث مع دبلوماسيي العدو، فتفهم خطأ على أنها مبادرة سياسية. ولا حتى التحية والسلام قد يكون لها مردود سلبي. عليك أن تنظر الأمر برزانة، ولا تدع دبلوماسي العدو يفهم منك أنك توده، أو أن لك موقفا شخصياً خاصاً، فأنت لا موقف شخصي لديك، حتى لو كانت قناعاتك الشخصية فيها شيئ من الخصوصية، ولكنك هنا ممثل لدولة وقد أبتعثتك لتمثلها لا أن تستعرض أرائك الشخصية. انت مدعو لحفل استقبال، وتصرف وكأنك لا تشاهد ككثل الدولة المعادية.

إثنا عشر . النشاط الاستخباري المعادي.

الجهد الاستخباري

بتقديرنا هناك رافدان أساسيان لصانعي القرار:

  • المعلومات. الدليل النظري.

آ . المعلومات : وهي مجموعة معطيات الواقع المادي الملموس التي تجمع وفق أسس ونظام يوفر قدراً من التدقيق والتنسيق بين المعلومات المتوفرة بحوزة الدوائر المختصة من أجل تأمين أقصى قدر من الإفادة توضع في خدمة صانعي القرار السياسي.

وجمع المعلومات مهمة تتطلب غاية في الدقة والانضباط، فلا ينبغي هنا الخلط بين المعلومات والتحليل والآراء الشخصية أو بين المعلومات وبين الاحتمالات، وإذا كان للأجهزة الرافدة (ومنها الأجهزة الاستخبارية)من دور في التحليل أو الخوض في تقدير الاحتمالات، فيجب أن يكون ذلك منفصلاً وبوضوح تام عن حقل المعلومات، كما ينبغي أن تكون الأجهزة الرافدة بعيدة كل البعد عن أحكام الهوى، وبنفس الدرجة بعيدة عن المحاباة ومداهنة أوساط القرار السياسي، فلا بد للعناصر الرافدة من استيعاب دورها الخطير في صناعة القرار السياسي وبالتالي في الأمن القومي والمصالح الوطنية العليا، وهي مسؤولية تستدعي دون شك أقصى قدر من الدقة والانضباط، وعزلها بصورة تامة عن العواطف والأهواء الشخصية، فليس نادراً ما أدى خطأ ارتكبته العناصر الرافدة إلى مضاعفات سلبية على مسيرة الفعاليات السياسية، وأضاعت جهوداً وتضحيات كثيرة، بالإضافة إلى الخسائر المادية والمعنوية.

ولا تنتهي مهمة العناصر الرافدة في جمع المعلومات فقط، فالعبرة لا تكمن في ذلك وحده، بل وفي سبل الاستفادة الحقيقية المثمرة من هذه المعطيات ضمن نظام معلومات تتفاوت اليوم دقته وكفاءة إدارته والتقنيات المستخدمة فيه من دولة إلى أخرى، وإن كانت منجزات العلم قد انتشرت بصورة كبيرة: أجهزة الحاسوب التي انتقلت إلى مرحلة الاستخدام المنزلي والشخصي، والاستخدام الكثيف لشبكة المعلومات الإلكترونية (الانترنيت) وبانتشار غير مسبوق لمحطات التلفزة عبر الأقمار الصناعية، والهواتف الجوالة(الموبيل / Mobile)، والهواتف التي تعمل عبر الأقمار الفضائية، وما إلى ذلك من تسهيلات في أجهزة الاتصال والمعلومات، ولكن المسألة الجوهرية تكمن في كيفية الاستفادة من أكداس المعلومات الهائلة، والقدرة على تحليلها بدقة قد لا تحتمل الخطأ.

وتدل معلومات وأحداث تاريخية كثيرة أن موظفين نابهين توصلوا إلى معطيات سياسية أو اقتصادية عميقة المدلول والأهمية، إلا أنها قوبلت باستخفاف أو بقلة اكتراث أو أنها عوملت بروتينية صرفة، وأخذت وقتاً طويلاً في التداول بين المكاتب البيروقراطية، أو ربما أنها تركت منسية في أحدى الأدراج، كانت ستعود بأعظم الفوائد لو أنها لقيت آذاناً صاغية وعيوناً مفتوحة والمتابعة الضرورية، أو لو أنها أضيفت بعناية مع تفاصيل أخرى وردت بنفس الوقت أو بأوقات سابقة لتضيف إلى صورة الموقف وضوحاً أكثر واستقراراً أعم، ولو لقيت هذه المعلومات تحليلاً سليماً من خبير كفء، وقد تكون هذه المعلومة وإجراءات عملها حاسمة، في جلاء غموض ما يكتنف تلك الصورة، وتسهل أمر تحرك مهم في ظرفه الزمني والمكاني، وتوفر على صانعي القرار متاعب جمة.

وفي إطار بحث العناصر الرافدة، فإننا نقدر أهمية قناتين:

الأولى : الجهاز الدبلوماسي.

الثانية: الجهاز الاستخباري.

الجهاز الدبلوماسي:

يعني الجهاز الدبلوماسي بالدرجة الأولى بتقديم المعلومات عن طريق الاتصالات بين الدول والممثلين الرسميين لحكومة بلاده، وليس له أن يتنازل عن صفته هذه، وذلك ما يمنح المعلومات التي يحصل عليها طابع الرسمية، وقد تكون معلومات الدبلوماسية شحيحة، إلا أنه بعيدة عن الخطأ وأحكام الهوى والانفعال، كما يفترض أن تكون بعيدة عن المبالغة بحكم كونها صادرة عن موظف سياسي محترف.

وبطبيعة الحال تندرج ضمن معلومات الدبلوماسي، تلك المعلومات التي تهتم بها الصحافة العالمية والمعاهد والمؤسسات العلمية والقوى السياسية في البلدان التي يعملون فيها كدبلوماسيين معتمدين، أو ربما في الحصول عليها عبر الوسائل الممتازة التي أتاحها التقدم العلمي والتكنيكي.

وتمد هذه المصادر الدبلوماسيين بحشد واسع من المعلومات التي يفترض أن يكون الدبلوماسي على قدر كبير من الكفاءة والنزاهة والحصافة في استلام هذه المعلومات المدعمة بالحقائق، ثم الدقة والأمانة في ضخها إلى المركز.

ومن البديهي، فإن للبعثة أن تبدي رأيها، ولكن بصورة منفصلة تماماً عن المعلومات، وأن يكون لها رأيها مدعماً بالبراهين والأسانيد والأدلة، كما ينبغي لها أن تكون بنفس الوقت ذات قدرة على تجنب الوقوع في فخ المعلومات المعدة للتضليل، فالصحافة وأجهزة الإعلام بصفة عامة قد تعمد إلى المبالغة بتقديم المعطيات الواقعية أو تقليصها، سيما إذا كانت تلك المعلومات ذات مغزى سلبي على سير الأحداث في قضية معينة.

ومن الضروري إذن، أن يتمتع الدبلوماسيون بالقدرة على استخلاص حقائق موقف من بين حشد واسع من المعلومات المنشورة بالإضافة إلى قدرة ممتازة على تحليل المعلومات والإحصائيات ومقارنتها بالواقع الموضوعي الذي يعيشه في البلاد المعتمد لديها، واستخلاص المغزى السياسي وإجراء عملية تقاطع للمعلومات التي يطلع أو يحصل عليها بشكل متناثر من أكثر من مصدر واحد، فتراكم كم من المعلومات الصغيرة قد يقود في المدى البعيد(نسبياً) إلى مغزى سياسي هام.

الجهاز الاستخباري:

إذا كان الجهاز الدبلوماسي، هو الجهاز المعني (ضمن مهمات وواجبات أخرى) بجمع المعلومات عن طريق الاتصالات التي تتم على الأغلب بصورة علنية أو شبه علنية، فإن الجهاز الأستخباري هو ذلك الجهاز المدرب والمهيأ بوصفه أحد أجهزة الدولة، بجمع المعلومات في إطار دعم القرار السياسي وصيانة الأمن القومي، فهو الجهاز المعني بجمع المعلومات التي تدور في محيط ضيق تغلب عليه السرية والكتمان، ولا شك فإن صفات الدقة والنزاهة لا بد أن تكون من الصفات الأساسية للعاملين في هذا الجهاز وفي إطار هذه المهمة.

والحديث عن الأجهزة الأستخبارية مهمة تتجاوز بحثنا هذا، وقد تحولت في عالم اليوم إلى أجهزة تتدخل المعطيات التقنية في أبسط تفاصيلها، وتحولت إلى علم له أسسه وقواعده، يدرس في معاهد متخصصة.

ب . الدليل النظري:

وهو ما يعني الأداة التي تحلل المعلومات استناداً إلى الفلسفة والتي هي منهج في تفسير الظواهر ومحاولة وضع القوانين لها، وفي ذلك فإن الممارسة عبر التجارب التاريخية تلعب دوراً هاماً في صحة الدليل النظري وتحديد صلاحياته العملية في زمان ومكان محددين.

والدليل النظري الذي نقصده في إطار بحثنا هذا هو حصيلة عاملين رئيسيين:

  1. النظرية العامة للدولة: وهي ما يعني الاستناد إلى منهج فلسفي في تحليل الظواهر.
  2. التجربة التاريخية: وهي تعني التراكم في الخبرة والتجربة، التي هي بحوزة الدولة أو  في مستوى النضج السياسي والشعب بأسره.

النظرية العامة للدولة:

ونعني بها الاتجاهات الفكرية والفلسفية ومنطلقاتها، أو منهج السلطة في العمل السياسي الداخلي والخارجي.

ويمثل الدليل النظري يمثل جوهر سياسة الدولة، بيد أن ذلك لا يمنع أن تتخذ الدولة إزاء قضية من القضايا موقفاً لا ينسجم تمام الانسجام مع اتجاهاتها النظرية تحت ضغط عوامل وظروف تحتم عليها ذلك، وتعدها مناورة سياسية لا بد منها لتفادي مخاطر جسيمة قد تلحق بالأمن القومي، أو تعد ذلك خطوة تاكتيكية على طريق هدف استراتيجي أكثر أهمية وشمولاً وفائدة، أو إقراراً بالخطورة تفوق في تفصيلاته قدرة الدولة على التحكم بمساراته أو تفادياً لخسارة أعظم، بيد أن الدليل النظري يبقى بالرغم من ذلك مفتاحاً صالحاً لتحليل الاتجاهات السائدة الأساسية في دولة ما، وكذلك على التنبؤ برود أفعالها المحتملة، حالياً أو في المستقبل بوصفه مؤشر لتصرفها.

2. التجربة التاريخية:

وهي حصيلة الدروس المستفادة من ممارسات وتجارب سابقة للدولة مارستها أوساط القرار السياسي، أو الاستفادة من تجارب دول وشعوب أخرى، تمت في ظروف مماثلة أو متقاربة مع تقدير ضروري لتفاوت التجربة وخصائص المجتمعات والسكان وتقاليد العمل والحياة المختلفة، ولمفرادت تغير المراحل التاريخية..

ومن الأمور الجوهرية في هذا المجال، الاستفادة من الممارسات والتجارب السابقة وتحليل نتائجها السلبية والإيجابية بشكل واقعي ودقيق، وفقط من خلال الممارسات يمكن أغناء الدليل النظري واكتشاف الثغرات واستنباط أفضل الوسائل واختيار أنسب الظروف بصدد أية قضية يعالجها صانعوا القرار السياسي.

ولا تكتفي الممارسة بدراسة تلك الخصائص، مع أنها تسهم بشكل فعلي في بناء الشخصية القيادية لصانعي القرار والثقة بالنفس، ولكن تراكماً في التجارب والممارسات تشكل بالتالي تجربة تاريخية تسلح صانعي القرار بالحكمة ودقة في صياغة القرار وبراعة في الممارسة والتنفيذ، فليس نادراً أن ترتكب قيادات سياسية (حديثة العهد بالعمل القيادي أو قليلة التجارب السياسية واتخاذ القرارات الكبيرة) أخطاء في سياق اتخاذ القرار السياسي وتنفيذه، رغم أنها تمتلك دليلاً نظرياً ناضجاً، وإن كانت قد ثبت صحته بالممارسة في دولة أخرى، بل وحتى مارسته ذات القيادة ولكن في ظروف ومعطيات مختلفة.

ومن الواضح تمام الوضوح، أن قيادة سياسية متمرسة تمتلك خبرة وتجربة طويلة تتمتع بقدرة أوسع على اختيار الوقت المناسب بدقة وبأسلوب طرح قرارها، وكذلك القيام بسائر الأعمال التمهيدية لإنجاح قرارها من حيث تهيئة الأجواء المناسبة وكذلك في أسلوب تقسيم هدفها الاستراتيجي إلى مراحل إذا كان من العسير طرحه وتنفيذه في مرحلة واحدة، إذ قد يستفز أطرافاً أخرى، بل وحتى الحلفاء أحياناً قد يجدون أن الهدف طموح وكبير قد يرتب على كاهل تحالفهم واجبات والتزامات يجدونها ثقيلة.

ومثل هذه المواصفات والقدرة ضرورية لصانعي القرار السياسي من أجل استخدام أمثل للدليل النظري، فالدليل النظري أشبه ما يكون بالسلاح، ولكن مستوى التدريب والكفاءة في طرق استخدامه، ومواصفات حامله في الثبات والهدوء والجرأة والشجاعة ضرورية من أجل استخدامه بما يؤدي إلى النجاح والنصر.

ولا تقود التجربة التاريخية الغنية، الزاهرة إلى وعي القيادات السياسية فحسب، فالشعوب تكون تجاربها التاريخية عبر صراعات طويلة أو عبر تجارب طويلة في مجالات الحياة المختلفة: السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. وحسنة أية قيادة سياسية ليس في استقراء تجربتها في العمل السياسي فحسب، بل والاستلهام من التجربة التاريخية لشعبها أيضاً، والاستفادة من تجارب شعوب أخرى مرت بذات المحن والتجارب واجتازتها.

وبطبيعة الحال، فإن العنصر الأساس في هذه العملية بأسرها هي درجة التحام أي قيادة بشعبها وبأهدافه، وإيمانها بهذه الأهداف والتطلعات، ومن هنا فإن قرارها السياسي يكتسب إلى جانب شرعيته الدستورية والقانونية، شرعية وطنية وشعبية، وهذه الأخيرة تمثل الشرط الأساس والأول في نجاح أي قرار سياسي، وينتقل القرار السياسي ونتائجه، سواء في حالة الفشل، أو النجاح، إلى تراث الشعب وتاريخه.

الجهد الاستخباري :

هو جهد وقائي، حمايوي تمارسه أجهزة مختصة، في السعي لمعلومات تهم أمن الدولة كالتجسس، والخطط الإرهابية، والتصدي للهجمات الالكترونية، حماية نظم المعلومات الوطنية من الاستهداف الخارجي، وتحليل المعلومات المعطيات، وحماية أهداف السياسة الخارجية للدول.

تحليل المعلومات والمعطيات

التحليل هو جهد علمي لمعرفة المستقبل بأبعاده العامة، ومفرداته إن أمكن. من أجل وإجهاض واستباق نتائج الجهد المعادي، وتجنب الحوادث غير المنظورة ولمنع التهديد والكوارث والانهيار والفشل ولتسهيل اختراق العدو .

وتتيح نتائج الثوة العلمية التكنولوجية والإقحام المتزايد لمنتجاته، تضع أمام المحللين، وفرة كبيرة من المعلومات والمعطيات، هي بحاجة إلى خبراء وأخصائيين، من أجل نقل التحليلات إلى نتائج يعتمد عليها، ووضعها أمام صناع القرارات السياسية والجهات الحكومية التنفيذية.

فمهمات الاستخبارات يمكن تلخيصها: الحصول على معلومات وتحليلها، والتبليغ عن الاخطار المؤكدة والمحتملة ودرجة أرجحيتها، والهدف هو إجهاض واستباق العمل المعادي، قبل وقوعه، أما إذا وقع فمعنى ذلك ” فشل استخبارتي “

اكتشاف الخطر  والتهديد مبكراً،  وتجنب المباغتة , عن طريق الحصول على معلومات دقيقة، وتحليلها تحليلاً عمياً صائباً،  فالمباغتة حين نمارسها تعد نجاحاً، ومباغتتنا، هو فشل استخباري  يطلق عليه ” غفلة استخبارية “.

منهج التحليل الاستخباري  العلمي

تمر المعلومة بعدة مراحل تبدأ بتقديمها، ومنحها نسبة التوكيد، وصياغة تحليلنا، بأقصى درجة من الدقة وتقديمها لجهات صنع القرار. والتدرج في العمل قد يأخذ الطبيعة التالية:

  1. استلام المعلومة: أسلوب الاستلام، المصدر، درجة التوكيد،
  2. المقارنة بما قبلها: تجرى مقارنة دقيقة بين الموقف الحالي، والسابق، وتبيان درجة التفاوت، التناقض، التحولات، وفيما أذا يؤدي التحليل لإيضاح الصورة، يطلب تغطية الثغرات من مصادر أخرى .
  3. تجنب المبالغة، وأحكام الهوى، والتزام الدقة التامة، من أجل تقديم صورة واضحة يمكن البناء عليها.
  4. ظروف المعلومة : يذكر التحليل عن ظروف ورود المعلومة وكيفية حدوث حيثياتها.
  5. الرؤية العميقة: تقليب المعلومة على جوانب عدة، واكتشاف أبعادها وظروفها.
  6. الإنذار المبكر: وفي هذه المرحلة السادسة، وبعد تحديد الخطر الذي كشفته المعلومة بدرجته (العالية، المتوسطة، المنخفضة) لصناع القرار.
  7. الخارطة : يقدم التحليل تحركات العدو، وانشطته، وأبعادها وحجمها.
  8. الإجمالي : يبلغ التحليل صناع القرار، التنبؤ بمسار الاحداث وبالخط البياني ، وهدف العدو في محور الجهد المركزي، والمحاور الثانوية.

هذه الفقرات بتسلسلها هي التعامل مع المعلومات بمختلف أصنافها، فهي معلومات اكتسبت تسميتها من حيث الحاجة لها  :

آ. معلومات إخبارية.

ب. معلومات استكمال. وهي معلومات تستكمل ما هو متوفر لدى المركز الاستخباري. وتضيف لها وتسد الثغرات فيها.

ج. معلومات معالجة: وهي تلك المعلومات المطلوب  تقديمها لمواجهة موقف ما سريع.

د. معلومات وصفية  (جغرافية، الموقف الشعبي، معنويات القوات المسلحة،  معلومات تكمل ما هو موجود من اجل خلق تصور شامل.

هـ . معلومات كمية : احصائيات تساعد على معرفة الجهد الذي يمكن للعدو أن يوفره.

و . معلومات دورية : في متابعة دورية حول أهم التطورات  حول قضية أو قضايا مهمة (يومية، أسبوعية، شهرية، حولية، سنوية)

ز . معلومات إعلامية : متبعة ما يصدر في الاعلام، حول القضايا التي تعتبرها قيادة الدولة مهمة.

ح. معلومات نقطوية  : تقارير متابعة حول ملف محدد بالذات.

ك . معلومات طارئة : حول مستجدات في الوضع الراهن.

ان تطور علم المستقبليات، والدراسة الدقيقة المبنية على معطيات مادية، تزيد من دقة التخمينات والتقديرات والفرضيات وتقلل كثيرا من فاعلية المفاجأة  والمباغتة, من خلال جرس الانذار الذي تدقه الاجهزة الاستخبارية عن المخاطر المحتملة ,  وبالتالي ينتج الاستعداد والتهيؤ والتخطيط والقوة , كما ان التقديرات والتحليلات الجيدة  تقلصان الخطر بشكل كبير بل تؤديان الى وأده في مهده , كما لو ان الاستخبارات نبهت القيادة الى ان المعطيات التي لديها تشير الى ان هنالك هجوم سيحصل على النقطة الفلانية في التوقيت الفلاني , فحينها ستتهيأ القطعات ويتركز الاستطلاع ويقوم الجيش بضربات استباقية لتجمعات العدو مما يؤدي الى فشله .

وعندما نتحدث عن الانذار الذي تقدمه الاستخبارات لصانعي القرار , فاننا لانقصد من ذلك فقط الانذار بالهجوم من قبل العدو , فالانذار هنا يشمل كافة اشكال التهديدات كالخلل الامني والفكر المتشدد والتجسس والمخدرات والحرب والتمرد  والعصيان  والغليان الشعبي , والمؤشرات الااقتصادية  والاجتماعية، والتحليلات الدقيقة للأرقام والاحصاءيات، والجداول، وغيرها من المخاطر. وهذا الأمر يتطلب بداهة طواقم من الاختصاصيين، ومهارات عالية لكي يقوم الجهاز بعمل بفاعلية.

والافتقار إلى التخطيط الامني المناسب والمتنوع  المبني على اسس استخبارية صحيحة, يقود إلى مبادرات عشوائية ودفاعية شعبية تفتقر إلى القدرة على إحباط الهجمات الدقيقة، وليست رادعة بصفة تامة , والاعتماد في امن المدن على أسلوب إقامة السيطرات والافراط من الامن الوقائي الذي يتفاداه الارهابيون بسهولة. وكأن السلطات الأمنية تبحث عن أشخاص لا تعرفهم، مخربون أو متواطئون مع العدو تبحث عنهم.

خلاصة

التحليل الاستخباري هو بمثابة مجهر توضع فيه المعلومة تحت مجهر المعاينة لكشف ما فيها من زيف او حقائق, وتبيان ما تحويه من اشارات لمخاطر كبيرة او صغيرة , بأسلوب علمي منطقي يدرأ المخاطر ويفشل مخططات العدو , ولا يأتي التحليل الاستخباري بشكل اعتباطي او على يد شخوص مغرورين, وانما يأتي التحليل من خلال دراسات وسبر لعقلية العدو ورصد لكافة تحركاته واكتشاف لحيله ومناوراته, فالتحليل هو بحث بما سيكون لا بما هو كائن , ولا يتم ذلك الا من خلال حرب العقول التي تقودها الاجهزة الاستخبارية ومحلليها  ,

وبدراسة هذه المعطيات، يتبين لنا فحوى العمل والجهد الاستخباري وإلى ما يهدف، وبقدر تعلق الأمر بعمل البعثات، يتعين على القائمون على أمن البعثات الخارجية، وقد أحيطوا علماً بأهمية العمل الدبلوماسي وفحواه، وكذلك العمل الاستخباري وفحواه، وأساليب تغلغل الاستخبارات المعادية الأجنبية المعادية لبلادنا، ومحاولتها النيل من قوة ومنعة العمل الوطني بكافه فروعه. وأهم ما نريد التأكيد عليه هو ضميري وأخلاقي وشجاعة وإخلاص.

لتكن العيون مفتوحة لكي ينام الناس بأمن وأمان …

التعب سهل وهين، إذا حفظنا أمن الناس والبلد …

ملحق 1

نص أتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية

إن الدول الأطراف في هذه الاتفاقية، إذ تشير إلى أن شعوب جميع البلدان قد اعترفت منذ القدم بمركز المبعوثين الدبلوماسيين.

وإذ تذكر مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بشأن المساواة المطلقة بين الدول، وصيانة السلم والأمن الدوليين، وتعزيز العلاقات الودية بين الأمم، وإذ تعتقد أن عقد اتفاقية دولية للعلاقات والأمتيازات والحصانات الدبلوماسية يسهم في إنماء العلاقات الودية بين الأمم، رغم اختلاف نظمها الدستورية والاجتماعية، وإذ تدرك أن مقاصد هذه الأمتيازات والحصانات ليس لفائدة الأفراد، بل ضمان الأداء الفعال لوظائف البعثات الدبلوماسية بوصفها ممثلة للدول. وإذ تؤكد ضرورة استمرار قواعد القانون الدولي العرفي في تنظيم المسائل التي لم تنظمها صراحة أحكام هذه الاتفاقية:

قد اتفقت على ما يلي :

المادة (1)

يقصد في هذه الاتفاقية بالتعابير التالية، المدلولات المحددة لها أناه:

  1. يقصد بتعبير “رئيس البعثة ” الشخص الذي تكلفه الدولة المعتمدة بالتصرف بهذه الصفة.
  2. يقصد بتعبير ” أفراد البعثة ” رئيس وموظفو البعثة.
  3. يقصد بتعبير موظفو البعثة ” الموظفون الدبلوماسيون، والموظفون الإداريون والفنيين ومستخدمي البعثة.
  4. يقصد بتعبير ” الموظفون الدبلوماسيون ” موظفو البعثة ذو الصفة الدبلوماسية.
  5. يقصد بتعبير ” المبعوث الدبلوماسي ” رئيس البعثة أو أحد موظفيها الدبلوماسيين.
  6. يقصد بتعبير ” الموظفون الإداريون والفنيون ” موظفو البعثة العاملون في خدمتها الإدارية والفنية.
  7. يقصد بتعبير ” الخادم الخاص ” من يعمل في الخدمة المنزلية لأحد أفراد البعثة ولا يكون من مستخدمي الدولة المعتمدة.
  8. يقصد بتعبير ” دار البعثة ” المباني والأراضي الملحقة بها، بغض النظر عن مالكها، المستخدمة في أغراض البعثة بما فيها منزل رئيس البعثة.

المادة (2)

تقام العلاقات الدبلوماسية وتنشأ البعثات الدبلوماسية الدائمة بالرضا والتبادل.

المادة (3)

  1. تتألف أهم وظائف البعثة الدبلوماسية مما يلي:

أ ـ حماية مصالح الدولة المعتمد لديها.

ب ـ حماية مصالح الدولة المعتمدة ومصالح رعاياها في الدولة المعتمد لديها ضمن الحدود التي يقرها القانون الدولي.

ج ـ التفاوض مع حكومة الدولة المعتمد لديها.

د ـ استطلاع الأحوال والتطورات في الدولة المعتمد لديها بجميع الوسائل المشروعة وتقديم التقارير اللازمة عنها إلى حكومة الدولة المعتمدة.

هـ  تعزيز العلاقات الودية بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها وإنماء علاقاتهما الاقتصادية والثقافية والعلمية.

  1. يحظر تفسير أي حكم من أحكام هذه الاتفاقية على أنه يمنع البعثة الدبلوماسية من مباشرة الوظائف القنصلية.

المادة (4)

  1. يجب على الدولة المعتمدة التأكد من قبول الدولة المعتمد لديها للشخص المزمع اعتماده رئيساً للبعثة المنشأة فيها.
  2. لا تلتزم الحكومة المعتمد لديها بإبداء أسباب رفض القبول للدولة المعتمدة.

المادة (5)

  1. يجوز للدولة المعتمدة بعد إرسال الإعلان اللازم إلى الدولة المعتمد لديها المعنية، اعتماد رئيس بعثة أو انتداب أحد الموظفين الدبلوماسيين حسب الحالة لدى عدة دول، ما لم تقم أحدى الدول المعتمد لديها بالاعتراض صراحة على ذلك.
  2. يجوز لرئيس البعثة أو لأي موظف دبلوماسي فيها تمثيل الدولة المعتمدة لدى أية منظمة دولية.

المادة (6)

 يجوز لدولتين أو أكثر اعتماد شخص واحد رئيس بعثة لدى دولة أخرى، ما لم تعترض الدولة المعتمد لديها على ذلك.

المادة (7)

يجوز للدولة المعتمدة، مع مراعاة أحكام الموالد 5و9و11 تعين موظفي البعثة بحرية، ويجوز للدولة المعتمد لديها أن تقتضي في حالة الملحقين العسكريين أو البحريين أو الجويين، موافاتها بأسمائهم مقدماً للموافقة عليها.

المادة (8)

  1. يجب مبدئياً أن يحمل الموظفون الدبلوماسيون جنسية الدولة المعتمدة.
  2. لا يجوز تعين دبلوماسيين ممن يحملون جنسية الدولة المعتمد لديها إلا برضاها، ويجوز لها سحب هذا الرضا في أي وقت.
  3. يجوز للدولة المعتمد لديها الاحتفاظ بهذا الحق بالنسبة إلى مواطني دولة ثالثة لا يكونون في الوقت نفسه من مواطني الدولة المعتمدة.

المادة (9)

  1. يجوز للدولة المعتمد لديها، في جميع الأوقات ودون بيان أسباب قرارها، أن تعلن الدولة المعتمدة أن رئيس البعثة أو أي موظف دبلوماسي فيها شخص غير مرغوب فيه، أو أن أي موظف آخر فيها غير مقبول . وفي هذه الحالة، تقوم الدولة المعتمدة، حسب الاقتضاء، إما باستدعاء الشخص المعني، أو بإنهاء خدمته في العثة. ويجوز إعلان شخص ما غير مرغوب فيه أو غير مقبول قبل وصوله إلى إقليم الدولة المعتمد لديها.
  2. يجوز للدولة المعتمد لديها، أن ترفض الاعتراف بالشخص المعني فرداً في البعثة، إن رفضت الدولة المعتمدة أو قصرت خلال فترة معقولة من الزمن عن الوفاء بالتزاماتها المترتبة عليها بموجب الفقرة(1) من هذه المادة.

المادة (10)

  1. تعلن وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها، أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها بما يلي:

أ ـ تعين أفراد البعثة ووصولهم ومغادرتهم النهائية أو إنهاء خدماتهم في البعثة.

ب ـ وصول أي فرد من أسرة أحد أفراد البعثة ومغادرته النهائية، حصول نقص أو زيادة في عدد أفراد تلك الأسرة حسب الاقتضاء.

ج ـ وصول الخدم الخاصين العاملين في خدمة الأشخاص المشار إليهم في البند(آ) من هذه الفقرة ومغادرتهم النهائية، وتركهم خدمة هؤلاء الأشخاص عند الاقتضاء.

د ـ تعين وفصل الأشخاص المقيمين في الدولة المعتمد لديها، كأفراد في البعثة أو كخدم خاصين يحق لهم التمتع بالأمتيازات والحصانات.

  1. يرسل كذلك عند الإمكان، إعلان مسبق بالوصول أو المغادرة النهائية.

المادة (11)

  1. يجوز للدولة المعتمد لديها، عند عدم وجود اتفاق صريح بشأن عدد أفراد البعثة اقتضاء الاحتفاظ بعدد أفراد العثة في حدود ما تراه معقولاً وعادياً مع مراعاة الظروف والأصول السائدة في الدولة المعتمد لديها وحاجات البعثة المعنية.
  2. ويجوز كذلك للدولة المعتمد لديها أن ترفض، ضمن هذه الحدود وبدون تمييز قبول أي موظفين من فئة معينة.

المادة (12)

لا يجوز للدولة المعتمدة، بدون رضا سابق من الدولة المعتمد لديها، أنشاء مكاتب تكون جزءاً من البعثة في غير الأماكن التي أنشئت فيها البعثة.

المادة (13)

  1. يعتبر رئيس البعثة متولياً وظيفته في الدولة المعتمد لديها منذ تقديمه أوراق اعتماده أو منذ إعلانه لوصوله وتقديم صورة طبق الأصل من أوراق اعتماده، وذاك وفقاً لما جرى عليه العمل في الدولة المذكورة مع مراعاة وحدة التطبيق.
  2. يحدد ترتيب تقديم أوراق الاعتماد أو صورة طبق الأصل عنها حسب تاريخ وساعة وصول رئيس البعثة.

المادة (14)

  1. ينقسم رؤساء البعثات إلى الفئات الثلاث التالية :

أ ـ السفراء أو القاصدون الرسوليون المعتمدون لدى رؤساء الدول ورؤساء البعثات الآخرين ذو الرتبة المماثلة.

ب ـ المندوبون، والوزراء والمفوضون والقاصدون الرسوليون الوكلاء المعتمدون لدى رؤساء الدول.

ج ـ القائمون بالأعمال المعتمدون لدى وزارة الخارجية.

  1. لا يجوز التمييز بين رؤساء البعثات بسبب فئاتهم، إلا فيما يتعلق بحق التقدم و” الأتيكيت”.

المادة (15)

تتفق الدول فيما بينها على الفئة التي ينتمي إليها رؤساء البعثات.

المادة (16)

  1. يترتب تقدم رؤساء البعثات المنتمين لفئة واحدة حسب تاريخ وساعة توليهم وظائفهم بمقتضى أحكام المادة(13).
  2. لا يتأثر تقدم رئيس البعثة بأية تعديلات تتناول أوراق اعتماده ولا تستتبع تغيراً في فئته.
  3. لا تخل أحكام هذه المادة بأي عمل تجري عليه الدولة المعتمد لديها فيما يتعلق بتقديم مندوبي الكرسي البابوي.

المادة(17)

يقوم رئيس البعثة بإعلام وزارة الخارجية أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها بترتيب تقدم الدبلوماسيين في البعثة.

المادة (18)

تراعي كل دولة أتباع إجراء واحد في استقبال رؤساء البعثات المنتمين إلى فئة واحدة.

المادة (19)

  1. تسند رئاسة البعثة مؤقتاً إلى قائم بالأعمال مؤقت، إذا شغر منصب رئيس البعثة أو تعذر على رئيس البعثة مباشرة وظائفه، ويقوم رئيس البعثة أو وزارة خارجية الدولة المعتمدة إذا تعذر عليه ذلك بإعلام وزارة الخارجية الدولة المعتمد لديها أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها بأسم القائم بالأعمال المؤقت.
  2. ويجوز للدولة المعتمدة، عند عدم وجود أي موظف دبلوماسي لبعثتها في الدولة المعتمد لديها، أن تعين برضا هذه الدولة، أحد الموظفين الإداريين والفنيين لتولي الشؤون الإدارية الجارية للبعثة.

المادة (20)

يحق لرئيس البعثة رفع علم الدولة المعتمدة وشعارها على دار البعثة بما فيها منزل رئيس البعثة وعلى وسائل نقله.

المادة (21)

  1. يجب على الدولة المعتمد لديها إما أن تيسر، وفق قوانينها، اقتناء الدار اللازمة في إقليمها للدولة المعتمدة، أو أن تساعدها على الحصول على المساكن اللائقة لأفرادها.

المادة (22)

  1. تكون حرمة دار البعثة مصونة، ولا يجوز لمأموري الدولة المعتمد لديها دخولها إلا برضا رئيس البعثة.
  2. يترتب على الدولة المعتمد لديها التزام خاص بأـخاذ جميع التدابير المناسبة لحماية دار البعثة من أي اقتحام أو ضرر ومنع أي إخلال بأمن البعثة أو مساس بكرامتها.
  3. تعفى دار البعثة وأثاثها وأموالها الأخرى الموجودة فيها ووسائل النقل التابعة لها من إجراءات التفتيش أو الاستيلاء أو الحجز أو التنفيذ.

المادة (23)

  1. تعفي الدولة المعتمدة ويعفى رئيس البعثة بالنسبة لمرافق البعثة، المملوكة أو المستأجرة من جميع الرسوم والضرائب القومية والإقليمية والبلدية ما لم تكن مقابل خدمات معينة.
  2. لا يسري الإعفاء المنصوص عليه في هذه المادة على تلك الرسوم والضرائب الواجبة، بموجب قوانين الدولة المعتمد لديها على المتعاقدين مع الدولة المعتمدة أو مع رئيس البعثة.

المادة (24)

تكون حرمة محفوظات البعثة ووثائقها مصونة دائماً أيا كان مكانها.

المادة (25)

تقوم الدولة المعتمد لديها جميع التسهيلات اللازمة لمباشرة وظائف البعثة.

المادة (26)

تكفل الدولة المعتمد لديها حرية الانتقال والسفر في إقليمها لجميع أفراد البعثة مع عدم الإخلال بقوانينها وأنظمتها المتعلقة بالمناطق المحظورة أو المنظم دخولها لسباب تتعلق بالأمن القومي.

المادة (27)

  1. تجيز الدولة المعتمد لديها للبعثة حرية الاتصال لجميع الأغراض الرسمية، وتصون هذه الحرية. ويجوز للبعثة عند اتصالها بحكومة الدولة المعتمدة وبعثاتها وقنصلياتها الأخرى أينما وجدت، أن تستخدم جميع الوسائل المناسبة بما في ذلك الرسل الدبلوماسيين والرسائل المرسلة بالرموز، أو الشفرة، ولا يجوز مع ذلك للبعثة تركيب أو استخدام جهاز إرسال إلا برضا الدولة المعتمدة لديها.
  2. تكون حرمة المراسلات الرسمية مصونة. ويقصد بالمراسلات الرسمية جميع المراسلات الرسمية المتعلقة بالبعثة ووظائفها.
  3. لا يجوز فتح الحقيبة الدبلوماسية أو حجزها.
  4. يجب أن تحمل الطرود التي تتألف منها الحقيبة علامات خارجية ظاهرة تبين طبيعتها ولا يجوز أن تحتوي إلى الوثائق والمواد المعدة للاستعمال الرسمي.
  5. تقوم الدولة المعتمد لديها بحماية الرسول الدبلوماسي أثناء قيامه بوظيفته، على أن يكون مزوداً بوثيقة رسمية تبين مركزه وعدد الطرود التي تتألف منها الحقيبة الدبلوماسية، ويتمتع شخصه بالحصانة ولا يجوز إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال.
  6. يجوز للدولة المعتمدة أو للبعثة تعين رسول دبلوماسي خاص. وتسري هذه الحالة أيضاً أحكام الفقرة (5) من هذه المادة. وينتهي سريان الحصانات المذكورة فيها بقيام مثل هذا الرسول بتسليم الحقيبة الدبلوماسية الموجودة في عهدته إلى المرسل إليه.
  7. ويجوز أن يعهد بالحقيبة الدبلوماسية إلى ربان أحدى الطائرات التجارية المقرر هبوطها في أحد موانئ الدخول المباحة. ويجوز تزويد الربان بوثيقة رسمية تبين عدد الطرود التي تتألف منها الحقيبة الدبلوماسية، ولكنه لا يعتبر رسولاً دبلوماسياً، ويجوز للبعثة إيفاد أحد أفرادها لتسلم الحقيبة الدبلوماسية من ربان الطائرة بصورة حرة مباشرة.

المادة (28)

تعفى الرسوم والمصاريف التي تتقاضاها البعثة أثناء قيامها بوجباتها الرسمية من جميع الرسوم والضرائب.

المادة (29)

تكون حرمة شخص المبعوث الدبلوماسي مصونة، ولا يجب إخضاعه لأية صورة من صور القبض أو الاعتقال، ويجب على الدولة المعتمد لديها معاملته بالاحترام اللائق واتخاذ جميع التدابير المناسبة لمنع أي اعتداء على شخصه أو كرامته.

المادة (30)

  1. يتمتع المنزل الخاص الذي يقطنه المبعوث الدبلوماسي بذات الحصانة والحماية اللتين تتمتع بها دار البعثة.
  2. تتمتع كذلك بالحصانة أوراقه ومراسلاته، كما تتمتع بها أمواله مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة 3 من المادة 31.

المادة (31)

  1. يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية فيما يتعلق بالقضاء الجنائي للدولة المعتمد لديها، وكذلك فيما يتعلق بقضائها المدني والإداري إلا في الحالات الآتية:

أ ـ الدعاوى العينية المتعلقة بالأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتد لديها، ما لم تكن حيازته لها بالنيابة عن الدولة المعتمدة لاستخدامه في أغراض البعثة.

ب ـ الدعاوى المتعلقة بشؤون الإرث والتركات، والتي يدخل فيها بوصفه منفذاً أو مديراً أو وريثاً أو موصى له، وذلك بالأصالة عن نفسه لا بالنيابة عن الدولة المعتمدة.

ج ـ الدعاوى المتعلقة بأي نشاط مهني أو تجاري يمارسه في الدولة المعتمد لديها خارج وظائفه الرسمية.

  1. يتمتع المبعوث الدبلوماسي بالإعفاء من أداء الشهادة.
  2. لا يجوز اتخاذ أية إجراءات تنفيذية إزاء المبعوث الدبلوماسي إلا في الحالات المنصوص عليها في البنود(أ) و(ب) من الفقرة (1) من هذه المادة، ويشترط إمكان اتخاذ تلك الإجراءات دون المساس بحرمة شخصه أو منزله.
  3. تمتع المبعوث الدبلوماسي بالحصانة القضائية في الدولة المعتمد لديها لا يعفيه من قضاء الدولة المعتمدة.

المادة(32)

  1. يجوز للدولة المعتمدة أن تتنازل عن الحصانة القضائية التي يتمتع بها المبعوثون الدبلوماسيون والأشخاص المتمتعون بها بموجب المادة 37
  2. يكون التنازل صريحاً في جميع الأحوال.
  3. لا يحق للمبعوث أو للشخص المتمتع بالحصانة القضائية بموجب المادة 37 إن إقامة أية دعوىـ الاحتجاج بالحصانة القضائية بالنسبة إلى أي طلب عارض يتصل مباشرة بالطلب الأصلي.
  4. إن التنازل عن الحصانة القضائية بالنسبة إلى أية دعوى مدنية أو إدارية لا ينطوي على أي تنازل عن الحصانة بالنسبة إلى تنفيذ الحكم، بل لا بد في هذه الحالة الأخيرة من تنازل مستقل.

المادة (33)

  1. يعفى المبعوث الدبلوماسي، بالنسبة إلى الخدمات المقدمة إلى الدولة ألمعتمده من أحكام الضمان الاجتماعي التي قد تكون نافذة في الدولة المعتمدة لديها، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة 3 من هذه المادة.
  2. كذلك يسري الإعفاء المنصوص عليه في الفقرة(1) من هذه المادة على الخدم الخاصين العاملين في خدمة المبعوث الدبلوماسي وحده.

أ ـ إن لم يكونوا من مواطني الدولة المعتمد لديها أو من المقيمين فيها إقامة دائمية.

ب ـ وكانوا خاضعين لأحكام الضمان الاجتماعي التي قد تكون نافذة في الدولة المعتمدة أو في أية دولة أخرى.

  1. يجب على المبعوث الدبلوماسي الذي يستخدم أشخاصاً لا يسري عليهم الإعفاء المنصوص عليه في الفقرة(2) من هذه9 المادة، أن يراعي الالتزامات التي تفرضها أحكام الضمان الاجتماعي على أرباب العمل.
  2. لا يمنع الإعفاء المنصوص عليه في الفقرتين، أو من هذه المادة من الاشتراك الاختياري في نظام الضمان الاجتماعي الساري في الدولة المعتمد لديها إن أجازت مثل هذا الاشتراك.
  3. لا تخل أحكام هذه المادة باتفاقات الضمان الاجتماعي الثنائية أو المتعددة الأطراف القائمة ولا تحول دون عقد مثلها في المستقبل.

المادة (34)

يعفى المبعوث الدبلوماسي من جميع الرسوم والضرائب الشخصية أو العينية أو القومية أو الإقليمية أو البلدية، باستثناء ما يلي:

  1. الضرائب غير المباشرة التي تخول أمثاله إعادة في ثمن الأموال أو الخدمات.
  2. الرسوم والضرائب المفروضة على الأموال العقارية الخاصة الكائنة في إقليم الدولة المعتمد لديها، ما لم تكن في حيازته بالنيابة عن الدولة المعتمدة لاستخدامها في أغراض البعثة.
  3. الضرائب التي تفرضها الدولة المعتمدة لديها على التركات مع عدم الإخلال بأحكام الفقرة 4 من المادة 39.
  4. الرسوم والضرائب المفروضة على الدخل الخاص الناشئ في الدولة المعتمدة لديها، والضرائب المفروضة على رؤوس الأموال المستثمرة في المشروعات التجارية القائمة في تلك الدولة.
  5. المصاريف المفروضة مقابل خدمات معينة.
  6. رسوم التسجيل والتوثيق والرهن العقاري والدمغة والرسوم القضائية بالنسبة إلى الأموال العقارية، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام المادة (23).
  7. تقوم الدولة المعتمد لديها بإعفاء المبعوثين الدبلوماسيين من جميع أنواع الخدمات الشخصية والعامة. ومن الالتزامات والأعباء العسكرية كالخضوع لتدابير الاستيلاء وتقديم التبرعات وتوفير السكن.

المادة (35)

  1. تقوم الدولة المعتمد لديها، وفقاً لما تسنه من قوانين وأنظمة، بالسماح بدخول المواد الآتية وإعفائها من جميع الرسوم الجمركية والضرائب والتكاليف الأخرى غير تكاليف التخزين والنقل والخدمات المماثلة:

أ ـ المواد المعدة لاستعمال البعثة الرسمي.

ب ـ المواد المعدة للاستعمال الخاص للمبعوث الدبلوماسي أو لأفراد أسرته من أهل بيته، بما في ذلك المواد المعدة لاستقراره.

  1. تعفى الأمتعة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي من التفتيش/ ما لم توجد أسباب تعفي الأمتعة الشخصية للمبعوث الدبلوماسي من التفتيش، ما لم توجد أسباب تدعو إلى الافتراض بأنها مواد لا تشملها الإعفاءات المنصوص عليها في الفقرة 1 من هذه المادة، أو مواد يحظر القانون استيرادها أو تصديرها، أو مواد تخضع لأنظمة الحجر الصحي في الدولة المعتمد لديها، ولا يجوز إجراء التفتيش إلا بحضور المبعوث أو ممثله المفوض.

المادة (36)

  1. يتمتع أفراد أسرة المبعوث الدبلوماسي من أهل بيته، إن لم يكونوا من مواطني الدولة المعتمد لديها ، بالأمتيازات والحصانات المنصوص عليها في المواد 36ـ39
  2. يتمتع موظفو البعثة الإداريون والفنيون، وكذلك أفراد أسرهم من أهل بيتهم، إن لم يكونوا من مواطني الدولة المعتمد لديها أو من المقيمين فيها إقامة دائمية، بالأمتيازات والحصانات المنصوص عليها في المواد 34 ـ 35 شرط أن لا تمتد الحصانة المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 31 فيما يتعلق بالقضاء المدني والإداري للدولة المعتمد لديها إلى الأعمال التي يقومون بها خارج نطاق واجباتهم. ويتمتعون كذلك بالأمتيازات المنصوص عليها في الفقرة 1 من المادة 36 بالنسبة إلى المواد التي يستوردونها أثناء أول استقرار لهم.
  3. يتمتع مستخدمو البعثة الذين ليسوا من مواطني الدولة المعتمد لديها أو المقيمين إقامة دائمية بالحصانة بالنسبة إلى الأعمال التي يقومون بها أثناء أدائهم واجباتهم، وبالإعفاء من الرسوم والضرائب فيما يتعلق بالمرتبات التي يتقاضونها لقاء خدمتهم، وبالإعفاء المنصوص عليه في المادة 33.
  4. يعفى الخدم الخاصون العاملون لدى أفراد البعثة، إن لم يكونوا من مواطني الدولة المعتمد لديها أو المقيمين فيها إقامة دائمة، من الرسوم والضرائب فيما يتعلق بالمرتبات التي يتقاضونها لقاء خدمتهم، ولا يتمتعون بغير ذلك من الأمتيازات والحصانات إلا بقدر ما تسمح به الدولة المعتمد لديها. ويجب على هذه الدولة مع ذلك أن تتحرى، في ممارسة ولايتها بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص وعدم التدخل الزائد فيما يتعلق بأداء وظائف البعثة.

المادة (37)

  1. لا يتمتع المبعوث الدبلوماسي الذي يكون من مواطني الدولة المعتمد لديها أو من المقيمين فيها إقامة دائمية، إلا بالحصانة القضائية وبالحرمة الشخصية بالنسبة للأعمال الرسمية التي يقوم بها بمناسبة ممارسة وظائفه، وذلك ما لم تمنحه الدولة المعتمد لديها أمتيازات وحصانات إضافية.
  2. لا يتمتع موظفو البعثة الآخرون والخدم الخاصون الذين يكونون من مواطني الدولة المعتمد لديها أو المقيمين فيها إقامة دائمية بالأمتيازات والحصانات إلا بقدر ما تسمح به الدولة المذكورة. ويجب على هذه الدولة مع ذلك أن تتحرى في ممارسة ولايتها بالنسبة إلى هؤلاء الأشخاص عدم التدخل الزائد في أداء وظائف البعثة.

المادة (38)

  1. يجوز لصاحب الحق في الأمتيازات والحصانات أن يتمتع بها منذ وصوله إقليم الدولة المعتمد لديها لتولي منصبه، أو منذ إعلان تعينيه إلى وزارة الخارجية أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها، إن كان موجوداً في إقليمها.
  2. تنتهي عادة أمتيازات وحصانات كل شخص انتهت مهمته بمغادرة البلاد أو بعد انقضاء مدة معقولة من الزمن تمنح له لهذا الغرض، ولكنها تضل قائمة إلى ذلك الوقت، حتى في حالة وجود نزاع مسلح. وتستمر الحصانة قائمة، مع ذلك بالنسبة للأعمال التي يقوم بها هذا الشخص أثناء أداء وظيفته بوصفه أحد أفراد البعثة.
  3. يستمر أفراد أسرة المتوفى من أفراد البعثة، في التمتع بالأمتيازات والحصانات التي يستحقونها حتى انقضاء فترة معقولة من الزمن ممنوحة لمغادرة البلاد.
  4. تسمح الدولة المعتمد لديها أن توفي أحد أفراد البعثة ولم يكن من مواطنيها أو المقيمين فيها إقامة دائمية، أو توفي أحد أفراد أسرته من أهل بيته، بسحب أموال المتوفى المنقولة، باستثناء أية أموال يكون قد أكتسبها في البلاد ويكون تصديرها محضوراً وقت وفاته. ولا يجوز إعفاء ضرائب التركات على الأموال المنقولة التي تكون موجودة في الدولة المعتمد لديها لمجرد وجود المتوفى فيها بصفة أحد أفراد البعثة أو أحد أفراد أسرته.

المادة (39)

  1. تقوم الدولة الثالثة المعنية بمنح الحصانة الشخصية وغيرها من الحصانات التي يقتضيها ضمان المرور أو العودة لكل مبعوث دبلوماسي يحمل جواز سمة لازمة منها ويكون ماراً بإقليمها أو موجوداً فيه في طريقه إلى تولي منصبه في درجة أخرى، أو في طريق العودة إليه أو إلى بلاده ذات الحكم على أيفرد من أسرته يكون متمتعاً بالأمتيازات والحصانات ومسافراً صحبته أو بمفرده للالتحاق به أو للعودة إلى بلاده.
  2. لا يجوز للدولة الثالثة في مثل الظروف المنصوص عليها في الفقرة1 من هذه المادة، إعاقة مرور الموظفين الإداريين والفنيين أو المستخدمين في أحدى البعثات وأفراد أسرهم بأقاليمها.
  3. تقوم الدولة الثالثة بمنح أنواع المراسلان بإقليمها بما في ذلك الرسائل المرسلة بالرموز أو الشفرة، نفس الحرية والحماية الممنوحتين لها في الدولة المعتمد لديها. وكذلك تمنح الرسل الدبلوماسيين الذين تحمل جوازاتهم السمات اللازمة، والحقائب الدبلوماسية أثناء المرور بأقاليمها، نفس الحصانة والحماية اللتين يتعين على الدولة المعتمدة منحا.
  4. تترتب كذلك على الدولة الثالثة ذات الالتزامات المترتبة عليها بموجب الفقرات 1 و 2 و 3 من هذه المادة، إن كانت القوة القاهرة هي التي أوجدت في إقليمها الأشخاص والمراسلات الرسمية والحقائب الدبلوماسية المنصوص عليهم أو عليها في تلك الفقرات على التوالي.

المادة (40)

  1. يجب على جميع المتمتعين بالأمتيازات والحصانات، مع عدم الإخلال بها، احترام قوانين الدولة المعتمد لديها وأنظمتها، ويجب عليهم كذلك عدم التدخل في شؤونها الداخلية.
  2. يجب في التعامل مع الدولة المعتمد لديها بشأن الأعمال الرسمية، التي تسندها الدولة المعتمدة إلى البعثة، أن يجري مع وزارة خارجية الدولة المعتمد لديها أو عن طريقها، أو أية وزارة أخرى قد يتفق عليها.
  3. يجب ألا تستخدم دار البعثة بأية طريقة تتنافى مع وظائف البعثة كما هي مبينة في هذه الاتفاقية أو غيرها من قواعد القانون الدولي العام أو في أية اتفاقيات خاصة بين الدولة المعتمدة والدولة المعتمد لديها.

المادة (41)

لا يجوز للمبعوث الدبلوماسي أن يمارس في الدولة المعتمد لديها أي نشاط مهني أو تجاري لمصلحته الشخصية.

المادة (42)

من حالات انتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي ما يلي:

  1. إعلان الدولة المعتمد لدولة المعتمد لديها بانتهاء مهمة المبعوث الدبلوماسي.
  2. إعلان الدولة المعتم لديها للدولة المعتمدة برفضها وفقاً لأحكام الفقرة 2 من المادة 9 الاعتراف بالمبعوث الدبلوماسي فرداً في البعثة.

المادة (43)

يجب على الدولة المعتمد لديها حتى في حالة وجود نزاع مسلح، منح التسهيلات اللازمة لتمكين الأجانب المتمتعين بالأمتيازات والحصانات، وتمكين أفراد أسرهم أياً كانت جنسيتهم، من مغادرة إقليمها في أقرب وقت ممكن. ويجب عليها بصفة خاصة وعند الاقتضاء، أن تضع تحت تصرفهم وسائل النقل اللازمة لنقلهم ونقل أموالهم.

المادة (44)

تراعي في حالة قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين أو الاستدعاء المؤقت أو الدائم لأحدى البعثات، الأحكام التالية:

  1. يجب على الدولة المعتمد لديها حتى في حالة وجود نزاع مسلح، احترام وحماية دار البعثة، وكذلك أموالها ومحفوظاتها.
  2. يجوز للدولة المعتمدة أن تعهد بحراسة دار البعثة، وكذلك أموالها ومحفوظاتها، إلى دولة ثالثة تقبل بها الدولة المعتمد لديها.
  3. يجوز للدولة المعتمدة أن تعهد بحماية مصالحها ومصالح مواطنيها إلى دولة ثالثة تقبل بها الدولة المعتمد لديها.

المادة (45)

يجوز لأية دولة معتمدة تطلب إليها ذلك أية دولة ثالثة غير ممثلة في الدولة المعتمد لديها، أن تتولى مؤقتاً وبعد موافقة هذه الأخيرة حماية مصالح تلك الدولة الثالثة وحماية موكلها.

المادة (46)

  1. لا يجوز للدولة المعتمد لديها التمييز بين الدول في تطبيق أحكام هذه الاتفاقية.
  2. لا يعتبر مع ذلك أن هناك تميزاً إذا :

أ ـ طبقت الدولة المعتمد لديها أحد أحكام هذه الاتفاقية تطبيقاً ضيقاً بسبب تطبيقه الضيق على بعثتها في الدولة المعتمدة.

ب ـ إذا تبادلت الدول، بمقتضى العرف أو الاتفاق، معاملة أفضل مما تتطلبه هذه الاتفاقية.

المادة (47)

تعرض هذه الاتفاقية لتوقيع جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أو في أحدى الوكالات المتخصصة أو الأطراف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية. وجميع الدول الأخرى التي تدعوها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن تصبح طرفاً فيها وذلك حتى 31/تشرين الأول ـ أكتوبر / 1961 في وزارة الخارجية المركزية للنمسا. وبعدئذ حتى 31 / آذار ـ مارس / 1962 في مقر الأمم المتحدة بنيويورك.

المادة (48)

تخضع هذه الاتفاقية للتصديق، وتودع وثائق التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

المادة (49)

تظل هذه الاتفاقية معروضة لإنظمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

المادة (50)

  1. تنفذ هذه الاتفاقية في اليوم الثلاثين من تاريخ إيداع الوثيقة الثانية والعشرين من وثائق التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.
  2. وتنفذ هذه الاتفاقية بالنسبة إلى كل دولة تصدق عليها أو تنضم إليها بعد إيداع الوثيقة الثانية والعشرين من وثائق التصديق أو الإنظمام في اليوم الثلاثين من إيداعها وثيقة تصديقها أو أنظماها.

المادة (51)

ينهي الأمين العام إلى جميع الدول المنتمية إلى أحدى الفئات الأربع المنصوص عليها في المادة 48 ما يلي :

  1. التوقيعات والإيداعات الحاصلة وفقاً للمواد 48 و49 و50.
  2. تاريخ نفاذ هذه الاتفاقية وفقاً للمادة 51.

المادة (52)

تودع أصل هذه الاتفاقية المحررة بخمس لغات رسمية متساوية في الأسبانية، والإنكليزية، والروسية، والصينية، والفرنسية، لدى الأمين العام للأمم المتحدة، الذي يقوم بإرسال صورة مصدقة عنه إلى جميع الدول المنتمية إلى أحدى الفئات الأربع المنصوص عليها في المادة 48.

وإثباتاً لما تقدم، قام المفوضون الواردة أسمائهم أدناه بتوقيع هذه الاتفاقية بعد تقديم تفويضاتهم التي وجدت مستوفية للشكل حسب الأصول.

حررت في فيينا في اليوم الثامن عشر من شهر نيسان ـ أبريل عام ألف وتسعمائة وواحد وستين.

المركز العربي الألماني

برلين

إلياس بازنا     (شيشرون)

د. ضرغام الدباغ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراسلات

Dr. Dergham Al Dabak : E-Mail: drdurgham@yahoo.de

إلياس بازنا (شيشرون)

إلياس بازنا (Elyesa Bazna) مواطن ألباني الأصل، ولد في مدينة بريستينا (Pristina)  بأقليم كوزوفو بالبانيا، عام 1904 هاجر من بلدته، بعد أن شهد بعينية مقتل عائلته على أيدي المتطرفين، ضمن أحداث دموية اجتاحت مناطق البلقان، واقليم كوزوفو أشتهر لاحقا أيضاً بأحداثه الدموية، ومن المؤكد أن هذه الذكريات قد حفرت في ذاكرته صوراً مرعبة، وذكريات قد تدفعه لفعل أشياء لا يفكر بها، تكمن ذي أعماق فكره .

بعد الاضطرابات التي شهدها في مسقط رأسه، لم يكن صعباً على عائلة إلياس الوصول إلى تركيا، قبل الحرب العالمية الأولى، وهو (إلياس ما يزال صبياً) فالعلاقة الألبانية ــ التركية حميمة، سمحت لإلياس أن يصل إلى تركيا ويقيم فيها كواحد من أبناءها، وهو يجيد التركية، وأمتهن مهناً عديدة ليكسب عيشه، في معسكرات الجيش الفرنسي في فرنسا، وعاملاً لدى شركة شحن في تركيا، ثم خادماً لمدة سبع سنوات لدى السفير اليوغوغسلافي، ثم لدى الملحق العسكري الأمريكي، ثم تعلم الغناء على يد مدرب ألماني، ثم خادماً لدى رجل أعمال  ألماني، فخادماً لدى السكرتير الأول في السفارة البريطانية في أنقرة، ومنها توصل لأن يكون الخادم الخاص للسفير البريطاني في أنقرة السير هوغي مونتغمري (تشرين الأول / 1943)، وكان حتى ذلك الوقت متزوجاً وله أربعة من الأطفال، وهنا ابتدأت مرحلة جديدة من حياته.

سيبقى إلياس في خدمة السفير البريطاني حتى آذار / 1944، وكان السفير البريطاني قد دأب على عادة غير حميدة، مخالفة لأصول وقواعد العمل والتعامل مع الوثائق السرية والحفاظ عليها، وهي جلب الملفات السرية  والفائقة الأهمية إلى جناح سكنه ليعمل عليها، وهنا أدرك إلياس أن بوسعه أن يضرب ضربته وينتهي من حياة الخدمة وتلبية الطلبات التى كان يجد بعضها سخيفاً كأن يطلب منه تدليك السفير، أن يرفع صوته بالغناء أثناء استمتاع سعادة السفير في البانيو الساخن.

وجد إلياس الملفات في متناول يده، أو يسهل الوصول إليها، فطرأت في باله الفكرة: أن يصور هذه الوثائق بكاميرا عادية ولكنها قوية من نوع لايكا (Leica) الألمانية، ومضى يصور كل يقع تحت يده. وقام بجرأة بالغة بالاتصال برجال السفارة الألمانية، وعرض عليهم ببساطة شديدة وثائق بريطانية مؤشر عليها أنها بالغة السرية  (Top secret) وطلب مقابلها مبالغ باهظة تتراوح بين 20 إلى 30 ألف باون استرليني، وبعد أن تأكد رجل الأمن الألماني الملحق بالسفارة الألمانية بأنقرة من صحة الوثائق، وبعد أن أحاط سفيره فرانتز فون بابن (الشخصية الألمانية الرفيعة)، استأذن مراجعه في العاصمة برلين التي وافقت على هذا العرض. ومنح الأسم السري (الكودي) شيشرون. هذا الأسم الروماني التاريخي الشهير لأحد أهم رجال وشخصيات الامبراطورية الرومانية.

 والواقع أن إلياس (شيشرون) لم يكن يهمه كثيراً من ينتفع ومن يخسر من جراء عمله، ولم تكن له دوافع سياسية، أو أخلاقية سوى جمع المال التي أقام خططه أن يتمكن أخيرا من أن يهنأ بحياة رغيدة ورفاهية، ويتمكن من خلال المال أن يحل مشاكله العائلية والعاطفية، ويضمن مستقبله، فهو لم يفعل ذلك بدوافع الحب أو الكراهية لا لألمانيا ولا لبريطانيا، كما أنه لم يكن يشعر أن يقوم بخيانة أحد (كمشاعر وطنية) بل وربما فكر في نفسه أن جميع هذه القوى الدولية الكبيرة بطريقة ما أوغاد ومجرمين ولا يبالون بحياة ومصائر البشر، والناس الذين تعامل معهم من الإنكليز أو الألمان، لم يكونوا يستحقون المحبة أو الاحترام، لذلك لم يكن هناك وازع أخلاقي يردعه عن عما يقوم به من عمل. وبلغ مجموع ما تقاضاه إلياس من السفارة الألمانية مبلغاً يناهز المليون ونصف من الباونات، ولكن تبين فيما بعد أن معظمها كان مزوراً.

المعلومات (الوثائق) البريطانية التي أوصلها إلياس إلى الألمان النازيين، كانت في بعضها خطيرة الأهمية ومن تلك محاولات بريطانيا سحب تركيا للدخول في الخرب، وكذلك الخطط البريطانية للإنزال في أوربا (نورماندي)، التي حدثت فعلاً في 4/ حزيران / 1944، ولكن تعامل الألمان لم يكن بالجدية التي تستحقها الوئائق المسربة، فهناك جهات في برلين، الاستخبارات الألمانية، قررت أن الوثائق صحيحة وتستحق الاهتمام، رأى وزير الخارجية يواخيم فون ريبنتروب (Jochim von Ribbentrop) أنها مزورة من الانكليز، المقصود منها تضليل الألمان، وبذلك يمكن القول أن ألمانيا لم تستفيد كما ينبغي من المعلومات الثمينة التي كان إلياس (شيشرون) يقدمها لهم.

وكادت ثغرة صغيرة تكشف عمل الجاسوس الماهر، حين أستخدم السفير الألماني(كانون الأول / 1943) في أنقرة معلومات هامة وسرية من الوثائق التي سلمها لهم إلياس، في محادثاته مع وزير الخارجية التركي الذي أبلغها للبريطانيين عن احتمال وجود ثغرة أمنية، ولكن الشكوك حامت حول أشخاص آخرين، إذ أعتقد الإنكليز بقلة ذكاء إلياس للقيام بمهمة كهذه، ولكن جرى بالمقابل فحص الموقف الأمني وتشديد الإجراءات، بما يرفع من درجة صعوبة العمل التجسسي.

واشتدت الشبهات، حين وردت معلومات موثوق بها إلى مركز الاستخبارات الأمريكية في برن / سويسرا (كانون الأول / 1943)، عن طريق جاسوس موثوق يعمل لصالح الأمريكان من قلب وزارة الخارجية الألمانية، شاهد بنفسه معطيات تشير أن هناك خرقاً أمنياً في السفارة البريطانية بأنقرة وهناك عميل أسمه (شيشرون)، وأن لدى المخابرات الأمريكية نسخاً من بعض تقاريره.

وفي 15 / كانون الثاني / 1944 أبلغ الرئيس الأمريكي روزفلت، رئيس الوزراء البريطاني تشرشل  عن المعلومات التي تؤكد وجود خرق ألماني في السفارة البريطانية بأنقرة، وأن الألمان لديهم معلومات دقيقة عن مؤتمر القاهرة (22ــ 26 / تشرين الثاني / 1943) .

في مطلع كانون الثاني / 1944 نجحت المخابرات الأمريكية بالاتصال بسكرتيرة ألمانية تعمل في السفارة الألمانية بأنقرة وكسبها للعمل معهم، حتى هربها والتحاقها بالأمريكيين في 9/ نيسان / 1944، لكنها لم تنجح بمعرفة شخصية : من يكون شيشرون هذا …؟

وفي 10 / شباط / 1944 تناقلت صحف بريطانية، أن هناك انشقاقاً ضمن محطة المخابرات الألمانية في أستامبول، وأن موظفاً ألمانيا يعمل في المخابرات الألمانية هناك قد التحق بجانب الحلفاء، الذي لم يكن يعمل مباشرة لصالح المخابرات الألمانية، ولكن لصالح الاستخبارات العسكرية، لذلك لم يشكل هذا الحدث أي خطورة على عمل إلياس … وبقى شيشرون مرة أخرى أسماً غامضاً ..!

وفي آذار / 1944 استقال إلياس من عمله كخادم في السفارة البريطانية، وقد تسرب الخوف لقلبه أن يقبض عليه ذات يوم متلبساً، ومن جهة أخرى كان قد اكتفى بما حصل عليه من ثروة كبيرة (بمقايس تلك الأيام) ولم تشعر المخابرات البريطانية M16) إلا بعد مغادرته، وكان الإبلاغ قد ورد عن طريق المخابرات الأمريكية.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، شرع إلياس بتكوين حياة جديدة، ومن ذلك بناء فندق فخم في بوصة / تركيا، ولكن بعد أن أكد البنك البريطاني أن معظم الباونات التي بحوزته مزورة، تبددت أحلامه، ولمدة سنتين، كان عليه أن يشقى لكي يعيش ومن ذلك أنه صار يدرس الغناء، ومارس الغناء في الملاهي، وعمل في تجارة التحف (الأنتيك)، والقضايا المستعملة.

ولكن قصته بدأت تشتهر عالمياً، بعد الأخبار التي تداولتها الصحافة، والإشاعات، وأيضاً من خلال مذكرات رجل المخابرات الألماني في السفارة الألمانية بأنقرة، الذي كان رجل الاتصال المباشر بإلياس (شيشرون).

ولكن السفير البريطاني هوغي مونتغمري (الذي كان إلياس في خدمته، ويستنسخ وثائقه السرية) والذي تقاعد عام 1947، لم يشر بكلمة واحدة إلى حادثة إلياس (شيشرون)، في مذكراته التي نشرها عام 1949. ولكن انتشار أخبار عملية شيشرون أرغمت وزير الخارجية البريطاني على الاعتراف بالخرق الأمني في سفارة بريطانيا في أنقرة أمام مجلس العموم البريطاني في تشرين الأول / 1950، وحاول مخففاً من وطأة الأمر، أن شيشرون لم يحصل على النسخ الأصلية للوثائق، بل على تسخ مصورة منها.ولكنه أعترف أيضاً أن حادثة التجسس كانت ستكون مستحيلة لو لم يتهاون السفير هوغي في الحفاظ على الوثائق، ولكن السفير لم يتعرض للمساءلة رغم تقصيره وإهماله.

 وفي فترة بعد الحرب، في الخمسينات، بدأت خطوط عملية إلياس(شيشرون) تتجمع وتنكشف، وأهم تلك الخطوط ما كشفه كاتب أمريكي، وربما ألماني الأصل، (جوزيف مانكيفيتش) يبحث في قصص الجواسيس والذي كتب كتاباً شهيرا بعنوان (خمسة أصابع) وأنتجت فلماً في هوليود / الولايات المتحدة الامريكية في مطلع الخمسينات، وكذلك الألماني الذي كان يتجسس لصالح الولايات الغربية من داخل وزارة الخارجية الألمانية، وشعور الإنكليز بأن سفارتهم في أنقرة / تركيا، كانت مخترقة، تحوم الشكوك عن أفراد ولكن دون التوصل لنهاية حاسمة، ولكن الخمسينات شهدت كشف تدريجي للخرق الأمني الخطير الذي يعتبر من أقوى عمليات التجسس في السفارات، وأكثرها فاعلية، وانتهت دون أن يكتشف الجاسوس.

(الصورة مؤتمر القاهرة نوفمبر 1943: تشرشل، روزفلت، تشان كاي تشيك)

والاستخبارات الألمانية كما نوهنا كانت تثق بالمعلومات (الوثائق) التي كان إلياس يقدمها في غاية الدقة، والانتظام، ولكن وزارة الخارجية الألمانية كانت تعتقد أن المعلومات هي فخ أستخباراتي، لذلك فاتتهم فرصة كبيرة بمعرفة مبكرة عن إنزال الحلفاء في نورماندي (4 / حزيران / 1944)، وتفاصيل عن مؤتمر القاهرة (22ــ 26 / تشرين الثاني / 1943)، بين الرئيس الأمريكي روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل، والزعيم الصيني تشان كاي شيك.

وفي عام 1954 طالب إلياس بازنا بجرأة، الحكومة الألمانية  في عهد المستشار أديناور تعويضه  بمبلغ 150 ألف باون استرليني،عن خسائره من العملات المزورة التي كانت الاستخبارات الألمانية تقدمها له، لكن الحكومة الألمانية رفضت طلبه، وفي محاولة أخرى كتب إلياس أحداث قصته في كتاب حقق نجاحاً جزئياً، رغم أنه صدر بعدة لغات.

عاش إلياس بازنا (شيشرون) بقية عمرة في مدينة ميونيخ الألمانية يعاني من العوز، وتوفي ودفن فيها عام (1970) عن عمر 66 عاماً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شيشرون  (Cicero):

الأسم الذي انتحله إلياس، بالاحرى الذي أختاره له ضابط المخابرات الألمانية في  السفارة الألمانية / أنقرة هو أسم تاريخي شهير.

هو الكاتب والخطيب الروماني البارز، ماركوس تيليوس شيشرون، ولد عام 106 ق.م له إنتاج ضخم من الأعمال خطب وفلسفة وأراء في السياسة والحكم والقوانين، كان له دوره في مجتمع روما السياسي الغارق في التكتلات والتآمر والاغتيالات السياسية، ثم اغتيل هو شخصياً في ديسمبر ــ كانون الأول / 43 ق . م