أحوال عربية

الصراع الإيراني- الأميركي: عودة التوتر

د. أثير ناظم الجاسور

ــــــــــــــــــــــ

كثيرة هي الأحاديث عن التوتر والنزاع التنافس وما تفكر به هذه الدولة وما تحاول الحصول عليه من منافع، فكل دولة سواء كانت صغيرة أم كبيرة لها دور تلعبه على المسرح الدولي والإقليمي من خلال ستراتيجيات ترسمها مبنية على التعاون والتكامل والاعتماد المتبادل، بالنتيجة فهي تحدّد مسارات عملها وتوجهاتها في هذا المسرح الكبير، منذ انتهاء الحرب الباردة ولغاية اليوم أثيرت العديد من القضايا التي اشغلت العالم من حيث أهميتها وتأثيرها في أمن هذه المنطقة أو تلك، ومن قبل هذا تم تقسيم العالم لمناطق وعوالم تحمل معاني تطورها وحداثتها تقابلها عوالم بعيدة عن المفاهيم الغربية، وكل الحروب التي دارت رحاها بعد الخرب الباردة هي تدخلات عسكرية من اجل تغيير معالم دولة بذاتها أو تقسيم منطقة حسب ما هو مخطط له في مطابخ القوى الكبرى، لكن هذا لا يعني أن هذه القوى هي صاحبة السبب والنتيجة، لا بل هناك عوامل مساعدة على تغول هذه القوى وجعلها تتدخل في كل صغيرة وكبيرة.

ما بعد الحرب الباردة
بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وتم الإعلان عن انتهاء الحرب الباردة وانتصار الرأسمالية بقيادة الولايات المتحدة، لم تكن الساحة الدولية مهيأة لخلق خصم جديد للمعسكر الغربي مما أعطت انطباعاً عاماً خصوصاً في أوروبا، أن زمن الصراعات والخوف من الحروب قد انتهى ويجب التفكير بالعمل المشترك للوصول لصيغ جديدة من التعاون، لكن التفكير الستراتيجي الأميركي لم ولن يسمح أن يحكم العالم شكلياً، فأجري تعديل على الكثير من الستراتيجيات التي تم استخدامها في فترة الحرب الباردة وبقيت سياسة الاحتواء هي المسيطرة وتمت من خلال التوغل في مناطق أوروبا الغربية والسيطرة على دولها، ناهيك عن تواجدها في منطقة الخليج العربي ذات المخزون النفطي الهائل وسيطرتها على منابع النفط هناك من جراء احتلال العراق للكويت 1991، وتوالت التدخلات في البوسنة والهرسك 1995 وكوسوفو 1999 إلخ …. لتأتي احداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 ليتم تقسيم العالم مع أو ضد، وليعلن بوش الابن أنه يحارب من اجل الخير والإنسانية بعد أن تم تكليفه من الله، لتكون حربه ضد القاعدة في افغانستان وطالبان، علماً أن هذه التنظيمات هي واحدة من ادوات السياسة الخارجية الأميركية في محاربة الاتحاد السوفيتي، لكنها أيقنت أن تضخم هذا النظيم سيؤدي بالنتيجة إلى تهديد مصالحها، فكانت الحرب على القاعدة المنفذ الرئيس لهجمات سبتمبر/ أيلول، هو واحد من بديهيات الستراتيجية الأميركية الجديدة آنذاك، وكل خصومها الذين تحاول إسقاطهم اليوم قدّموا المساعدة الكافية لها في حربها ضد القاعدة وطالبان في افغانستان.

محور الشر
هذا المحور الذي أكد عليه جورج بوش الابن هم كلٌّ من (كوريا الشمالية والعراق وإيران وسوريا وليبيا)، وبدأت الولايات المتحدة بتقليم هذا المحور الواحد تلو الآخر سواء بالتدخل العسكري المباشر أو بالإنابة أو من خلال القنوات الدبلوماسية، فالعراق انتهت ورقته بعد الاطاحة بنظامه السياسي، علماً أن الولايات المتحدة لم تسقط النظام بقدر ما اسقطت الدولة ومحو معالمها بالكامل لتخلق دولة ذات مقاييس غير طبيعية تتأثر بالأحداث لا بل تذوب فيها، أما ليبيا فهي كما نشاهد ونسمع لا أمل في استقرارها وتقسمت بين مجلس عسكري لا يذكر وجماعات مسلحة متطرفة وعشائر تحكم وفق أعرافها، سوريا انهكتها الحرب حتى وإن لم يسقط النظام، لكنها فقدت قدرتها على السيطرة والاستمرار لوحدها، فهي لم تعد قادرة على حماية أمنها بمفردها وستستمر بطلب المساعدة على الدوام، وسوريا اليوم بموقف لا تحسد عليه، فهي ستواجه صعوبات جمة في الأيام المقبلة، أما كوريا الشمالية في طريقها لأن تخضع للضغوط الدولية، فهي لا تمتلك النفس الطويل للمناورة والمساجلة خصوصاً ووضعها الاقتصادي لا يسمح لها بالمنافسة، أما إيران فعند قراءة الأحداث بشكل عام، نجد أنها سوف تمر بمرحلة حرجة من عمر الدولة خصوصاً وهي اليوم تواجه ضغوطات كبيرة سياسية واقتصادية، في الحقيقة إن ما تواجه ايران هو ذاته ما واجهه العراق، وذات الاتهامات سواء في ما يخص البرنامج النووي ودعم الجماعات المسلحة بالتدريب والمال والسلاح ومصدر قلق لدول المنطقة ومساهمة في زعزعة الاستقرار، وخشية الولايات المتحدة من أن تقع هذه الأسلحة بيد الجماعات المسلحة التي تسهم في تهديد العالم وإرهاب الآمنين.

ما قد يحصل
بالمحصلة إن ما قامت به الولايات المتحدة مؤخراً بالانسحاب من اتفاق البرنامج النووي الايراني هو يسير وفق ستراتيجيتها العالمية التي تحاول من خلالها السيطرة على المناطق الحيوية مناطق إمداد ونقل الطاقة، ولم تكن هذه الخطوة من افكار الرئيس دونالد ترامب لوحده، بل هي سياسة مبنية على حسابات الربح والخسارة ومالكَ وما عليك، والولايات المتحدة لن تتوقف عند هذا الحد ستسعى الى أن تفرض عقوبات على ايران شديدة لإضعافها من الداخل اقتصادياً وستحاول تطويق حلفائها وتحجيمهم قدر الإمكان، وستغري الروس ببعض الفتات في سوريا مناطق نفوذها السابق لتصل معها إلى نتائج مرجوة روسياً، تبقى القضية مرهونة بمدى تعاطي الأوروبيين مع القرارات الأميركية وهل ستقف بالضد أو معها، بالتالي فإن النظام السياسي في ايران محاطة بمخاطر كبيرة وسيواجه تحديات أكبر لم يواجهها من قبل حتى وإن لم تكن الحرب المباشرة هي العنوان، لكن الأيام المقبلة ستحمل في طياتها مفاجآت لإيران اذا ما وقف معها حلفاؤها الروس والأوروبيون وابتعدت عن الخطوات غير المحسوبة، خصوصاً وأن الولايات المتحدة قد اختبرت ايران في اكثر من جبهة وتعرفت على قدرتها في التعامل مع هكذا أزمات، بالتالي فهي (أميركا) تعرف مديات القوة الإيرانية السياسية والعسكرية وستعمل على قياس ردود فعل إيران ودفعها لتكون هي من يبدأ بالتصعيد.