الصحافة الجديدة رأي

كيف يوظف الإعلام السلطوي العاطفة الوطنية؟

دكتور محمد عمارة تقي الدين
ــــــــــــــــ
” الوطنية هي آخر ملاجئ الأوغاد” تعود تلك المقولة لصموئيل جونسون، وربما لو تأملنا فيها قليلا لاكتشفنا أنها تعبر بصدق عن تلك الجريمة التي يرتكبها الإعلام السلطوي بحق الجماهير، ففي حين أن العاطفة الوطنية توظفها الأنظمة الديمقراطية لتقوية الولاء لدى مواطنيها، في المقابل نجد الأنظمة السلطوية القمعية وقد وظفتها عبر وسائل إعلامها في القضاء على أي فكر عقلاني، فتبرر لأي عمل تقوم به بحجة أنه من أجل الوطن ثم تبدأ جوقة الأغاني الوطنية في الإنطلاق فيموت التفكير العقلاني ويضمحل.
وفي علم المنطق تسمى تلك الجريمة بمغالطة تلويح الأعلام أو إثارة العاطفة الوطنية Flag waving appeal to patriotism ، وتعتمد آلية عمل هذه المغالطة على إثارة العاطفة الوطنية ليجري التغاضي عن ارتكاب البشاعات والحماقات بحجة أنها في التحليل الأخير لصالح الوطن ومن أجل أن يبقى الوطن .
فستجد نفسك في ظل الأنظمة السلطوية أمام خطاب إعلامي متسربل بالديباجة الوطنية طوال الوقت لكنه في حقيقة الأمر ضد الوطن ولصالح المجموعة الحاكمة وحدها، فالمقصود منه في التحليل الأخير هو ستر عورات تلك الأنظمة والتعمية على إخفاقاتها.
فاستدعاء الإحساس بالوطنية وتضخيمه هنا هو أمر من شأنه أن يلغي التفكير العقلاني ومن ثم يُلهي الفرد عن الحكم على القضية بشكل موضوعي.
يقول بيير بورديو : ” ربما يكون الشيء الأساسي في تفشي حالة العداء للآخر وتصاعد المشاعر القومية هو استغلال هذه المشاعر الأولية إلى أقصى حد من جانب وسائل الإعلام ” ، ولعل التوظيف السلبي لتلك المشاعر القومية هو ما دفع ألبرت آينشتين لأن يهاجم النزعات القومية بقوله : ” القومية مرض طفولي, إنها حصبة البشرية ” .
فعليك إذا ما وجدت وسائل الإعلام تتغنى بشكل مبالغ فيه بالوطن وبأمجاد الوطن وأن كل شيء مباح من أجل أن يحيا الوطن، فاعلم أنها مؤامرة على عقلك لإخضاعه لما سيتم تقديمه لك من رسائل دعائية موجهة لتستقر في اللاوعي، وهي في حقيقة الأمر رسائل جرى إعدادها بعناية لصالح النظام السلطوي ورجاله وليس الوطن .
فلا عجب أن تجد إعلام الأنظمة السلطوية يتغني بالعاطفة الوطنية ويستدعيها طوال الوقت ويقحمها في كل موضوع لقتل النقاش العقلاني حوله، في حين أن إعلام الأنظمة الديمقراطية التشاركية الحقيقية يضع كل قضية على محك العقل والرأي والرأي الآخر .
وتلك المغالطة التي ترتكبها وسائل الإعلام قريبة جدا من مغالطة الشعارات البراقة فارغة المضمون والتي من شأنها استثارة المشاعر دون أن يكون لها تحليل عقلي أو تفسير موضوعي أو خطة أو إستراتيجية لتطبيقها مثل شعار ” تحيا ألمانيا ” الذي رفعه النظام النازي في عهد هتلر لحشد الجماهير في حين أن ما كان يجري على الأرض هو الموت والدمار لألمانيا وللمواطنين الألمان.