رأي

وصاية أم حماية وانتداب ؟

مصباح(فوزي)رشيد
ـــــــــــ

من كثرة الانتقادات تولد شك لدينا في الانظمة وفي من يحكمها ، وفي الاستقلال الذي خرج ألوف الجزائريين فرحين مستبشرين به ، ورفرفت أعلامهم فوق أسطح المباني ، وتعالت زغاريد الأمهات في عنان السّماء ، تعبيرا عن البهجة والفرحة … هكذا كبرنا وعشنا على ايقاع الزّغاريد و الأفراح .

لم نشك يومًا في مدى نزاهة الأنظمة وعلى رأسها الأشخاص الذين حكمونا باسم ” الشرعيّة الثّوريّة ” . و لم نرفع ابدًا سقف الحريّات ولا في الدّيمقراطية التي غدت مطمع كل الشّعوب ، وكان الاهتمام منصبّا حول كيفية بناء وتشييد دولة ” لا تزول بزوال الرّجال ” . ومن ثورة إلى ثورة ، ما دفع بإحدى الشّخصيّات الثّوريّة حينها إلى اعتراض سياسة الرّئيس الرّاحل ( هواري بومدين ) بقوله : ” جئت تخرجنا من ثورة لتدخلنا في ثورة أخرى ” ، وكان ذلك سببا في اغتياله – حسب بعض الاعتقادات – . كنا نصّفق خلالها ، ونتغنى بالأمجاد والأعياد ، ونردّد شعارات الثّورات المجيدة المتعدّدة ، ثورة زراعيّة ، وأخرى ثقافيّة …وهكذا ، إلى أن جاء ما يُسمّى ” بالصّحوة ” بُعيْد سنين من الأهازيج والأفراح ، ومعها بعض الفتاوى ، كثير منها ما يُحرّض على الجهاد . لم نكن يومها ندرك معنى الجهاد ، وفُتح الباب على مصراعيه أمام الشباب ، فشُدّت رحالهم إلى الأرض البعيدة ، وهناك مات من مات وعاد من عاد ، فسلّم نفسه ، أو تمّ القبض عليه متخفّيّا بعد عودته إلى أرض الوطن .

ثم جاء الرّبيع بعد ذلك بسنين كالجمر ، فاشتعل الشّارع العربيّ ولم يجد من يخمده ، والتهمت نيرانه العديد من المدن و تحاشت أحرى ، ولم ينجُ منها بلدا عربيا واحدا الا وقد دخلته . لكن فجأة ، تمّ إخمادها ببعض البلدان ، وبقيت أخرى جذوة مشتعلة ، حيث لا تزال شعوب فيها تعاني من القتل والشتات والدّمار… حتى دبّ اليّأس في قلوب المفاوضين الثوّار ، فراحوا يفاوضون أنظمتهم ” العدوّة القديمة ” على الحُطام والأشلاء لحفظ ماء الوجه .

لم نر من الغرب ، خلال كل المسيرات التي جرّبتها الشّعوب ، تدخّلاً واحدا يبرز موقفها بوضوح ، وهو الذي تتبنّى أنظمته الدّمقرادية الحريّات الانسانيّة ، وترفع شعاراتها فوق المباني عاليًّا . وعليه فإنّه يحقّ للبعض في التشكيك في مدى نزاهة الأنظمة الغربيّة ، والتي تغمض عينًا واحدة حتّى لا ترى الظّلم الذي تعاني منه الشعوب العربية خاصّة ، وتفتح أخرى عندما يتعلّق الأمر بمصالحها الذّاتيّة . بل ويحقّ لهؤلاء المشكّكين كذلك ، التشكيك حتى في الاستقلال الذي نالته هذه الشّعوب وخرجت تتغنّى به . لكن لا يحقّ لهم أبدًا التّشكيك في الأرواح التي سقطت فداء للوطن ، ولا في التضحيّات الجسام التي قدمتها هذه الشّعوب بسبب مواقفها الجريئة .

وبهذه المناسبة ، فقد خرج من يشكّك حتى في اتّفاقيّات إيفيان ، وقالوا عنها ” مجرّد نصٍّ فرنسيٍّ ” صيغ تحت البندقيّة الفرنسيّة ، ونرى كيف يُستخدم اليوم ورقة ضاغطة لحماية مصالح فرنسا وأعوانها من الجنرالات .

فهل هذه وصاية أم حماية وانتداب ؟